مما لا شك فيه أن الجنرال "قاسم سليماني"، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، كان قد أوغل في الملف العراقي بشكل يفوق كل المسؤولين المحسوبين على محور إيران في المنطقة، بل إن الشهور التي سبقت اغتياله؛ قد شهدت إشرافه المباشر على عقد اجتماعات بين الجماعات العراقية المسلحة في بغداد، لتقريب وجهات النظر وتشكيل جهة موحدة تسعى من خلالها طهران للدفاع عن مصالحها في صراعها على النفوذ مع الولايات المتحدة، هذا بخلاف تدخلاته لتوجيه السلطات المحلية في تعاملها مع مشهد التظاهرات التي كانت تجوب الشارع العراقي، لقد كان الرجل يدير العراق في الظل، لذا فإن اغتياله غير المتوقع؛ قد أحدث فراغًا كبيرًا في ملفات عدّة، وبالتأكيد أبرزها الملف العراقي، فكان لابد من خليفة لـ"سليماني" يعمل على ملء هذا الفراغ، هنا برز اسم "محمد كوثراني"، أحد المسؤولين البارزين في ميليشيا حزب الله اللبناني، لقد عاد اسمه إلى الأضواء من جديد ليرتبط بجهود إيران ومليشياتها في العراق. فمن هو "محمد كوثراني" أو سليماني الجديد في العراق؟

ما من تاريخ ميلاد مُحدّد للرجل؛ إذ لديه قيود رسمية بتواريخ ميلاد في أعوام 1945 و1959 و1961، لكن إذا تعددت سنوات المَولِد واختلفت، فإن مكان الميلاد ـ بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية ـ هى مدينة النجف بالعراق، يحمل "كوثراني" الجنسيتين اللبنانية والعراقية، وهو مسجل لدى السلطات الرسمية تحت اسمي "محمد كوثراني" و"جعفر الكوثراني"، وهو أحد أبرز الأسماء الفاعلة في ميليشيا حزب الله اللبناني، سواء سياسيًا أو عسكريًا، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليه من قبل وزارة الخزانة في أغسطس من عام 2013، مهمة "كوثراني" الأساسية تقع في العراق، فهو مسؤول حزب الله إلى الملف العراقي منذ سقوط نظام حزب البعث في العراق عام ٢٠٠٣، عمل "كوثراني" عن قرب مع "قاسم سليماني" إبان فترة تواجده بالعراق، وقد برز دوره في مساعدة سليماني لقمع وإخماد الانتفاضة الشعبية التي يشهدها العراق، إذ أفادت العديد من التقارير إلى أن مستشارين كانوا يعملون بتوجيهات منه وبالتنسيق مع قادة الحشد الشعبي، للتصدي للمظاهرات وإحباط مطالب العراقيين الغاضبين من الطبقة السياسية.

الجانب العسكري من حياته يتركز في دعم الجماعات الموالية لطهران في العراق، بالإضافة إلى تنسيق دور حزب الله في توفير التدريب والتمويل والدعم السياسي واللوجستي للجماعات الشيعية العراقية المسلحة، حيث ضالعًا بقوة في عمليات الاستثمار بأموال حزب الله لتهريب الأسلحة بين العراق وإيران، ووفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية؛ فقد كان كوثراني مسؤولًا مباشًرا عن العديد من الهجمات ضد قوات التحالف في العراق، بما في ذلك التخطيط لهجوم يناير 2007 على مركز تنسيق محافظة كربلاء المشترك، وفي مايو 2018؛ تدخل "كوثراني" لرأب الصدع بين فصائل وقادة في الحشد الشعبي في العراق، حيث احتدمت في وقتها الخلافات ما بين قادة "الحشد الولائي" التابعين لإيران، وأخرين يتبعون للمرجع الشيعي "علي السيستاني" والتيار الصدري، كما ساهم "كوثراني" في تشكيل كتائب حزب الله العراق، إلى جانب زعيمها "أبومهدي المهندس"، الذي قُتِلَ في يناير الماضي مع "قاسم سليماني" قرب مطار بغداد بغارة أمريكية، كان طموح "كوثراني" هو أن تكون ميليشيا حزب الله في العراق هى النسخة العراقية من الميليشيا اللبنانية، وقد ساهم "كوثراني" في استقدام خبراء من لبنان للإشراف على تدريب مليشيات حزب الله العراق وعصائب أهل الحق.

