New Page 1

الحمد الذي يعطي من سأله، ولا يخيب من أمله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كرمه ربه ونصره وآزره حين أرسله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن صار على دربه واقتفي عمله وسلم تسليماً أما بعد ،،،،

فاتقوا الله أيها المسلمون :

حقيقة لا يماري فيها أحد، قررها الواحد الأحد، وعنوانها { لقد خلقنا الإنسان في كبد}.

 إنها حقيقة مهمة لا بد أن ندركها، فالحياة الدنيا لا بد فيها من التعب والجهد يستوي في ذلك المؤمن والكافر والكبير والصغير والذكر والأنثى والغني والفقير وسائر طبقات الناس، فكل منهم له نصيب من التعب والكبد لقد خلقنا الإنسان في كبد ، في مكابدة ومشاقه وجهد وكد، وكفاح وكدح { يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك .... } فمنذ اللحظة الأولى للإنسان يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر .. وكل خطوة بعد ذلك كبد وكل حركة بعد ذلك كبد ... وعند بروز الإنسان كبد وعند انتصاب القامة كبد، وعند الخطو الثابت كبد وعند التعلم كبد وعند التفكر كبد وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء ثم تفترق الطرق وتتنوع المشاق. هذا يكدح بعضلاته وهذا يكدح بفكره وهذا يكدح بروحه وهذا يكدح للقمة العيش وخرقه الكساء وهذا يكدح ليجعل الألف ألوفاً وهذا يكدح لملك أو جاه ..وهذا يكدح في سبيل الله ، وهذا يكدح لشهوة ونزوة وهذا يكدح لعقيدة ودعوة، وهذا يكدح إلى النار وذاك يكدح إلى الجنة ، والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحاً إلى ربه فيلقاه ، وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء وتكون الراحة الكبرى للسعداء  كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " كل الناس يشتغلون ويتعبون – ولكن النتائج والمآلات تختلف فغادٍ في طاعة الله تعب في عبادة الله صارف جهده وهمه في سبيل مرضاة الله فهذا قد اعتق نفسه. وآخر غادٍ في معصية الله، موبق نفسه بمعصية الله، مهلكها بانتهاك الحرمات والمحرمات، فهذا قد أهلك نفسه و أوبقها.

حقيقة لا تغفل عنها: إذا كنت تتعب في طاعة الله فلا تظنن غيرك في المعصية أنساً مرتاحاً،  لا يبذل جهداً ولا كداً ، فكل ما تراه من تعب السعداء في طاعة ربهم فاعلم أن الأشقياء يتعبون أضعاف أضعافه في المعصية { إن تكونوا تألمون فإنهم . . . } .

إن الكبد طبيعة هذه الحياة الدنيا، تختلف أشكاله و أسبابه، و لكنه هو الكبد في النهاية، فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمر في الأخرى، و أفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة و تنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال رحمة الله.

كل في هذه الحياة يغدو و يتعب، و كل يسعى و يشقى، و كل يعمل على شاكلته، و إن سعيكم لشتى، و الجزاء مختلف، فليس الخير كالشر، و ليس الهدى كالضلال، و ليس الصلاح كالفساد،و ليس من أعطى و اتقى كمن بخل و استغنى و ليس من صدق و آمن كمن كذب و تولى، و إن لكلٍ طريقاً، و لكل مصيراً و لكل جزاء وفاقاً .

 إن سعيكم لشتى مختلف في حقيقته، مختلف في بواعثه، مختلف في اتجاهه، مختلف في نتائجه، و الناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم و تختلف مشاربهم و تختلف تصوراتهم ، و تختلف اهتماماتهم، هذه حقيقة، و الحقيقة الأخرى بأنه { لا يستوي أصحاب النار و أصحاب الجنة} أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون. و أن من جعل الآخرة همه جمع الله له شمله و جعل غناه في قلبه و أتته الدنيا و هي راغمة، و من كانت الدنيا همه فرق الله عليه شمله، و جعل فقره بين عينيه، و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب له منها.

كل في هذه الحياة يتعب و ينصب و يهتم و يغتم و إنما الهموم على قدر الهمم ، فئة في بيت الله تركع مع الراكعين و تذكر الله مع الذاكرين، و أخرى في الشوارع جلوساً في الزوايا، أو دوراناً في الأحياء، فكلا الفئتين تتعب و لكن شتان ما بينهما.

شباب في حلقات القرآن عاكفون على حفظه و تلاوته، حابسون أنفسهم في بيت الله، و آخرون و في نفس الوقت يمضون أوقاتهم في دوران و جولان و تفحيط و تفريط، فأي الفريقين أهدى إن كنتم تعلمون.

