"الأحزاب القومية الأوروبية لديها الآن موطئ قدم في كل مكان، من إيطاليا إلى فنلندا، مما يثير المخاوف من أن القارة تتراجع نحو السياسات التي أدت إلى كارثة في النصف الأول من القرن العشرين"

هذا قول كاتي أودونيل، من مجلة بوليتيكو الأميركية تصف فيها تمدد وحش اليمين المتطرف في أوروبا، وتتنبأ الكاتبة بكارثة سوف تلحق بأوروبا، جراء السكوت على مثل هذا التطرف.

ومنذ موجات الهجرة التي صاحبت القمع في دول الربيع العربي، ازدادت حدة نشاط تيار التطرف اليميني خاصة في أوروبا، التي تشهد موجات نزوح من منطقة الشرق الأوسط.

ورغم أن موجة الكراهية الجديدة تتمدد وتنتشر في جميع دول القارة بلا استثناء، ولكن تعد النمسا من أكثر دول أوروبا التي تنتشر فيها نزعة اليمين المتطرف، والمؤشر الرئيس في ذلك المشاركة الكبيرة والمؤثرة من هذا التيار داخل الحكومة هناك.

وفي النمسا مثلها مثل أي دولة أوروبية، يمارس فيها التيار اليميني المتطرف السياسة من خلال شكلين: الشكل الحزبي الذي ينافس على السلطة، وشكل جماعات الضغط التي تمارس ضغطا على صناع القرار السياسي لكي يأخذ بتوجهات الجماعات.

ففي النمسا، هناك حزب سياسي وهو حزب الحرية (النمسا أولاً)، وهناك جماعة ضغط يطلق عليها حركة أصحاب الهوية وذوي الرؤوس الحليقة، وسنركز في مقالنا على الشكل الحزبي لأنه أكثر تأثيرا في سياسات النمسا.

تأسس حزب الحرية النمساوي عام 1956، كتجمع سياسي لبقايا النازيين على يد أنطون رينثالهر، وقد تلاه فريدريخ بيتير بعده بسنتين عام 1958، الذي التحق بدوره بالأمن بعد ذلك. ومع رئاسة نوربت ستيجر، أصبح أكثر ليبرالية، حتى إنه شارك في حكومة المستشار النمساوي برينو كرايسكي من 1983 إلى 1986.

ولكن خلال مؤتمر الحزب سنة ،1986 انتخب يورغ هايدر على رأس حزب الحرية. وقد أصبح الحزب -خلال الخمسة عشر عاما التي تلت رئاسة هايدر له- القوة الثانية في النمسا. حصل الحزب على نسبة 27% من الناخبين خلال برلمانيات الثالث من أكتوبر 1999، كما أصبح أحد أهم ركنين في الحكومة الائتلافية منذ فبراير 2000.

وفي عام 2005 تولى هاينز شتراخه رئاسة حزب الحرية، بعد أن خرج منه زعيمه التاريخي هايدر إثر خلاف عاصف. وعمل شتراخه على جمع شتات الحزب الممزق، مستخدما وصفة حققت له مزيدا من الشعبية والانتشار، هي المزج بين الصور العدائية للإسلام والأجانب والاستفزاز.

يصف شتراخه المسجد ذا المئذنة بأنه "رمز انتصار الأصولية الإسلامية -فاشية القرن الحادي والعشرين- على الغرب والديمقراطية والحرية".

ويرفض شتراخه "أسلمة النمسا"، ويعتبر أن الإسلام لا ينتمي إلى النمسا، ويطالب بحظر ارتداء الحجاب، وإغلاق الحدود بوجه اللاجئين، وترحيل طالبي اللجوء المرفوضين بطائرات عسكرية.

ومع هيمنة موضوع اللجوء على النقاش العام في المشهد النمساوي، بعد فتح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حدود بلادها لاستقبال اللاجئين المتدفقين عبر النمسا إلى ألمانيا، قفزت شعبية شتراخه إلى آفاق غير مسبوقة، ورشحته بعض استطلاعات الرأي العام لتولي منصب المستشار، ووضعته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية على غلافها الرئيسي كأهم الزعماء اليمينيين الشعبويين في أوروبا.

وفي مجال السياسة الخارجية التي يتطلع حزبه إلى الحصول على وزارتها، يدعو شتراخه إلى علاقة مميزة مع روسيا، وتقوية التيارات المعادية للاتحاد الأوروبي، وأيد انضمام النمسا إلى عضوية مجموعة "فيشوغراد" المكونة من بولندا والمجر والتشيك وسلوفاكيا، والمعروفة بمواقفها المعارضة للاتحاد خاصة فيما يتعلق بموضوع اللجوء.

ويرى شتراخه في بلاده حليفا مهما لدول شرق أوروبا في مكافحة مركزية الاتحاد الأوروبي، ويعتبر أن هذه الدول "تخلصت من دكتاتورية الاتحاد السوفياتي السابق لتخضع لإملاءات بروكسل"[1].

