قال الفيلسوف اليوناني هِرَقْليطُس "لا أحد يخطو في نفس النهر مرتين". وجهة نظر الفيلسوف اليوناني هي أن الزجاج المكسور لا يمكن إصلاحه لكن يمكن استبداله وهذا الأمر زاد في شرحه مقال نشره الكاتب الأمريكي توماس رايت في مجلة (The Atlantic) تحدث فيه عن المعركة التي يخوضها الحزب الديمقراطي لدعم نائب الرئيس السابق، جو بايدن، للإطاحة بالرئيس دونالد ترامب في نوفمبر المقبل ولجعل جميع سياسياته الخارجية جزء من الماضي.  ما تسعى إليه نخبة الحزب الديمقراطي هي إعادة هيكلة السياسات الخارجية الأمريكية بما يتناسب مع التغيرات التي شهدها العالم في العقدين الآخيرين. ففي عام 2012 تسلم الرئيس الصيني شي جين بينغ السلطة وحول منظومة الحكم كاملة داخل الحزب الشيوعي الحاكم لتصبح حالة تجديد لعهد ماو تسي تونغ ويرسم خطاً للمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية بما في ذلك إمبريالية إقتصادية تهيمن على مراكز التسوق ومصادر المواد الطبيعية، تم جاءت خطوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يناير الماضي بالتخلي عن الثوب الديمقراطي الذي استمر في إرتداءه طوال تناوبه على السلطة مع رئيس وزراءه السابق ديميتري مدفيديف ليعزز سلطات مجلس الدوما ويمنح منصب الرئيس المزيد من الصلاحيات لغاية ترجمة على أرض الواقع بتوجيه المزيد من القمع للمعارضة وبمواصلة الضغط على أوروبا في الملف الأوكراني وتمدده العسكري في روسيا وبدعم الدكتاتور نيكولاس مادورو في فنزويلا، وكذلك تشييد خط جديد للطاقة يصل إلى أوروبا عبر اوسط آسيا بإتجاه البحر المتوسط، وكل ذلك كان على حساب التوجهات الأمريكية، كذلك تواجه الولايات المتحدة إعادة تشكيل مراكز التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، فتركيا التي تدخلت في سوريا لأغراض سياسية وأمنية لمحاربة المشروع الكردي في الشمال السوري أصبحت تخوض مواجهة متشعبة مع السياسيات الأمريكية سواء على صعيد إفشال مشروع الدولة الكردية الذي مثل مصلحة مشتركة بينها وبين إيران وعزز تعاون بين الطرفين ضد السياسيات الأمريكية في نطاقات مختلفة مثل العراق وليبيا وسوريا، وكذلك فقدان أنقرة للدور الإيجابي الأمريكي إتجاه المصالح التركية عقب دعم الإدارة الأمريكية الإنقلاب ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، وكذلك رفض حلف شمال الأطلسي توجيه أي دعم لتركيا في مواجهتها مع الروس في سوريا، وبذلك تكون تركيا بدأت معركة لا يمكن إنهائها بسهولة تتعلق بماقسمة النفوذ مع واشنطن في الشرق الأوسط.

تعتقد النخبة الديمقراطية أنه لا يمكن الضغط على زر "إعادة ضبط المصنع" لتجنب المزيد من التصادم مع العالم فيما يتعلق بالسياسات الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية، لكنها تؤمن بأن مرحلة الإدارة في عهد الرئيس دونالد ترامب هي هي وجه آخر للسياسيات الأمريكية أقرب للطريقة التي اتبعتها الإدارة الأمريكية مع تشيلي في سبعينيات العقد الماضي والتي عرفت بطريقة "العلاج بالصدمة"، فقد انقلب ترامب على سياسة الاحتواء التي كان ينفذها الرئيس باراك واوباما ومستشاره ونائبه جو بايدن مع الصين وإيران وأعلن حرباً باردة عليهما بينما سعى لمحاولة استنزاف تركيا في حرب شوارع في سوريا لكنها تحولت لصالحها، كذلك أعاد وضع قواعد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا سواء فيما يتعلق بالسياسات الدفاعية أو المالية ووضع الروس أمام معادلة جديدة بزيادة حجم قوات حلف شمال الأطلسي في دول البلطيق وإلغاء معاهدة الأسلحة النووية.