نساء يترددن على دور القرآن يتعلمن كتاب الله ويهتدين بهديه وأخريات ولاجات خراجات مابين المشاغل والأسواق مع حجاب سافر وكلام آسر، ومشية متكسرة فهل يستويان أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم.

فئة تستثمر جوالاتها فهي ناصبة في توجيه رسائل هادفة، و نصائح مؤثرة و بث مقاطع نافعة، و فئة تقلب الصور الساقطة و ترسل الرسائل الهابطة فتبوء بإثمها و إثم من تأثر بها و ضل بسببها، هل يستويان مثلاً أفلا  تذكرون ؟

لسان شغل بذكر الله و تلاوة كتابه و الدعوة إليه و آخر يفري في أعراض المسلمين ، و كلاهما متعب ، و لكن هل تستوي الظلمات و النور .

قوم يشدون الرحال و يبذلون الأموال و يجهدون الحال دعوة إلى الله و نصحاً للعباد و محاربة للفساد و إخراجاً للتائهين من الظلمات إلى النور. و أخرى تبذل جهدها وتنفق أموالها لتصد عن سبيل الله و تنشر الفساد و تشيع الفاحشة و تبث الخنا، و كلا الفريقين يتعب، لكن هل يستوون، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون .

ما أعظم الفرق بين واقف يصلي، و واقف يتحدث في الشارع.

ما أعظم الفرق بين من يسهر و يتجافى جنبه في المضاجع يدعو ربه خوفاً و طمعاً، و بين من يسهر و يمضي ليله في إيذاء العباد و ورود موارد الفساد .

ما أعظم الفرق بين شباب يجاهدون في سبيل الله و يرابطون في الثغور دفاعاً عن الأمة و حرماتها، و شباب تتعلق آمالهم بغانية و زانية و مرقص و حانة.

ما أعظم الفرق بين من يجلس في المسجد انتظاراً للصلاة و ذلكم الرباط و بين جالس في بيته عاكف على شاشات الفساد و أفلام السفالة و الهبوط.

ألا ما أعظم الفرق بين تعب السعداء و تعب الأشقياء التعساء.

ما أعظم الفرق بين من يكدحون و يتعبون في الدنيا ليستريحوا في الآخرة، لأنهم يدركون أن الدنيا كبد و لا راحة للمؤمن إلا عند أول قدم يضعها في الجنة.

و بين قوم يكدحون و ينصبون في الدنيا ليلاقوا كدحاً  وتعباً أشد في الآخرة و لعذاب الآخرة أشد و أبقى.

فئة عملت و نصبت فلم تحمد العمل و لم ترض العاقبة ولم تجد إلا الوبال و الخسارة فزادت مضضاً و تعباً فهي عاملة ناصبة عملت لغير الله و نصبت في غير سبيله عملت لنفسها ولأولادها وتعبت لدنياها و أطماعها، ثم وجدت عاقبة العمل و الكد، وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد ووجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب، و هي تواجه النهاية مواجهة الذليل و مع هذا الذل العذاب و الألم { تصلى ناراً حامية . . . } .

و على الجانب الآخر وجوه ناعمة لسعيها راضية حين ترى رضى الله عنها و ليس أروح للقلب من أن يطمئن إلى الخير ويرضى عاقبته ثم يراها ممثلة في رضا الله الكريم و في النعيم، { في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية . . . } .

إن السعداء يتعبون و الأشقياء كذلك، و لكن تعب السعداء تعب في طاعة الله و مرضاته فهم يحصلون على أجر من الله و مغفرة و رضوان، قال صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي عز وجل في المنام في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: الله تعالى أعلم، قال: فوضع الرب تبارك و تعالى يده بين كتفي حتى وجدت بردها في صدري، ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى، فعلمت ما بين السماء والأرض، فقلت: يختصمون في الكفارات و الدرجات والدعوات، فقال: و ما الكفارات، فقال صلى الله عليه وسلم نقل الأقدام إلى الجمعات و انتظار الصلاة بعد الصلاة و إسباغ الوضوء على الكرهات.

فهذه أمور لها مشقة على النفس و تعب، و لكن جعل الله عز وجل فيها كفارة للذنوب.

تعب السعداء: إما تكفير معصية أو رفع درجة كما في الحديث: إن الإنسان إذا مشى إلى المسجد كانت خطواته إحداها تحط خطيئة و الأخرى ترفع درجة { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب . . } { لا يصيب المؤمن من هم و لا غم و لا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه. . . }.

