عند الحديث عن التمدد الايراني في المنطقة، لا يمكن اغفال دور الحرس الثوري الايراني، الذي بات متنفذًا في العديد من مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.

قسم الدستور الإيراني السلطة التنفيذية ثلاثة أقسام: على قمتها رئيس الجمهورية، ثم مجلس الوزراء، وفي النهاية الجيش وقوات الحرس الثوري، حيث خصصت له مادة مستقلة في هذا القسم.

ويتكون الحرس من خمسة فيالق رئيسة: ثلاثة من هذه الفيالق تعتبر تقليدية، وقريبة من دور الجيش الإيراني، وهي الفيالق البرية والبحرية والجوية فمهامها تتداخل مع مهام قوات الجيش الإيراني الذي يتكون أيضاً من هذه الأنواع الثلاثة الرئيسية، بالإضافة إلى وجود فيلقين مهمين:

قوات التعبئة (الباسيج)، وتتركز مهامه في الداخل الإيراني، وفيلق القدس، وهو منوط بالدور الخارجي، ومن أشهر قواده قاسم السليماني.

كانت الفكرة من استحداث هذه القوات تدشين جيشا موازيا أطلق عليه الحرس الثوري، لتثبيت نظامه حتى استكمال تطهير المؤسسة العسكرية التقليدية الموالية للشاه.

ويرى الباحث الأمريكي كينيث كاتزمان[1] "إن الحرس الثوري يختلف بشكل أساسي عن الجيش برؤيته العقائدية، وآلية إدارة عملياته، ودوره الوظيفي في المجتمع والسياسة الإيرانيين، كما يراه أيضا الباحث مختلفا عن الجيش النظامي في أنه يشكل قوة سياسية، .... فالقوات النظامية ليس لها توجه سياسي محدد، الأمر الذي يجعلها تدين بالولاء لأي نظام كان نظرًا لتوجهها القومي الذي اكتسبته خلال عهد العائلة البهلوية. ولا شك أن هذه الطبيعة غير السياسية أعطتها إلى حد ما قدرة على البقاء برغم إضعاف نظام الخميني لها ووضعها تحت الرقابة السياسية الشديدة. وبالمقابل فإن الحرس الثوري يرى أن دوره السياسي ليس فقط أمرًا مسموحًا به بل هو جزء من رسالته للدفاع عن الثورة الإسلامية حسبما ينص على ذلك دستور الجمهورية".

ثم تطور دوره فيما بعد ليتحول إلى ما يُعرف بمصطلح تصدير الثورة وهذا ما يعلنه مسئولو الحرس بوضوح وعلانية بدون أي مواربة ففي سياق الاحتفالات بذكرى الثورة الإيرانية في عام 2015 أعلن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني[2] أن "مؤشرات تصدير الثورة الإسلامية باتت مشهودة في كل المنطقة من البحرين والعراق إلى سوريا واليمن وحتى شمال أفريقيا" ففي كلمة له في مدينة كرمان (جنوب شرق البلاد) بمناسبة الذكرى الـ 36 لانتصار الثورة الاسلامية اشار اللواء سليماني الى الانجازات الفريدة للثورة الاسلامية وقال: ان الاستكبار والصهيونية العالمية ومن خلال هزائمهما المتوالية امام جبهة المقاومة أقرا بعجزهما واقتدار الجمهورية الاسلامية الايراني اكثر فاكثر.

وعن دوريه المزدوج، أي الداخلي والخارجي يتحدث رفسنجاني أحد رموز النظام الإيراني قبل وفاته، فيقول في صحيفة كيهان الإيرانية عام 1984: " إن حرس الثورة الإسلامية الذي تشكل من أكثر الأشخاص تجربة ونضجاً عليه مسؤولية المحافظة على منجزات الثورة، ودستورها، لقد كان دور الحرس مؤثراً في إحباط كل مؤامرات القوى "الاستكبارية" ضد الثورة، سواء في أعمال التخريب، أو التضليل، أو جبهات القتال، كما قاموا بدور كبير في رفع الروح المعنوية للجماهير وكان دورهم الفني أهم من دورهم العسكري وقد غطى جهازهم الإعلامي الاحتياجات الإعلامية كذلك كان لهم دور كبير خارج البلاد في تصدير الثورة الإسلامية فأثبتوا أنهم جهاز يمكن الاعتماد عليه"

تحالف النظام الإيراني مع نظام الأسد في سوريا منذ قيام ثورة الخميني، حيث ساعد الأسد الخميني في حربه مع النظام العراقي، الذي كان من المفترض أن يكون حليفا طبيعيا للنظام السوري لأن الذي يسيطر على مقاليد الحكم في كل من البلدين، هو حزب البعث ولكن النظام السوري كانت له حسابات أخرى تتعلق بهويته الطائفية، فهو يستمد دعمه من أبناء الطائفة النصيرية أو العلوية كما يسمون أنفسهم، ولقد أطلق عليهم الاستعمار الفرنسي لسوريا اسم العلويين تمويهًا وتغطية لحقيقته الرافضيّة. فتحالفه المريب مع نظام طهران الشيعي بدا في أوقات كثيرة في غير صالح النظام إلا أنه ينظر إليه بمنظار عقائدي حيث النظامين أقرب في عقيدتهم كل منهما للآخر.

وعندما اندلعت الثورة السورية على نظام الأسد، الحليف التاريخ والعقائدي للنظام الإيراني، قابل بشار الأسد الخروج السلمي للمتظاهرين السوريين بالقتل والبطش، فكان من الطبيعي أن يتسلح الشعب السوري بالسلاح، ويواجه حملة الإبادة التي يشنها عليه النظام.