وبحسب بعض التقارير الاستخباراتية؛ فقد كان لـ"كوثراني" دور رئيسي في تنفيذ خطة تفجير الإمامين العسكريين في مدينة سامراء عام ٢٠٠٦، والتي أدت إلى اندلاع الحرب الطائفية بين السنة والشيعة في العراق، وحصدت أرواح آلاف المدنيين، كما أن الرجل كان قريبًا للغاية من صناع القرار الفاعلين في العملية السياسية في العراق، خاصةً مع تولي رئيس حزب الدعوة "نور المالكي"، المقرب من إيران، رئاسة الحكومة العراقية عام ٢٠٠٦، فصار "كوثراني" عرابًا لتعيين المديرين العاميين والقادة العسكريين ومنسقًا لكافة العمليات المالية الخاصة بالحرس الثوري وحزب الله مع العراق، كما أنه يشرف شخصيًا على إدارة عمليات تجنيد الشباب العراقي في صفوف المليشيات المسلحة، وكذلك على مراكز التجسس الإيرانية داخل العراق التي تحتضن أجهزة متطورة، خاصة في بلدة "جرف الصخر" جنوب بغداد، والتي تمثل مركز القواعد العسكرية الإيرانية في العراق، منذ أن نفذت مليشيات الحشد الشعبي حملة إبادة جماعية ضد أهلها عام ٢٠١٤.

 

يقضي "كوثراني" معظم وقته ما بين العراق ولبنان وإيران، ضمن واجباته لتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة، ومراعاة المصالح المالية والسياسية والعسكرية الإيرانية في العراق ودعم مليشيات طهران فيه، كما يقود وساطات طارئة لإتمام صفقة صلح بين "مقتدى الصدر" و"نوري المالكي"، وكذلك حل خلافات بين عدة فصائل بالحشد الشعبي، قائمة على مشكلات سابقة كان "سليماني" يسيطر عليها، وبالتالي هناك خشية من تفجرها الآن في ظل غياب "سليماني"، أهمها: انتقال المقاتلين من فصيل إلى آخر، وقضية فرض النفوذ في مناطق دون أخرى، وأزمة التسليح، لكن تحركات "كوثراني" الكثيرة في العراق تثير امتعاض زعامات عراقية شيعية أخرى، مثل رئيس الوزراء السابق "حيدر العبادي"، وزعيم تيار الحكمة "عمار الحكيم"، فضلًا عن شخصيات سياسية وعسكرية أخرى، تعتبر وجوده بمثابة إلغاء لفكرة اختيار أحد القيادات العراقية الحالية لمهمة "سليماني" التي كان يؤديها في العراق. ولكن لا يتوقف دور "كوثراني" عند الملف العراقي؛ فقد ساهم بشكل فاعل في إرسال مقاتلين إلى سوريا لدعم نظام الأسد، كما كان وسيطًا في تقديم الدعم المالي لميليشيات الحوثي في اليمن، ولقادة عسكريين مسؤولين عن أعمال إرهابية في دول من بينها مصر والأردن وقبرص، ولعل هذا ما دفع السعودية إلى فرض عقوبات على "كوثراني" وآخرين من ميليشيا حزب الله عام 2015، استنادًا لنظام جرائم الإرهاب وتمويله.

"كوثراني" ليس وحيدًا في إدارة النفوذ الإيراني بالعراق، بل يعمل معه السفير الإيراني "إيرج مسجدي"، والمسؤول في السفارة الإيرانية ببغداد "علي أكبر محمدي"، و"حسن دنائي فر" السفير الإيراني السابق، إلى جانب عدد من ضباط فيلق القدس وحزب الله، وبالرغم من علاقاته الواسعة مع ممثلي النفوذ الإيراني في العراق وارتباطه الوثيق بقادة المليشيات هناك؛ إلا أن مهمة "كوثراني" الحالية عقب مقتل سليماني والمهندس صعبة للغاية، فقد لا يتمكن من لعب دور سليماني كاملًا في قيادة هذا النفوذ، خاصة أن إيران ومليشياتها في العراق والمنطقة تواجه واقعًا صعبًا منذ مقتل سليماني، كما أن "كوثراني" قد فشل عقب 4 اجتماعات متتالية في النجف وقم وبيروت وبغداد مع قادة مليشيات الحشد الشعبي والسياسيين العراقيين التابعين لإيران، من الوصول إلى نقطة تلاقي لتقديم الدعم الكامل لـ "محمد توفيق علاوي" رئيسًا للحكومة خلفًا لـ "عادل عبدالمهدي"، فهل يقود هذا الفشل في توحيد صفوف المليشيات تحت قيادة واحدة، إلى انطفاء أسطورة "كوثراني" قبل أن تبدأ وتتوهج مثلما حدث مع "سليماني"؟!