أما تعب الأشقياء فتكثير لذنوبهم و مزيد إثم لهم { فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم )( إنما نملي لهم ليزدادوا } تعب السعداء مجازون عليه وإن كان مجرد هم ( من هم بالحسنة فلم يعملها .. ) تعب السعداء مثابون عليه وإن لم يعملوه لعذر ( إذا مرض الإنسان أو سافر ... )

 تعب السعداء يصحبه لذة و سرور في القلب يجده المؤمن في الدنيا قبل الآخرة مما يؤدي إلى زوال هذا التعب وتحوله إلى نعيم و راحة و لذة و سرور كما قال أحد السلف : جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة و تلذذت به عشرين سنة أخرى .

تعب السعداء يعقبه اطمئنان النفس و راحة القلب { فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى } { الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم . . . } .

تعب السعداء أدرك ثماره في الدنيا قائل السلف: لو يعلم الملوك و أبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف.

إنه تعب يثمر سعادة و انشراحاً لأنه تعب في طاعة الخالق سبحانه أما تعب الأشقياء فتعب يعقبه الشقاء والكبد والتعب لأنه في معصية الله.

الشقي يشعر أن تعبه في معصية الله فإذا انتهى من لذته وذهب شعوره بها بقيت الحسرة في قلبه و أورثه التعب هماً وحزناً.

إن أهنأ عيشة قضيتها

ذهبت لذاتها و الإثم حل

تعب الأشقياء تعب يعقبه الضيق و الضنك { و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } شعور بتأنيب الضمير، شعور بالقلق من آثار الذنب، شعور بالخوف من مصيبة و عقاب على النفس و المال و الأهل و الولد. شعور بالذل و الانهزامية و يأبى الله إلا أن يذل من عصاه. تخوف من الأمراض و الفضائح و إن بطش ربك لشديد.

تفنى اللذات ممن ذاق صفوتها من الحرام و يبقى الإثم و العار.

تعب السعداء مؤقت ينتهي بفراق هذه الحياة حين يجد الإنسان عند الموت من التثبيت والبشرى بحياة النعيم الدائم { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . . . } ثم الجزاء الأعظم حيث ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و هناك تنسى المتاعب و تتلاشى المصاعب و ينقطع النصب و الهم و الحزن.

أما الأشقياء فهم على شقاوتهم و تعبهم في الدنيا يجدون عند الموت من النذر و العلامات على شقاوتهم ما يجعلهم يموتون شر ميتة ثم يجدون في قبورهم و في الآخرة من التعب و العناء أضعاف ما لاقوه في الدنيا.

و في الحديث ( يؤتى يوم القيامة بأشد أهل الدنيا بؤساً من أهل الجنة فيصبغ في النعيم صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت شراً قط، هل مر بك بؤس قط، فيقول: لا والله يا رب ما رأيت شراً قط و لا مر بي شدة قط، و يؤتى بأشد أهل الدنيا نعيماً من أهل النار فيصبغ في العذاب صبغة ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط، هل مر بك نعيم قط، فيقول: لا و الله يا رب ما رأيت خيراً قط ولا مر بي نعيم قط ( مسلم ).

إن السعداء يدركون أن الحياة الدنيا مهما تطل فهي قصيرة و أن عناء السعداء و تعبهم مهما اشتد فهو محتمل في سبيل الله ما دامت نهايته الموت و عاقبته الفوز و النعيم المقيم، و من هنا فالسعداء يستقلون كل تعب لقوه في الدنيا في ذات الله حينما يجدون ثوابه و جزاءه ( لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في سبيل الله لحقره يوم القيامة ).

تعب السعداء يصحبه من توفيق الله عز وجل و تيسيره ما ينسي الشقاء و العناء . . فالسعداء تكفل الله عز وجل  بدفع كربتهم و إزالة غربتهم .

كم لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من التعب و العناء في سبيل دعوته فقيض الله له من ينصره و يؤازره، و كم لاقى دعاة الإسلام من العنت و النصب و كيد الخصوم فنصرهم الله و أيدهم بنصره، و إننا نجد في واقعنا أن كل تعب يبذله الإنسان في سبيل الله فإنه يلقى جزاءه عاجلاً غير آجل و يقيض الله للعامل من يعينه و ينصره و يذهب عنه آثار الهم و التعب.

تعب السعداء يصحبه في هذه الدنيا لطف من الله عز وجل بأن يقيض لك من المؤمنين أو غيرهم من يكون لك عوناً على ما تلقاه من جهد و تعب، أما تعب الأشقياء فعناء مسلوب من التوفيق و النصر الإلهي، فإن الله عز وجل يسلط بعضهم على بعض، و يسلط عليهم من المؤمنين من يكون سبباً في شقائهم و عذابهم { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم . . . } .

