تمر الأيام ولا يبدو أن الأزمة الإيرانية في طريقها إلى الحل، بل إنها تتفاقم يومًا بعد يوم؛ فالمعضلة الإيرانية متعددة الطبقات وتتعلق بمطلب أساسي للدولة الفارسية: زيادة نفوذها الإقليمي؛ سواء بالوسائل التقليدية مثل تحريك عملائها ومحاولة بسط نفوذها على دول الجوار وتوسيع ترسانتها العسكرية، أو بالوسائل غير التقليدية مثل السلاح النووي وفرضه كأمر واقع ومظلة لبسط إرادتها على دول المنطقة. وفي السابق استفادت إيران كثيرًا من الظروف التاريخية المختلفة، ولعبت من وراء الستار من أجل تهيئة المسرح للهيمنة؛ فتعاونت مع "الشيطان الأكبر" من أجل إسقاط النظامين في شرقها وغربها، طالبان وصدام حسين، والآن تستعد للسيطرة على دائرة نفوذ تمتد من غرب أفغانستان إلى البحر المتوسط انتهاء بالحدود السورية، في ظل ظرف تاريخي آخر مواتي لها؛ ألا وهو انسحاب أمريكا من العراق بعدما حطمت عدوها الألد ـ صدام حسين ـ ودمرت البنية التحتية للبلاد وأضعفت جيشها إلى أقصى حد ممكن.

ونحن الآن أمام ظرف تاريخي آخر يتشكل، ربما لصالح إيران مرة ثانية، وهو أن الولايات المتحدة في أضعف حالاتها عسكريًا واقتصاديًا، وأنهكت من حروب بوش وتحاول أن تلعق جراحها وتنغلق على ذاتها وتحاول وقف نزيف المال والدماء، والولايات المتحدة تنسحب من المنطقة ولكنها تنظر وراءها إلى مضيق هرمز، الذي يعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي؛ حيث يمر منه أكثر من ربع نفط العالم يوميًا.

وجورج فريدمان رئيس مؤسسة ستراتفور البحثية المقربة من الاستخبارات الأمريكية حاول أن يرصد تفاعلات القوة بين إيران وأمريكا في أزمة مضيق هرمز، في مقال[1] بتاريخ 17 يناير 2011، يحدد فيه أهم أبعاد لعبة الشطرنج والخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها بين الجانبين، فيقول أنه قد وردت أنباء في الفترة الماضية أن الولايات المتحدة قد أرسلت خطابًا إلى إيران عبر أكثر من وسيط في الأسبوع الماضي، تحذر فيه طهران من أن أي محاولة لإغلاق مضيق هرمز سوف يمثل خطًا أحمر لواشنطن. وفي الأسبوع ذاته، قتل كيميائي مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني في طهران. وفي أنقرة التقى المتحدث باسم البرلمان الإيراني علي لاريجاني مع مسئولين أتراك وألمح إلى وجود مرونة في المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وقد شهد هذا الأسبوع أيضًا عملية الإحلال الروتيني لحاملات الطائرات الأمريكية المتمركزة في الشرق الأوسط، بانضمام ثلاثة حاملات طائرات إلى الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في "منطقة العمليات" حول مضيق هرمز، كما أن هناك حاملة طائرات رابعة متمركزة في اليابان على بعد مسيرة أسبوع فقط من المنطقة. وفي الأسبوع القادم سوف يسافر الجنرال مايكل ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة إلى إسرائيل ليلتقي كبار القادة هناك، كما من المتوقع أن تشن إيران عدة مناورات عسكرية أخرى في منطقة الخليج في فبراير سوف تركز على التكيتكات المتقدمة لفيالق الحرس الثوري الإيراني لإغلاق مضيق هرمز.

وبينما يتصاعد التوتر في الخليج العربي، تستمر أزمة أوروبا المالية، مع انخفاض في تصنيف الائتمان الفرنسي إلى أدنى مستوياته، وفي الوقت ذاته فإن الصين مستمرة في صراعها للحفاظ على صادراتها في مواجهة الضعف الاقتصادي بين أكبر عملائها، في الوقت الذي يستمر فيه التضخم في زيادة نفقات الصادرات الصينية. وسوف يكون هناك تداعيات كبرى على كيفية تصرف كل من الصين وأوروبا في الفترة المقبلة، بتداعيات طويلة الأمد على الاقصتاد العالمي وستمثل نقلة هائلة في النظام الدولي. ولكن على المدى المتوسط، فإن التفاعلات الأمريكية الإيرانية تحمل بين طياتها التداعيات الأكثر خطورة على العالم.

