ألقى تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ـ الصادر في الثامن من نوفمبر الجاري ـ المزيد من ظلال الشك على المزاعم الإيرانية المستمرة بأن برنامجها النووي للأغراض السلمية فقط، فبدلاً من تجميد برنامجها للأسلحة في عام 2003، وكما ورد في تقرير للاستخبارات المركزية الأمريكية عام 2007 وأثار كثيرًا من الجدل، فإن إيران يبدو أنها استمرت في تطوير مختلف المكونات الضرورية لإنتاج سلاح نووي بحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك عملية تحرير النيوترونات، والتي تطلق سلسلة تفاعلات نووية، بالإضافة إلى حصولها على المواد المعقدة الضرورية لبناء رؤوس نووية صغيرة بصورة كافية لوضعها على رأس صاروخ باليستي. كان هذا في الوقت الذي استمرت فيه إيران العمل على زيادة مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب، وبخاصة اليورانيوم المخصب بدرجة 20%، والذي يمكن زيادة تحسين تخصيبه إلى درجة المواد المستخدمة في الأسلحة. وإذا ما كانت مخاوف وتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية صحيحة، فإن إيران ربما يكون لديها كلا من التقنية والمواد المطلوبة لبناء قنبلة نووية في غضون أشهر.

وعن هذا الموضوع كتب إيريك إيدلمان في دورية فورين أفيرز الأمريكية[1] يقول أن تلك المعلومات الجديدة التي رشحت عن البرنامج النووي الإيراني تضع الولايات المتحدة في خيارات صعبة للغاية؛ فحتى اللحظة فإن الولايات المتحدة اعتمدت على توليفة من سياستي العصا والجزرة لمنع إيران من أن تصبح دولة نووية، فقد قامت بتضييق العقوبات الاقتصادية على نظامها وعزلتها دبلوماسيًا وعرضت تحسين العلاقات معها في مقابل تخلي طهران عن طموحاتها النووية، ولكن يبدو أن كل تلك الخيارات أصبحت بلا جدوى، والبديل الأساسي الآخر هو شن عملية عسكرية على البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني، وهذه العملية من الواضح أنها ستكون مكلفة للغاية وربما لا تنجح. فقد راهنت الولايات المتحدة على أن إبطاء التقدم الإيراني في مجالات الأسلحة النووية والعقوبات الاقتصادية وعزلها دبلوماسيًا يمكن أن يؤدي إلى توفير الوقت اللازم لإيجاد "حلول سحرية"، مثل تغيير داخلي في النظام السياسي يمكن أن يجلب قيادة إيرانية أكثر اعتدالاً إلى سدة الحكم، أو شن نشاطات تخريبية تحرف البرنامج عن مساره في المستقبل المنظور. ولكن للأسف، فلا حلول من تلك أثبتت أنها ناجعة: فالنظام الإيراني الحالي ظل مسيطرًا بالرغم من الانتفاضات والقلاقل الشعبية واستمرار الصراع بين الرئيس والقائد الأعلى خامنئي، والتقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية يفيد أن الجهود لإفشال البرنامج النووي الإيراني لم تسفر عن شيء حتى الآن. ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أن إيران تزحف شيئًا فشيئًا لتقترب من عبور العتبة النووية.

وبالرغم من كل ذلك يقول الكاتب أن الحكومة الأمريكية قد ترى أنه يمكن الإبقاء على التوجه الحالي إذا ما اعتقدت أن وجود إيران مسلحة نوويًا يمكن التعايش معه والتحكم فيها من خلال مزيج من سياستي الاحتواء والردع. ولكن في الواقع أن إدارة أوباما قللت من نتائج تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأفادت بأن التغير في السياسة الأمريكية تجاه إيران غير محتمل حاليًا، ولكن تلك الرؤية تجاهل التحديات التي يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة في حالة حصول إيران على الأسلحة النووية.

