يعود الجنرال الغامض "قاسم سليماني"، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، إلى دائرة الضوء مجددًا إعلان إيران قبل أيام قليلة عن اعتقال ثلاثة أشخاص على خلفية التخطيط لاغتياله، فبحسب "حجة الإسلام حسين طائب"، رئيس جهاز الاستخبارات في الحرس الثوري، فإن الأشخاص الثلاثة قد خططوا لمهاجمة سليماني في مدينة كرمان خلال إحياء ذكرى عاشوراء في سبتمبر الماضي، زاعمًا وقوف أجهزة استخبارات عربية وإسرائيلية وراء محاولة الاغتيال. فمن هو الجنرال "قاسم سليماني"؟

الجنرال الغامض

تصفه بعض وسائل الإعلام بالجنرال الغامض، إذ لا يُعرَف عنه إلا القليل، يتحدث كثيرون عن أن سلطاته مطلقة وتفوق المسمى الوظيفي الذي يحمله، يُقال إنه المسؤول عن إدارة مشروع التمدد الإيراني والإمبراطورية الفارسية في العالم بأسره، وليس منطقة الشرق الأوسط فقط، وهو واحد من أهم الأذرع العسكرية للمرشد الأعلى "علي خامنئي" أو بالأحرى الذراع اليمنى له، كثيرًا ما تتبارى وسائل الإعلام الإيرانية في الاحتفاء به وتسويقه على أنه "الجنرال الأسطورة"، خاصةً بعد أن ظل لفترة طويلة يعمل كالذئب في ظلام الكواليس، ورغم الهالة الإعلامية التي يصنعها له الإعلام في إيران، إلا أنه قليل الظهور إعلاميًا، عملاً بمبدأ "من ليس له سر، ليس له سحر"، لكن أينما وُجِدَت النزاعات والقلاقل والفوضى.. وُجِدَ "قاسم سليماني"!

ولد قاسم سليماني عام 1955 في بلدة رابور، التحق بالحرس الثوري أوائل عام 1980، وشارك وهو في العشرينيات من عمره في الحرب العراقية الإيرانية قائداً لفيلق (41 ثأر الله)، كما شارك في إخماد الثورة الانفصاليّة للجماعات المسلّحة الكرديّة في مهاباد غرب إيران، إلى أن أتى العام 1998 حيث بدأت رحلة الصعود لسليماني، فعُيّنَ في التسعينيات قائدًا للحرس الثوري في محافظته كيرمان على الحدود مع أفغانستان، ثم تعيينه قائدًا لفيلق القدس في الحرس الثوري خلفًا لأحمد وحيدي، ليصبح واحدًا من بين عشرة قادة إيرانيين مهمين في الفرق الإيرانية العسكرية.

ذئب النزاعات والفوضى

أسمر اللون، حادّ الملامح، براغماتي يجمع المتناقضات، دائرة نفوذه تشمل المنطقة كلها، يتنقل سرًا من أفغانستان إلى سوريا واليمن، يُعرف في بلاد الشام لدى العلويين والشيعة بـ "الحاج قاسم"، حيث برز اسمه في الفترة الأخيرة كرمز للتدخل الإيراني في العراق وسوريا، كثيرة هي الصور التي أُلتقطت لسليماني على الجبهات، صحيفة واشنطن بوست وصفته بأنه واحد من أهم صناع السياسة الخارجية الإيرانية، إذ لعب دوراً مؤثراً في النزاعات في العراق وسوريا وجنوب لبنان واليمن، لذا فإن مجلس الأمن الدولي يفرض عليه حظرًا للسفر وتجميدًا للأصول المالية، تتجاوز مهمات سليماني حدود منطقة الشرق الأوسط، فقد أدار عمليات في أماكن بعيدة للغاية مثل تايلاند، نيودلهي، لاجوس ونيروبي، وقد وصلت هذه العمليات إلى 30 عملية على الأقل بين عامي 2012 و2013، أهمها كانت عملية فاشلة في واشنطن، عندما حاول فيلق القدس اغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.

بحسب الكاتب "ديكستر فيلكينز" فإن سليماني "عندما يظهر في العلن، لا يظهر إلا في احتفالات المحاربين القدماء، أو لمقابلة مرشد الثورة الإيرانية، إنه ذلك الرجل الذي عندما يدخل غرفة بها عدد من الناس، يذهب فيجلس وحيداً في ركن الغرفة، لا يتكلم، لا يعلق، فقط يجلس ويستمع"، وصفه وزير الخارجية الكندي السابق "جون بيرد"، بأنه "وكيل الإرهاب في المنطقة المتخفي في زي بطل"، فثمة تقارير تحدثت عن أن الدور الذي يقوم به سليماني يتجاوز في بعض الأحيان دور الوزراء ورئيس الجمهورية نفسه، فهو مسؤول العلاقات الخارجية السرية لإيران، وهو المسؤول عن مشروع التمدد الإيراني في العالم بأسره، والمنسق العام لمحور "الممانعة والمقاومة" المزعوم، فلا يمكن القول إن ما وصل إليه سليماني جاء نتيجة المصادفات، لقد لعب دورًا كبيرًا في تنفيذ المخططات الإيرانية في مناطق النزاع بالمنطقة، وبالتالي فإن صعوده جاء نتيجة تفانيه في إحداث الفتنة المطلوبة وتأجيج النزاعات بالشكل الأمثل، كان ذلك سبيلاً لوضعه تحت الأضواء.

