أعلن السبت الماضي عن إنشاء دولة "جنوب السودان" لتقسم جمهورية السودان إلى قسمين، وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ هذه الدولة التي مهد شعبها لأقدم الحضارات العريقة، حيث استوطن في هذه الأرض منذ 3000 سنة قبل الميلاد وتداخلت حضاراتها مع تاريخ مصر الفرعونية والذي كان موحد سياسياً على مدى فترات طويلة.

لتخرج دولة جنوب السودان وليداً جديداً في شرق إفريقيا, ويتخذ "سلفاكير" الكاثوليكي المتطرف كما يصفه سكان الجنوب من مدينة جوبا عاصمة لدولته الجديدة التي دعهما الغرب المسيحي بكل وقته.

ومن أكبر مدنها هي واو وملكال ورومبيك وأويل وياي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الجزء قد انفصل عن باقي السودان في استفتاء شعبي أعلن عن نتائجه النهائية في فبراير 2011، وتم الإعلان عن استقلال كامل للدولة في 9 يوليو 2011، حيث خير الإتحاد لأفريقيي المساند للغرب في طرحة حكومة السودان بقيادة "البشير" مابين تشكيل حكومة علمانية أو الموافقة على انفصال "جنوب السودان".

يعد التاريخ السياسي لجنوب السودان من الملفات المهمة لفهم طبيعة السودان الخاصة، حيث تضافرت مجموعة من العوامل علي تقسيم السودان معنويًا قبل أن تصبح حدوديًا، ومؤججة لكثير من الصراعات حيث انه في بادئ الأمر قامت السياسات الاستعمارية على إظهار الاختلافات الإثنية واللغوية والعرقية والدينية، وفرقت بريطانيا في التعامل مع الجنوب والشمال في قضايا أهمها التعليم، فبدأت تظهر الاختلافات الثقافية.

 وبعد جلاء قوات بريطانيا وانفصال السودان عن مصر طالب الجنوبيون أن يكون لهم نظام خاص لهم داخل الدولة السودانية الموحدة، وهو الأخذ بنظام الفدرالية، ولكن الحكومة رفضت الاقتراح معللة إنه يؤدي إلي انفصال الجنوب كتطور طبيعي.

وفي أغسطس 1955 تمرد بعض أعضاء الفرقة الجنوبية من الجيش السوداني بإيعاز من بريطانيا ضد الشمال، حيث كانت هناك شكوك لدي الجنوبيين على سياسات وزارة إسماعيل الأزهري التي تشكلت في يناير من نفس العام. وفي عام 1958 وبعد تولي إبراهيم عبود للسلطة قامت الحكومة العسكرية بإتباع سياسة التذويب بالقوة مع الجنوبيين، وأدي ذلك إلى مطالبة الأحزاب الجنوبية وعلى رأسهم "حزب سانو" باستقلال الجنوب، كما تم تشكيل حركة أنانيا التي بدأت عملياتها العسكرية في عام 1963، وبعد الشد والجذب تم بحث تسوية سلمية للصراع، حيث عقد مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965. وفي عام 1972 تم توقيع اتفاقية أديس أبابا والتي أعطت للإقليم الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد، إلا إنه في يوليو وسبتمبر من عام 1983 أصدر الرئيس "جعفر نميري" عدة قرارات أطاحت بالاتفاق منها تقسيم الإقليم إلى ثلاثة أقاليم ونقل الكتيبة (105) وبعض الجنود إلى الشمال واتهام قائدها "كاربينو كوانين" بإِختلاس أموال.

وبحسب ما نشر موقع ويكييبيديا فقد تم إرسال قوات لإخضاعها فأدى ذلك إلى هروبها إلى الأدغال الاستوائية لتصبح فيما بعد نواة لجيش الرب، فكلفت الحكومة العقيد "جون قرنق" بتأديب الكتيبة، إلا إنه أعلن انضمامه إلى المتمردين مؤسسًا الحركة الشعبية لتحرير السودان ولها جناح عسكري عبارة عن جيش، وأعلن إن هدف الحركة هو ( تأسيس سودان علماني جديد ) قائم على المساواة والعدل الاقتصادي والاجتماعي داخل سودان موحد، وقام برفع شعارات يسارية فحصل على دعم من إثيوبيا وكينيا خصوصًا الرئيس الإثيوبي "منغستو هيلا ميريام".

وبعد الإطاحة بنظام "جعفر نميري" عبر انتفاضة شعبية عام 1985 كان هناك أمل في التوصل إلى اتفاق مع الحركة، ولكنه فشل بعد اجتماع رئيس الوزراء الجديد "الصادق المهدي" مع قرنق بعام 1986. وفي نوفمبر من عام 1988 تم إبرام اتفاق بين "قرنق" و"محمد عثمان الميرغني" في أديس أبابا والذي نص على تجميد قرارات سبتمبر 1983، ولكن هذا الاتفاق لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ بعد انقلاب يونيو 1989 بقيادة "عمر البشير" والتي تبنت شعار ( الجهاد الإسلامي ) ضد القوى الجنوبية مستعينة بتسليح مليشيات تدعى قوات الدفاع الشعبي، وحققت الحكومة عدة انتصارات عسكرية.