فعلى سبيل المثال فإن إدارة أوباما لا يجب أن تغفل عن احتمالية نشوب صراع نووي بين إيران وإسرائيل، فمن البداية سيصبح التوازن النووي بين هذين الخصمين اللدودين غير مستقر، فبسبب عدم وجود تناسب في الترسانة النووية بين البلدين (إيران يمكن أن تحصل على حفنة من الرؤوس النووية مقارنة بما بين مائة إلى مائتي رأس نووي إسرائيلي)، فإن كلا الجانبين سيكون لديه حافز كبير لضرب الآخر أولاً في حالة نشوب أزمة. فإسرائيل من المتوقع أن تشعر بأن أمامها مساحة ضئيلة للغاية من الوقت لتستطيع من خلالها أن تشن هجومًا نوويًا يجتث معظم، إن لم يكن كل، أسلحة إيران ومعظم بنيتها التحتية النووية بدون قدرة لإيران على الانتقام. ومن جانبها فإن إيران ربما تقرر أن تستخدم ترسانتها قبل أن تستطيع إسرائيل أن تدمرها بضربة استباقية. وغياب وجود أنظمة إنذار مبكر على كلا الجانبين ـ بالإضافة إلى زمن الطيران القصير نسبيًا للصواريخ الباليستية المتجهة إلى بلد ما للآخر ـ يعلي من مقدار المخاطر؛ لذا فإن صناع القرار في البلدين سيكونان تحت ضغوط هائلة للتصرف السريع.

وبعيدًا عن فرضية نشوب حرب نووية إقليمية، فإن حصول طهران على تلك الأسلحة يمكن أن تكون حافزًا لمزيد من الانتشار النووي عبر الشرق الأوسط وما ورائه، فمن الواضح أن الولايات المتحدة عاملت الدول غير النووية مثل ليبيا والعراق بصورة مختلفة تمامًا عن تعاملها مع الدول النووية مثل كوريا الشمالية، وإذا ما أصبحت إيران قوة نووية وتعاملت معها الولايات المتحدة بسياسة الاحتواء، فإن الأسلحة النووية في تلك الحالة ستكون أكثر إغراءً كرادع حاسم ضد التدخلات الأجنبية.

وفي ذات الوقت فإن منافسي إيران على النفوذ الإقليمي، مثل تركيا ومصر والسعودية، ربما يرغبون هم أيضًا لموازنة القوة الإيرانية. فالطريق نحو الحصول على الأسلحة النووية ربما يعتبر طريقًا طويلاً ومختلفًا، ولكن تلك الدول قد تجد طرقًا قصيرة للحصول عليها؛ فالرياض على سبيل المثال يمكن أن تستغل علاقاتها القوية مع إسلام آباد ـ والتي لديها تاريخ غير مشروع من تسريب التقنية النووية وقامت بتوسيع ترسانتها النووية بصورة سريعة ـ لتصبح السعودية قوة نووية بين عشية وضحاها.

ففي أثناء الحرب الباردة استطاعت الولايات المتحدة أن تتجنب استخدام الأسلحة النووية ومنعت الانتشار النووي عن طريق احتواء الاتحاد السوفيتي وتقديم التزامات أمنية لحلفاء الولايات المتحدة. ومنطقيًا فإن التوجه ذاته يمكن أن يسير في الشرق الأوسط اليوم، ولكن هناك عدة اختلافات جوهرية بين الحالتين، أكبر تلك الاختلافات وأهمها هو أن الولايات المتحدة كان لديها التزامات وتعهدات وارتباطات أمنية رسمية مع شركائها عبر أوروبا وآسيا ونشرت مئات الآلاف من القوات على أراضيها.

ويختتم الكاتب كلامه قائلاً أنه كلما اقتربت إيران أكثر من الحصول على الأسلحة النووية، كلما تضاءلت الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لوقف تقدمها، وفي الوقت ذاته فإن قابلية إيران للتخلي عن برنامجها ستتضاءل هي الأخرى مع الوقت مع اقترابها من العتبة النووية. وبالوضع في الاعتبار تلك العوامل كلها، فإن الولايات المتحدة اليوم تواجه القرار الصعب باستخدام القوة العسكرية قريبًا لمنع إيران من أن تصبح دولة نووية، أو أن تتعايش مع إيران النووية بكل ما يحمله ذلك من كوارث على الأوضاع الإقليمية.


 



[1] http://www.foreignaffairs.com/print/133937