مهمة البحث عن "سوبر مان"

كبطل في الحرب، وكقائد يثير الرعب والهلع في أمريكا وإسرائيل بمجرد ذكر اسمه، تنشر وسائل الإعلام الإيرانية صور سليماني في ساحات القتال، وهو الأمر الذي يعد غير مسبوق في إيران التي لا تكرم العسكريين في العادة سوى بعد وفاتهم، كما أن طهران تحرض دائماً على جعل القيادات العسكرية في الظل خوفًا من تصاعد شعبيتهم أو محاولة الانقلاب على حكم الملالي بعد الالتفاف الشعبي حولهم، لكن هذا لم يحدث مع سليماني!، فمن يتابع وسائل الإعلام الإيرانية سيجد أن ثمة رجل يتم تلميع نجمه بشكل ممنهج ومدروس، البعض يتحدث عن أن إيران تبحث عن "سوبر مان" تفاخر به بين الأمم، بطل عسكري يمكن الاعتماد عليه في مواجهة المستقبل المجهول، ولعل هذا ما يفسر قيام قناة العالم الإيرانية الناطقة باللغة العربية بوصف سليماني أنه الرجل الأقوى في الشرق الأوسط.

لقد جعلوا من "سليماني" مادة رئيسية للأفلام الوثائقية ونشرات الأخبار وحتى بعض أغاني موسيقى البوب في طهران، ووضعوا صورته على طابع بريدي تقديرًا لمهامه العسكرية خارج الحدود، عملية التلميع لسليماني كللتها سابقًا حملة بين المدونين المحافظين لمطالبته بنزع البدلة العسكرية والإنخراط في العمل السياسي، وخوض الإنتخابات الرئاسية في 2017، باعتباره ـ على حد زعم المشاركين في الحملة ـ أكثر السياسيين في إيران إخلاصاً وأقلهم فسادًا.

نجم سليماني.. بين الأفول والغموض

كان رياضياً في بداية حياته، يمارس لعبة الكاراتيه، كما أنه مارس رياضة كمال الأجسام، منحته الأيام فيضًا من المناصب، ومثله من المهام والمسؤوليات، لمع نجمه وانتشر صيته وهو ما لم تمنحه الأيام لأي عسكري آخر في إيران منذ ثورتها الموصوفة بالإسلامية، لكن سرعان كثرة العمليات الفاشلة وكشف المزيد عن عالم سليماني الخاص تجعل الأسطورة تتهاوى، فالسفير الأمريكي السابق في العراق "رايان كروكر"، ونقلاً عن بعض الشخصيات العراقية التي التقت بسليماني، وفي معرض الرد على سؤال: هل هو متدين حصراً؟، كانت الإجابة: "هو يذهب إلى المسجد بانتظام، ولكن ليس التدين هو ما يوجهه ويحركه، بل القومجية الإيرانية"، فما هو السر وراء الظهور والتلميع المبالغ فيه لنجم هذا القومجي الإيراني، وفي نفس الوقت إحكام هالة من الغموض حوله؟

في ظل إخفاق سليماني في أكثر من مهمة، تحطمت صورته كقائد عسكري لا يُقهَر، أبرز المهمات الفاشلة هي حساباته السيئة لعاصفة الحزم، التي لم يتوقع حدوثها، ربما أوصل سليماني صورة لخامنئي أن السعودية لن تهاجم، فكانت المفاجأة في عاصفة الحزم لإعادة الشرعية في اليمن، من الأسباب الأخرىالتي  دفعت باتجاه أفول نجم سليماني، الطريقة التي يتبعها لإدارة المعارك في العراق ونجاح داعش سابقًا في السيطرة على منطقة الرمادي، هذا بخلاف السلوك الوحشي للميليشيات الشيعية ضد المدنيين الأبرياء، خاصةً من سكان المناطق السنية، إلى جانب فشل مساعيه في بناء بنية تحتية لحزب الله في سوريا، وعدم قدرته حتى الآن على تحقيق الحسم العسكري الكامل في سوريا لصالح حليفه بشار الأسد، وانسحاب جزء كبير من المكاسب التي كانت تسعى إليها إيران لصالح الروس الذين تدخلوا على خط الأزمة.