يعتقد الكثير من قادة الحزب الديمقراطي أنه يجب إعادة تبني المبادئ الأساسية التي دفعت نجاح السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، لإدراكهم حجم المصالح الأمريكية الحيوية في الخارج، فهم ينظرون إلى أهمية دور حلفاء الولايات المتحدة في دفع المصالح الأمريكية وحمايتها بعكس المسار الذي سلكه الرئيس دونالد ترامب والذي جعل المنفعة والمصالح المتبادلة هي الحكم في تحديد قوة العلاقات مع الحلفاء.

وقع ثمانون من خبراء الأمن القومي والأمن الداخلي على خطاب مفتوح يؤيد دعم ترشيح نائب الرئيس باراك أوباما السابق، جو بايدن، للرئاسة ومن بين الموقعين جيمس كلابر، المدير السابق للمخابرات الوطنية، وريتشارد دانزيج، وزير البحرية السابق، ولاري فايفر رئيس الأركان السابق في وكالة المخابرات المركزية السابق، وجاء في الخطاب "نعتقد أن جو بايدن لديه أفضل فرصة من بين جميع المرشحين الديمقراطيين، لضمان عدم استمرار دونالد ترامب كرئيس لأربع سنوات أخرى(....) نعتقد أيضًا أنه هو الأنسب لعكس مسار تراجع الأمن القومي الأمريكي."

لم يكن هذ الدعم من فراغ فــ"جو بايدن" ( 77 عاماً ) من أقدم السياسيين الأمريكيين، إذ تخرج من كلية الحقوق بديلاوير عام 1968م وبدأ يتجه إلى ممارسة مهنة المحاماة ولم تمر سوى أربعة أعوام حتى أصبح عضو مجلس الشيوخ عن نفس الولاية، وقبل أن يحاول الترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي عام 1988 تولى رئاسة لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ وركز خلال تلك الفترة على ما اعتبره "حق الولايات المتحدة في الدفاع عن دورها كقائد على المسرح العالمي". فشل مرة أخرى في الترشح للرئاسة عام 2008 لكن الرئيس باراك أوباما اختاره معه في حملته ليصبح مستشاره الخاص والنائب 47 لرئيس الولايات المتحدة. وفي عام 2017 بعد إنتهاء الولاية الثانية للرئيس أوباما قام بتكريم بايدن بوسام الحرية الرئاسي وخلال العام الجاري أطلق جو بايدن حملة شرسة نجح خلالها ليصبح مرشح الحزب الديمقراطي للإنتخابات الرئاسية الامريكية في نوفمبر المقبل. ورغم أن الإعلان الرسمي للحزب الديمقراطي سيكون في اغسطس المقبل إلا أن الرئيس السابق باراك اوباما اعلن تأييد جو بايدن لتمثيل الحزب وكذلك فعل الاشتراكي بيني ساندرز الذي خاض منافسة شرسة مع بايدن على أصوات المقترعين في الولايات الأمريكية، ومع الفجوة الكبيرة بين ساندرز وبايدن في البرنامج الإنتخابي سواء فيما يتعلق بدعم "إسرائيل" أو طريقة المواجهة مع إيران أو الصين إلا أن الأخير اسوة بجميع من سبقوه من المرشحين في الانتخابات التمهيدية أعلن على الملاء دعم بايدن.

 خلال فترة إدارة الرئيس باراك أوباما التي استمرت لثمانية أعوام كان ينظر لبايدن على أنه ليس فقط نائب الرئيس بل ايضاً المستشار الخاص به، لذلك يشار إليه على أنه من صاغ السياسيات الأمريكية الخارجية سواء في العراق أو أفغانستان وكذلك في عام 2010 ضغط على مجلس الشيوخ لتمرير معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا. وعلى صعيد الداخلي تمكن بايدن في يناير 2013 من قيادة جهود تفاوضية لتوقيع صفقة مع زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ يمتش ماكونيل لتجنيب الحكومة الفدرالية أزمة مالية، كما نجح في تمرير 16 إجراءً تنفيذياً وقع عليها الرئيس للحد من انتشار السلاح في البلاد.