أما الفرق الأكبر فهو ما يلقاه السعداء في قبورهم من النعيم، ثم يلقونه في الآخرة من السعادة و السرور و ألوان اللذة مما لا يخطر على بال و اعظم ذلك النظر إلى وجه الله عز وجل { وجوه يومئذ ناضرة}

أما الأشقياء الذين سخروا جهدهم و تعبهم في معصية ربهم، فإن عناءهم لا ينقضي و حسرتهم  لا تنقطع، فهم محرومون من النعيم، و يقاسون من ألوان العذاب ما يقاسون حتى إنهم يطلبون أقل المطالب { و قال الذي في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم . . . } { و قالوا يا مالك ليقضي .... }

هذا هو الفرق الأعظم { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق . . . } حينئذ تهون عند السعداء كل التضحيات وتهون كل متاعب الدنيا مهما عظمت ما دامت نهايتها سعادة لا تنقضي و نعيماً لا يزول .

هذا هو الفرق بين السعداء الذين تعبوا في مرضاة ربهم و طاعته فهم سعيدون في الدنيا بطاعة الله و بلذة المناجاة و بالأنس بقرب الله، سعيدون بما يلقون من الأذى في سيل الله، و بما يجدون من التعب في طاعة الله ، سعيدون بكل معاني السعادة، سعيدون عند الموت بالبشرى، سعيدون في قبورهم بما يلقون من النعيم، سعيدون عند البعث ، سعداء بعد الحساب، و هذا هو جزاء المؤمنين الذين قرروا أن يقضوا حياتهم على وفق ما يرضي الله عز وجل و إن تعبوا و نصبوا و حرموا أنفسهم من اللذات.

أما الأشقياء فقد شقوا في الدنيا بالتعب في معصية الله، أشقياء في أجسامهم . . في قلوبهم . . أشقياء عند موتهم . . في قبورهم . . عند البعث . . عند الحساب و بعد الحساب {جزاء وفاقاً } {و ما ربك بظلام للعبيد}.

هذا هو الفرق بين تعب السعداء و تعب الأشقياء ، فإن الذي يكدح للأمر الجليل ليس كالذي يكدح للأمر الحقير، ليس مثله طمأنينة بال و ارتياحاً للبذل و استرواحاً بالتضحية، فالذي يكدح و هو طليق من أثقال الطين أو للانطلاق من هذه الأثقال ليس كالذي يكدح ليغوص في الوحل و يلصق بالأرض. و الذي يموت في سبيل دعوة ليس كالذي يموت في سبيل شهوة و نزوة، { و ما يستوي الأعمى و البصير و لا الظلمات و لا النور و لا الظل و لا الحرور و ما يستوي الأحياء و لا الأموات إن الله يسمع من يشاء و ما أنت بمسمع من في القبور } { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض } .

نسأل الله تعالى أن يسخرنا لطاعته و أن يستعملنا في مرضاته و أقول هذا القول .

 

الخطبة الثانية

أما بعد :

و ثمة فرق حاسم بين تعب السعداء و تعب الأشقياء نلحظه من خلال قراءة التاريخ و مشاهدة الواقع .

تعب السعداء تحفه عناية الله و توفيقه و بركاته، فالسعداء في معية الله و من كان الله معه كان التوفيق و التسديد يلاحقه.

انظر إلى أعمال الصالحين و ميادين الخير و مجالات البر و الإصلاح قليل مقدارها عظيمة آثارها.

يدخل الداعية إلى مدينة أو قرية فما يفارقها حتى يخرج جماً من أهلها من الظلمات إلى النور رغم قلة إمكاناته و ضعف قدراته.

انظر إلى الحلقات القرآنية و الدور النسائية كم نفع الله بها، و كم خرجت من حفظة و حافظات و صالحين و صالحات رغم قصر عمرها و قلة مواردها و رغم الحملة الجائرة عليها لتشويه سمعتها و تحجيم دورها.

انظر إلى جمعيات البر و هيئات الإغاثة و مستودعات البر كم استفاد منها من بائس و كم تعفف بها من فقير و كم فرج بها من مكروب .

انظر إلى جهود الدعاة في أدغال أفريقيا يسلم على أيديهم الآلاف بجهد قليل و مال يسير و زمن قصير .

انظر إلى جهود المصلحين، كم استقام على أيديهم من منحرف، و كم صلح بجهودهم من فساد رغم ضراوة الخصوم و شدة مكر الأعداء و اشتداد الغرائز و هيجان الشهوات.