وفي عام 2017 توصل الحزب المحافظ في النمسا الذي تصدر الانتخابات التشريعية وحزب الحرية اليميني المتطرف الذي يتزعمه هاينز شتراخه، إلى اتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية. ويعني هذا الاتفاق عودة حزب الحرية إلى الحكومة بعد عشر سنوات على خروجه منها عام 2007.

حصل حزب الحرية المتطرف في هذا الائتلاف على منصب نائب مستشار النمسا، وهو ثاني أعلى منصب تنفيذي في النمسا، وكان من نصيب رئيس الحزب شتراخه كما حصل على وزارات الدفاع والداخلية والصحة والعمل والرياضة والنقل.

ولكن بعدها بسنتين جرى ابعاد الحزب عن الحكومة بعد ظهور شريط فيديو لزعيم حزب الحرية هاينز كريستيان شتراخه وهو يناقش مشروعات بنية تحتية رئيسية محتملة، وصفقات مع سيدة قدمت نفسها له كمانحة روسية خلال سهرة في جزيرة إبيزا الإسبانية.

وبعدها بدأت جهات أمنية في التحقيق والربط بين هجوم نيوزلندا على المسجدين، وأموال تبرع بها المشتبه به في الهجوم الذي استهدف المسجدين في نفس الشهر، لشخص نمساوي بارز في حركة أصحاب الهوية.

وفي أوائل شهر سبتمبر (أيلول) شاركت الشخصية البارزة في حزب الحرية أورسولا ستنزل في مسيرة حملت المشاعل للتذكير بالحصار التركي لفيينا في عام 1683، محذرة من أسلمة أوروبا. وقد شارك أصحاب الهوية في الحدث. ونشر ساسة محليون في حزب الحرية مواد مسيئة، مثل قصيدة تشبه المهاجرين بالجرذان وكاريكاتير يصور مسلما ملتحيا بأنف معقوف وابتسامة شبقة. ورغم هذه الحوادث، وغيرها، لم يستبعد مستشار النمسا إعادة تشكيل ائتلاف جديد بين الحزبين، ويتمتع حزب الحرية بتأييد نحو 20 في المئة من الناخبين، وفقا لاستطلاعات الرأي الأخيرة، وهو ما يكفي لتشكيل أغلبية برلمانية مع حزب الشعب.

ولكن أسفرت نتائج الانتخابات التي أجريت الشهر الماضي، عن تراجع الحزب إلى المركز الثالث بين الأحزاب كما خسر ما يقرب من 10 % من الأصوات عن آخر انتخابات أجريت في عام 2017.

ولكن أفكار الحزب لازالت مسيطرة على قطاع كبير من الجماهير في النمسا، حيث اعتمدت هذه الأفكار في بداية تأسيسه عن خلطة من النزعة القومية الألمانية والنظرة الليبرالية السياسية. ولكن بمرور الوقت، أصبحت أفكار الحزب خليط من المبادئ الشعوبية والأفكار القومية المتطرفة والعداء للإسلام.

لقد سادت في أوروبا منذ 1945 حساسية ضد أي تطرف قومي، حتى أنه في عام 2000 عندما تحالف حزب الحرية التابع لهايدر مع حزب الشعب بزعامة وولف جانج شوسيل لتكوين حكومة ائتلافية، سبب بذلك ضجة ضخمة داخل النمسا وبالقارة الأوروبية. فقرر زعماء دول الاتحاد الأوروبي ال 14 وقف كافة اشكال التعاون مع الحكومة الائتلافية الوليدة بالنمسا، وصار الشعور العام عند دول كثيرة بأن الحاجز الوقائي ضد أي تحالف مع الأحزاب اليمينية المتطرفة والمعمول به في أوروبا الغربية منذ عام 1945 قد انتهك. وخلال عدة أشهر امتنع الكثير من القادة من مصافحة أو فتح علاقات اجتماعية مع أعضاء حكومة شوسيل، وقد وصف ذلك ممثلي حزب الشعب والحرية بأنها عقوبات.

ولكن بمرور الوقت ذادت شعبية المتطرفين في النمسا خاصة مع تصاعد موجات الهجرة وتصاعد الخوف من تغيير هوية أوروبا، وتحول كثير من الساسة والأحزاب المعتدلة إلى تبني سياسات اليمين المتطرف في سن قوانين ضد الهجرة، وضد ممارسات الشعائر الإسلامية، حتى تم سن القوانين المنظمة في النمسا لتكون أول دولة في أوروبا تنتهج هذا النهج، مما جعل كثير من المراقبين يعتبرون النمسا المثال المحتذى لدى أوروبا ليسيروا حذوها.

 


 


[1] تمت الاستعانة في هذه المعلومات بتقرير نشرته موسوعة الجزيرة على الرابط:

https://cutt.us/grUEH