وفي أغسطس 1991 وبعد سقوط نظام "منغستو" في إثيوبيا وانشقاق الحركة الشعبية، حاولت الحكومة الاستفادة من هذا الانشقاق فأجرت الاتصال منفردة مع لام أكول بوثيقة عرفت باسم "وثيقة فرانكفورت" والتي وقعت في يناير من عام 1992، إلا أن الحكومة السودانية أنكرتها بعد ذلك. وفي مايو 1992 وتحت رعاية الرئيس النيجيري "إبراهيم بابنجيدا" أجريت الجولة الأولى للمفاوضات في أبوجا، ثم الجولة الثانية في مايو من عام 1993، ولكن لم تسفر هذه المفاوضات عن شيء. وتضاعفت الجهود الدولية من خلال "منظمة الإيغاد" إلى أن تم توقيع اتفاق اطاري يسمي "بروتوكول ماشاكوس" وذلك في يوليو من عام 2005 والذي أعطى للجنوب حكم ذاتي لفترة انتقالية مدتها 6 سنوات، وحق تقرير المصير وفرصة للجنوبيين لتفكير في الانفصال، كذلك أعطى الفرصة في بناء مؤسسات الحكم الانتقالية كنوع من الضمانات. وفي 9 يناير 2005 وقعت الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، والذي نصت بنوده على:

ديمغرافية دولة الجنوب

تقع دولة الجنوب التي احتلت رقم 193 من الدول التي تعترف بها الأمم المتحدة على مساحة 600 ألف كيلو متر مربع من أراضي السودان. ويتكون سكانها من خليط ديني من الوثنيين والذين يمثلون أغلبية في البلاد، ثم يأتي في الترتيب المسيحيين الذين يحظون بدعم المنظمات التبشيرية الغربية التي تأتي على شكل منظمات حقوق إنسان ومؤسسات إغاثية، وبعدها تأتي أقلية مسلمة عانت الويلات بسبب الحروب التي تشنها قبائل مسيحية ووثنيه ضدهم.

وتضم دولة الجنوب عدد من القبائل الإفريقية وتنقسم إلي النيلية مثل الدينكا والنوير والشيرلوك والشلك والأشولي والجور،و قبائل نيلية حامية مثل الباريا واللاتوكا والمورلي، و سودانية بانتوية مثل الزاندى والفرتيت. ويقدر سكان جنوب السودان بما يقارب 8 ملايين نسمة ولا يوجد تعداد دقيق للجماعات العرقية، إلا إنه يعتقد أن أكبر جماعة عرقية هي الدينكا تليها النوير، الشلك و الزاندي.

ويتحدث سكان الجنوب لغات محلية افريقية لكن اللغات الرسمية هناك وفق اتفاق نيفاشا التي وقع تمهيدا للسلام بين الجنوب والشمال يحدد اللغة الإنجليزية والعربية للمعاملات الحكومية والتعليم.

واللغة العربية المتميزة في جنوب السودان والتي تعرف باسم عربية جوبا تكونت في القرن التاسع عشر بين أحفاد العساكر السودانيين وهي منحدرة من لغة قبيلة باري التي تستخدم على نطاق واسع.

من الناحية الاقتصادية تتوفر في جنوب السودان مساحات من الأراضي الخصبة لكنها لا تستغل جيداً، وتعتمد الحكومة على إيرادات النفط الذي يمثل ما يقارب 80% من احتياطي السودان.

نظرة تحليلية

وبالرغم من عملية الانفصال التي تمت فإن داخل الحدود الجديدة ما زال هناك عدد كبير من التحديات. ولابد أن يسد الشمال فجوة حدثت بسبب حصول الجنوب على أغلب الموارد النفطية. كما يتعين على الجنوب بناء دولة من الصفر تقريبا تعاني من عنف قبلي.

وأنهى قيام دولة جنوب السودان يوم السبت والذي يمثل تتويجا لاتفاق السلام لعام 2005 حرباً أهلية بين الشمال والجنوب استمرت عشرات السنين ومضت مراسم إعلان قيام الدولة الجديدة بسلام بشكل لافت للنظر.

كان من المستحيل عدم إدراك مدى المرارة التي تسببت بها سنوات من الحرب لدرجة أن التلميحات إلى هذه المرارة من المرجح أن تظل قائمة في مفاوضات المستقبل.

ويحتاج الجانبان إلى الاتفاق على الجانب الذي سيسيطر على منطقة أبيي وترسيم الحدود بين الجانبين ونقل قواتهما خارج منطقة حدودية منزوعة السلاح والتوصل إلى اتفاق حول الطريقة التي سيدفع بها الجنوب للشمال مقابل نقل النفط عبر خطوط الأنابيب في الشمال وتقاسم مياه النيل والاستعداد لإصدار عملة جديدة في الجنوب.

كتبت" لويز اربو" من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات في انترناشونال هيرالد تريبيون تقول "ستتطلب محاولة تسوية الخلافات القائمة والكثير منها يتسم بالعنف بالفعل مفاوضات صعبة وحنكة سياسية ومشاركة دولية محسوبة بعناية".

جوبا كذلك ستواجه معاركها الداخلية مع الفساد والقطاع العام الذي يتضخم حجمه بمرور الوقت بشكل يفوق قدرتها والفقر والقبائل المتناحرة وزعماء الميليشيات المنشقين والهجمات التي يشنها جيش الرب للمقاومة وهي جماعة متمردة في أوغندا واقتصاد لا ينتج شيئا باستثناء النفط.

ويجري تأجيل التسوية في القضايا الصعبة مما يجعل تكلفة النزاعات المتعلقة بحياة البشر والتنمية تتصاعد في الوقت الذي يمضي فيه الساسة في مزاولة المهام اليومية للسلطة.

إذ ما زال الصراع في منطقة دارفور المستمر منذ ثماني سنوات مستمرا رغم وجود واحدة من أكبر مهام حفظ السلام في العالم.

وأصبح "كير" رئيساً للجنوب الذي أصبح يتمتع بحكم ذاتي عندما قتل سلفه "جون قرنق" في حادث تحطم طائرة هليكوبتر في 2005. وقبل ذلك كان ضابطاً في جيش المتمردين الجنوبيين.