عند هذه اللحظة، رمى النظام الإيراني بثقله لإنقاذ حليفه الطائفي.

فأطلق المرشد الأعلى علي خامنئي، في سبتمبر 2011 دعوة للجهاد لصالح الحكومة السورية.

في البداية، تمثلت المساعدات في معدات مكافحة الشغب، وتقنيات استخباراتية للرصد. ووفقا لما كتبته الصحفية الأمريكية جنيف عبده في سبتمبر 2011، قدمت الحكومة الإيرانية للحكومة السورية تكنولوجيا مراقبة البريد الإلكتروني، والهواتف المحمولة، ووسائل الانترنت الاجتماعية.

ولكن تطور الأمر بعد أن فشلت هذه التقنيات في وقف تقدم ثوار سوريا، فأرسلت إيران قوات ميليشياتها وأذرعها الطائفية، بدء من حزب الله وانتهاء بالحرس الثوري الإيراني، وفرعه الخارجي فيلق القدس.

ففي مايو 2012، قال نائب رئيس فيلق القدس الإيراني، في مقابلة مع وكالة أنباء الطلبة الإيرانية، التي أزيلت فيما بعد من موقعها على الإنترنت، أنها قدمت قوات مقاتلة لدعم العمليات العسكرية السورية، وذكرت مجلة الإيكونيميست البريطانية، أن الحكومة الإيرانية أرسلت بحلول فبراير 2012 إلى الحكومة السورية تسعة مليار دولار لمساعدتها على تحمل العقوبات الغربية. كما قامت بشحن الوقود إلى البلد، وأرسلت سفينتين حربيتين إلى ميناء سوري في عرض للقوة والدعم.

واعتبرت القيادة العسكرية ان الدعم الإيراني لنظام الأسد مصيريا ففي نوفمبر 2015 صرح المستشار الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء يحيى رحيم صفوي، التي نقلتها وكالة أنباء "فارس" الإيرانية، قال فيها إن الاستشارات العسكرية التي تقدمها قوات حرس الثوري الإيراني في القتال في سوريا "مصيرية للغاية".

وفي أغسطس 2012 اتهم وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا إيران بإنشاء ميليشيا موالية للحكومة للقتال في سوريا، وقام رئيس هيئة الأركان العامة المشتركة الأمريكي مارتن ديمبسي بمقارنتها بجيش المهدي التابع للزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر. وقال بانيتا أن هناك أدلة على أن الحرس الثوري الإيراني كانوا يحاولون "تدريب ميليشيات داخل سوريا لتكون قادرة على القتال بالنيابة عن الحكومة".

ولكن الهزائم بدأت تتوالى على هذه القوات الشيعية على اختلاف توجهاتها ومشاربها.

فقد كشف موقع "مشرق نيوز" المقرب من الحرس الثوري الإيراني، مقتل أربعة ضباط من قوات الحرس الثوري، التي تشارك في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد في سوريا.

وأشار الموقع، إلى أن "عدد القتلى من الحرس الثوري في سوريا وصل عددهم إلى 36 ضابطا خلال العمليات العسكرية" كان ذلك في عام 2015

وبسبب استنزاف قوات الحرس الثوري في سوريا، لجأت مؤسسات الحرس في إيران إلى إطلاق عملية تجنيد واسعة في المناطق الفقيرة والنائية في إيران، وحاولت تجنيد الآلاف من أبناء إقليم بلوشستان لزجهم في حرب سوريا. ولكن علماء إقليم بلوشستان أصدروا فتاوى عدة تحرّم القتال إلى جانب قوات الحرس الثوري الإيراني وقوات نظام بشار الأسد في سوريا.

ووفق بعض الاحصائيات التي أكدتها بعد ذلك وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية فإن عدد قتلى العسكريين وعناصر المليشيات الإيرانية التي تقاتل إلى جانب قوات نظام بشار الأسد منذ بدء الأزمة السورية عام 2011 حتى عام 2015، فاق الـ 400 قتيل.

وقد كشف موقع "ديبكا" الاستخباري الإسرائيلي تفاصيل "معركة السفيرة" التي تلقت فيها قوات النخبة من الحرس الثوري الإيراني "أكبر هزيمة مذلة منذ 36 عاما".

وفي التفاصيل قال الموقع إن المعركة التي جرت بين قوات الحرس الثوري الإيراني بغطاء جوّي روسي ومشاركة من مليشيات الأسد وقوات حزب الله في منطقة "السفيرة" التي تبعد 20 كيلومترا جنوبي حلب، كان الهدف منها اختراق خطوط دفاع جبهة النصرة وتنظيم الدولة والسيطرة على مدينة حلب لتكون نقطة تحول كبيرة في المعركة الدائرة بسوريا لصالح نظام بشار الأسد، ولكن النتيجة جاءت مغايرة، حيث تلقى الحرس الثوري وحلفاؤه هزيمة مذلة.

ولعل ابلغ دليل على تلك الهزيمة الإيرانية هو التدخل الروسي الذي حال دون سقوط نظام الأسد بالرغم من الدعم الإيراني الكبير.

 

 

 


 

 


[1] كينيث كاتزمان-الحرس الثوري الإيراني...نشأته وتكوينه ودوره-مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية-ط1 :1996 -ص:9-10

[2] وكالة أنباء فارس :11/2/2015

http://ar.farsnews.com/iran/news/13931122001061