عقب حسم المعركة داخل الحزب الديمقراطي ونجاح بايدن بالتغلب على منافسه بيني ساندرز بدأت تطفو إلى سطح مجموعة اتهامات بالتحرش موجهة ضده، وكان آخرها شكوى تقدمت بها آمي لابوس وهي سكرتيرة سابقة عملت مع بايدن في الكونغرس، لكن تلك المشاحنات التي تعد جزء تقليدي في الحياة السياسية الأمريكية لن تحد من فرص فوز جو بايدن في الانتخابات الامريكية. فتراكمية الأزمات التي حصدت إنجازات ترامب الإقتصادية التي كان يتباها بها طوال فترة حكمه لا سيما مع توسع دائرة أزمة فيروس كورونا والعجز الصحي الذي فضحته على المستوى الفدرالي والجدل الحاد حول الصلاحيات بين البيت الأبيض وحاكم ولاية نيويورك، أندرو كومو، بشأن الإغلاق الحكومي يزيد من النزيف الحاد في شعبية دونالد ترامب، وهذا الأمر أكده استطلاع للرأي أجرته "رويترز – إيبسوس"  في بداية شهر ابريل، أظهر تقدم بايدن على ترامب بـ6 نقاط، حيث أعرب 46 في المائة من الناخبين عن دعمهم لبايدن في انتخابات نوفمبرمقابل 40 في المائة قالوا إنهم سيصوتون لصالح ترمب. موقفه المتغير من دعم عمليات الاجهاض أظهر بايدن بصفته ثعلب ماكر يحاول استرضاء الناخبين بحسب أماكن تجمعهم لذلك لا يمكن التسليم بأن صناعة القرار السياسي الأمريكي مرتبط بالقاعدة الانتخابية للمرشحين سواء كان الأمر مرتبط بالحزب الديمقراطي أو الجمهوري بل إن افرازات الانتخابات الامريكية دائماً تؤكد على دور النخبة ومهارتها العالية في توزيع عملية تقاسم السلطة وإدارة الأزمات الداخلية والسياسية وفقاً للمصالح العليا للأمن القومي الأمريكي واستراتيجيات المشروع الرأسمالي الأمريكي على المستوى العالمي.

شغل بايدن مدة 12 عاماً كرئيس للجنة العلاقات الخارجية الأمريكية بمجلس الشيوخ ويمتلك قرابة 50 عاماً من التاريخ السياسي، لذلك هو أكثر شخصية دبلوماسية في العقدين الماضيين يجيد السير وفقاً للقيم الأمريكية التوسعية لذلك دعم حرب العراق وفي عام 2007 قدم للكونغرس مشروع تقسيم العراق، ودعى لاحتواء الصين عبر ضمها لمنظمة التجارة العالمية وكذلك التصويت لصالح إتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، وكان من أبرز مناصري العولمة التي تقودها الشركات لأنه يعي جيداً فاعليتها في تفتيت الهوية القومية وتغلغل الرأسمالية الأمريكية على المستوى العالمي. ولا يخفي بايدن أهمية دور مؤسسات الأمن القومي في الصدارة العالمية لأمريكا لذلك يدعم بقوة حفاظها على تفوقها العسكري. ولطالما سعى ترامب إلى تخفيف الوجود العسكري في الشرق الأوسط وكذلك دعا ساندرز لوقف الحروب الخارجية لأمريكا إلا أن بايدن يعتقد بأهمية التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط كجزء من الحرب على "الإرهاب"، ولا يمانع من توسيع دائرة هذه الحرب.

إن العقد الجديد لن يكون كسابقه في تعاطي الإدارة الأمريكية مع سياساتها الخارجية فمعارك جديدة تعني قيادة جديدة ولكون ترامب رجل اقتصادي بالدرجة الأولى وأظهر للعالم عجزه على المستوى السياسي في كوريا الشمالية وفي أزمة الإتفاق النووي الايراني وقدرته على إغضاب شركاء أمريكا في أوروبا بشأن الملف الفلسطيني لإرضاء النخبة اليهودية الداعمه له في واشنطن، وإشعال حرب تجارية مع الصين وإبتزاز الكثير من شركاء واشنطن حول العالم، لذلك سيكون بايدن اللاعب الأمريكي الجديد مع بداية عام 2021 إذ يمتلك تجربة عميقة في خوض الحروب سياسياً وعسكرياً لذلك يمكن فيما يلي تخليص أهم الملفات العالقة بالنسبة للإدارة الأمريكية ويجب عليها التخلص منها.