إنه تعب السعداء تظهر آثاره و تتجلى ثماره في الوجود فيسعد بها العاملون و يتحول العناء إلى هناء، و يصبح التعب لذة و حبوراً.

أما الأشقياء فيكدحون و يتعبون، ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.

لقد كانت غايتهم من إنفاق أموالهم الصد عن سبيل الله فسيخسرون أموالهم ثم تصير نفقتهم ندامة عليهم وكما قال ابن جرير، أموالهم تذهب و لا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله و إعلاء كلمة الكفر على كلمة الله ، لأن الله معل كلمته و جاعل كلمة الكفر هي السفلى ثم يغلبهم المؤمنون ثم إلى جهنم يحشرون، فأعظم بها من حسرة و ندامة لمن عاش منهم و من هلك ، أما الحي فحُرب ماله و ذهب باطلاً في غير درك نفع و رجع مغلوباً مقهوراً محروماً مسلوباً، و أما الهالك فقتل و سلب و عجّل به إلى نار الله يخلد فيها.

تأمل حال الذين يحاربون الدعوة و يضعون العقبات لمواجهة الدعاة و يقفون حجر عثرة أمام معالم الخير ومواطن الإصلاح ستجدهم أمام أمام مهعالم أمام

من أتعس الناس و أكثرهم شقاوة.

ترى أحدهم يلهث و يلهث حتى لا تظهر للدعوة كلمة أو ترتفع لها راية، يسهر ليله و يشفي نهاره و ينفق ماله في الكيد و المكر لعله ينجح في وأد كلمة خير أو يفلح في نشر رذيلة تبعد الناس عن حياض الفضيلة.

إن من الناس من يستغل كل إمكاناته العقلية و قدراته المالية في تزيين الباطل و تلميعه بشتى ألوان الزينة والإغراء، يريد إضلال الناس و تجهيلهم و إبعادهم عن الهدى، و من ثم فإن وجهه يتمعر غضباً حينما يرى كلمة الحق قد أينعت و آتت أكلها فلا يهدأ له بال أو يطمئن له حال حتى يفسد تلك الثمار بكل تشنج واضطراب.

مساكين هؤلاء القوم فإن الحسرة تحيط بهم من كل مكان.

مساكين هؤلاء القوم يظنون أنهم بكلمة عوراء أو عصا غليظة أو جحور مظلمة سوف يقضون على شجرة التوحيد و يقطعون أغصان الفضيلة و ما دروا أن الله متم نوره ومظهر دينه، و ناصر أولياءه.

مساكين هؤلاء القوم الذين اغتروا بجبروتهم، و انتفشوا بغرورهم، و ما دروا أن الله يدافع عن الذين آمنوا وأن الزبد يذهب جفاء و الباطل كان زهوقا.

ألا فليعلم دعاة التغريب و أرباب الشهوات و حملة راية الفساد أن تعبهم ستعقبه الحسرة ، و أن سعيهم في تباب.

و بعد أيها المسلمون، و بعد أن أدركنا فصل ما بين السعداء في تعبهم و الأشقياء في نصبهم، من بعد هذا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه . . أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحاً تحمل عبئك و تجهد جهدك و تشق طريقك لتصل في النهاية إلى ربك بعد الكد و الكدح و الجهاد.

أيها الإنسان إنك كادح حتى في متاعك إن لم يكن جهد بدن و كد عمل فهو جهد تفكير و كد مشاعر ، الواجد والمحروم سواء .

أيها الإنسان : إنك لا تجد الراحة في الأرض أبداً ، إنما الراحة هناك لمن يقوم لها بالطاعة و الاستسلام ، التعب واحد في الأرض ، و الكدح واحد ، و إن اختلف لونه و طعمه ، أما العاقبة فمختلفة عندما تصل إلى ربك فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض ، و واحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأن لم يكدح كدح و لا كد .

يا أيها الإنسان : ألا فاختر لنفسك ما يليق بعقلك وإنسانيتك، اختر لنفسك الراحة من الكدح عندما تلقاه.

يا أيها الإنسان: اجعل كدك و كدحك و تعبك فيما يرضي ربك لكي تحاسب حساباً يسيراً و تنقلب إلى أهلك مسروراً.

و احذر أن تكون من الوجوه الخاشعة العاملة الناصبة التي تصلى ناراً حامية و تدعوا ثبوراً لأنها عملت لغير الله ونصبت في غير سبيل الله ثم وجدت عاقبة العمل و التعب ،وجدته في الدنيا شقوة لغير زاد، و وجدته في الآخرة سواداً يؤدي إلى العذاب.

اللهم اجعل سعينا في مرضاتك، و كدحنا موصلاً إلى جناتك، اللهم صلي و سلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.