العلاقات التركية الأمريكية:

الأزمة التي نشأت نتيجة تطورات تفصيلية مع تركيا الحديثة لا تتعلق غالباً بالمشاحنة حول مشروع الدولة الكردية في الشمال السوري، بل أزمة واشنطن مع تركيا بسعي الأخيرة لإحداث تغيرات كبيرة سياسية وأمنية كبيرة على مستوى الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تصادم السياسيات الأمريكية المعتادة، لذلك ستتجه واشنطن لتحفيز الصدام مع تركيا لتبرير أي عقوبات قاسية قد تفرض على الأتراك لاحقاً، فتركيا بالنظام الديمقراطي الحالي لا تزال لم تخرج من عنق الزجاجة كما يعتقد البعض وقد يوفر الخطاب القومي الذي تجدد وتوسعت دائرته بعد الحرب على سوريا مساحة قصيرة للمناورة أمام حزب العدالة والتنمية لكن حينما يتعلق الامر بالضغط الإقتصادي على البلاد فستكون العواقب وخيمة..إن حالة الأمان السياسي التي وفرت لتركيا في السابق وجنبتها مواجهة إقتصادية قاسية مع الولايات المتحدة شبيهة بما تمر به إيران حالياً، تعود لإحتفاظها بعضويتها في حلف الناتو وكذلك دورها في احتواء روسيا واستمرارها جزء من حالة الأمان للحدود الأوروبية المشتركة.

التمدد الصيني:

قالت صحيفة أمريكية مؤخراً إن 70 في المئة من سلاسل الامدادات للسلع الطبية وغيرها تأتي من خارج الولايات المتحدة وأشارت إلى الصين والهند كأبرز المصدرين بإعتبار ذلك انعكاس خطير على التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاسواق الخارجية وتأثير ذلك على الصناعة والتجارة، وهذا الأمر يؤكد أن مواجهة التمدد الصيني الإقتصادي هو أهم وأكثر الملفات خطورة وتأثيراً على الدور الأمريكي العالمي، وبالنظر إلى أزمة فيروس كورونا التي كتبنا عنها سابقاً بإعتبارها جزء من المواجهة بين بكين و واشنطن عقب حرب تجارية استمرت طوال فترة حكم ترامب وانتهت بتوقيع إتفاق مؤقت في يناير المقبل، إلا أن واشنطن قد تضطر إلى دعم حلفاء جدد في مراكز النفوذ الصينية لزعزعة استقرار الاقتصاد الصيني كأهم مصادر قوة الصين، فعلى سبيل المثال لا الحصر قد تلجئ واشنطن إلى توفير دعم سخي لاثيوبيا لتحقيق المزيد من النفوذ السياسي على حساب النفوذ المصري للحد من التوسع الصيني في افريقيا بهدف السيطرة على الموارد والهيمنة على المزيد من الموانئ وتأمين طرق امدادات الاسواق، وتحفيز الشركات الأمريكية على توسيع دائرة انتشارها في تلك المناطق، بالإضافة إلى الدعم السياسي السخي الذي بدأه الرئيس الحالي دونالد ترامب لتحفيز الهند على القيام بدور إقليمي في آسيا على حساب الصين، كذلك فإن الكثير من الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بالصين قد تكون عرضة للإثارة في عهد جو بايدن مثل أزمة النووي الكوري الشمالي والصراع على النفوذ في بحر الصين الجنوبي والصراع المتواصل بين هونغ كونغ، فالإدارة الأمريكية دائما تسعى لاستنزاف الدول وتدميرها داخليا قبل شن أي هجمات مباشرة عليها.

الفزاعة الإيرانية

أما فيما يتعلق بالملف الإيراني، فإن الإدارة الامريكية ترى أن إيران تمثل بؤرة توازن في العالم الإسلامي، فهي بدرجة كبيرة تمثل جزء من حالة الفساد والإنفلات الأمني في عدد كبير من بلدان العالم الإسلامي وهذا الأمر جزء من استراتيجية واشنطن لإفشال الدول، وكذلك توفر ضمانة كبيرة لعدم اندلاع اي مواجهة بين الكتلة السنية و"إسرائيل" التي تعهد بايدن في برنامجه الإنتخابي بأن تكون أهم محاور الأمن القومي الأمريكي، كذلك على الصعيد الإقتصادي تمثل إيران ورقة مهمة في لعبة الصراع على أسعار النفط كونها جزء من مصدريه ومصدر توتر يؤثر بافعلية في أسعار النفط، لذلك لا يمكن خسارتها في الوقت الراهن رغم أنها كخصم عسكري لا تزيد عن كونها تمتلك منظومة عسكرية هزيلة جداً يمكن القضاء عليها في فترة زمنية قصيرة بالنسبة للترسانة الأمريكية.

آخر الملفات التي قد تثير أزمة للإدارة الأمريكية رغمة أنها في كثير من الأوقات تعد جزء من اللعبة الأمريكية على مستوى المنطقة هي أزمة العلاقات الروسية الأمريكية، فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إنشغلت روسيا الاتحادية في بناء الهيكلة الداخلية سواء على صعيد صياغة نظام جديد لمؤسسات الدولة أو النمط الاقتصادي الرأسمالي البديل عن الاشتراكية الشيوعية، لكن ما يجعل دائماً روسيا غارقة في أزماتها ويجعل تحركها على نحو خجول في مواجهة النفوذ الأمريكي ما يتعلق بالعقل الاوتقراطي السياسي الروسي الذي لا يزال ينتمي لنفس المدرسة الشيوعية ويؤمن بإستنزاف ثروات البلاد على التكنولوجيا العسكرية على حساب رفاهية البلاد، لذلك تعلب روسيا دوراً لا يختلف كثيراً عن الدور الإيراني بالنسبة للسياسيات الأمريكية فهي تحفز الأوروبيين على التمسك بحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك تجبر دول مثل تركيا على استمرار تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة لتوفير تكنولوجيا بديلة عن التكنولوجيا الروسية وهذا ماعادت وطرحته تركيا على واشنطن مؤخراً بعد المواجهة الأخيرة في الشمال السوري، إذ عادت وطرحت شراء منظومة باتريوت من واشنطن بعد أن قامت بتركيب منظومة س_400 الروسية. بالإضافة إلى ما سبق فإن الكثير من الشركات الأوروبية تلعباً دوراً هاماً في تحجيم الدور الروسي العالمي فهي تمتلك نسبة ضخمة من الإقتصاد الروسي فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الكتلة الأوروبية وروسيا عام 2018 مايزيد عن 300 مليار يورو، وقد يكون في العقوبات التي فرضت على روسيا إثر دعم الانفصاليين في اوكرانيا عبرة حول هامش المناورة التي تمتلكه روسيا للتمرد على السياسيات الأمريكية.

رغم تصاعد حدة الغضب العالمي من السياسيات الخارجية الأمريكية إلا أن دائرة هذه الأصوات لا تخرج عن المألوف لإعتبارات تتعلق بالقدرة على المناورة فالصين لا تستطيع تجاوز السلطة المالية التي تمتلكها الإدارة الأمريكية على مؤسسات النقد العالمية والبنك الدولي وكذلك فإن أحد أهم أسرار الهيمنة الأمريكية على العالم ما يتعلق بالسيطرة على السياسيات النقدية العالمية فقوة الردع الأمريكي توفر مساحة كبيرة لضمان تدفق الواردات النفطية بصورة يومية مقابل ذلك تحصل واشنطن على دولار قوي لا يمكن لأي دولة تجاوز قيمته دون أن يكون مقابله أي قيمة مادية، بعكس السيولة المالية الصينية التي تستفيد منها الصين في توسيع نفوذها، فهي تحتاج الدولار الأمريكي للإنفاق على مشاريعها لكنها لن تتمكن من الحصول على سيولة نقدية في حال توقفت إمدادات النفط التي تغذي صناعاتها أو استمرت حالة الشلل العالمي لمدة عام فهي كفيلة بتسديد ضربة قاتلة للإقتصاد الصيني، فقد بلغت خسائر الخطوط الصينية وهي شركة حكومية في الربع الأول من العام الجاري قرابة 5 مليارات دولار، لذلك إن مازيد من قدرة المناورة الأمريكية في المنطقة يتعلق بقوة الردع وأنظمة التحكم في المال وليس السيولة النقدية بعكس الصين وغيرها من الدول التي تحاول الخروج عن الهيمنة الأمريكية، لذك في حال أراد العالم تطويع الإدارة الامريكية لنظام دولي يسوده العدالة يحتاج لأنظمة بديلة وتنسيق مشترك يراعي مصالح الجميع، وفي الختام فإن أحد أبرز الاسلحة الأمريكية فتكاً في العالم ما يتعلق بإستثمار التصارعات والنزاعات البينية حل العالم فخلال العامين الماضيين استثمر الإعلام الأمريكي بسخاء في أزمة احتجاز الصين لمسلمي الأيغور في معسكرات قمعية ليس مراعاةً لحقوق الانسان بقدر ما كان محاولة لتجييش العالم الإسلامي في مواجهة اقتصادية مع الصين، وهذا الامر نجحت فيه أمريكا لإسقاط الاتحاد السوفيتي واستثمرته جيداً مع الأكراد في سوريا...