التفاعلات الأمريكية الإيرانية:

يستمر فريدمان بقوله إن ارتفاع حدة التوتر في المنطقة ليس احتمالاً مستبعدًا؛ فكما قلنا سابقًا فإن الغزو الأمريكي للعراق والقرار الذي أعقبه بالانسحاب خلق فراغ قوة هائل كانت إيران شغوفه بملئه، وهي قادرة على ذلك؛ فالعراق وإيران دخلتا في حرب دموية في الثمانينيات أسفرت عن مقتل ما يقرب من مليون إيراني، ومن المصلحة القومية العليا لإيران ضمان ألا يظهر أي نظام عراقي مستقبلاً يكون قادرًا على تهديد الأمن القومي الإيراني. لذا فإن الغزو الأمريكي للعراق ثم الانسحاب منها وفر لإيران فرصة لتأمين حدودها الغربية، وهي فرصة لن تغفلها إيران وتدعها تمر مرور الكرام.

فإذا استطاعت إيران أن تبسط نفوذها على العراق ـ ولا يعني ذلك بالضرورة قيام إيران بتحويل العراق إلى دولة تابعة لها ـ فإن ذلك سيعقبه عدة أشياء محورية، أهمها على الإطلاق هو أن الحالة الأمنية للجزيرة العربية ستتعرض إلى التغيير، فعلى الورق لدى إيران القوة العسكرية التقليدية الأكبر من أي دولة خليجية أخرى، ومع غياب الدول الكبرى عن المنطقة، فإن فارق القوة على الورق ليس بسيطًا، فمع ازدياد التقنية العسكرية تعقيدًا، تظل القوة العسكرية لدول الجزيرة العربية على الورق أضعف بكثير، حيث تفتقد تلك الدول إلى الأيدلوجية العسكرية الصارمة مثل تلك التي لدى إيران.

ولكن القوة العسكرية الإيرانية المباشرة تقع في خلفية مشهد القوة الإيرانية، لأن مكمن قوة إيران هو قدراتها الخفية ونفوذها الذي يجعل إيران خطرة؛ فالقدرات الاستخباراتية السرية لإيران قدرات جيدة، فقد قضت عقودًا في بناء تحالفات سياسية بعدد من الوسائل، فقد عمل الإيرانيون مع الشيعة، كما أنهم بنوا شبكة من النفوذ بين سلسلة من الطبقات والأديان والجماعات العرقية، كما أنهم بنوا بصورة ممنهجة تحالفات وعلاقات مع دول هامة لمواجهة القوة الواضحة للولايات المتحدة. ولكن مع مغادرة القوة العسكرية الأمريكية للعراق، فإن العلاقات الإيرانية ستصبح ذات قيمة كبرى. فانسحاب القوات الأمريكية كان له أثر نفسي عميق على النخبة السياسية في الخليج العربي، فمنذ انحدار القوة البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة هي الحامية للنخبة في الجزيرة العربية وبالتالي لتدفق النفط من المنطقة، وكان الضامن لذلك هو القوة العسكرية، كما ثبت ذلك بالرد على غزو العراق للكويت في 1990.

ولا تزال لدى الولايات المتحدة قوة عسكرية هائلة في الخليج العربي، كما أن قواتها البحرية والجوية يمكن أن تقاوم أي استفزاز واضح من إيران، ولكن ليس تلك هي الطريقة التي تعمل بها إيران، فمع كل خطبها النارية فإنهم حذرون في سياساتهم، وهذا لا يعني أنهم سلبيون، ولكنهم ببساطة يتجنبون التحركات عالية المخاطر. فسوف يعتمدون على قدراتهم وعلاقاتهم السرية. وتلك العلاقات موجودة الآن في بيئة يرى الكثيرون من القادة العرب أنها تشهد تطورًا في توازن القوة، فمع ازدياد ضعف الولايات المتحدة وعدم القدرة على التنبؤ بردود أفعالها في المنطقة ومع تحول إيران لتصبح قوة أكبر، فإن ذلك يوفر بيئة خصبة للحلفاء الإيرانيين للضغط على الأنظمة الإقليمية للتوافق مع إيران.


- إيران وأمريكا وأزمة مضيق هرمز.. قراءة استراتيجية (الجزء الأول)

- إيران وأمريكا وأزمة مضيق هرمز.. قراءة استراتيجية (الجزء الثاني)

- إيران وأمريكا وأزمة مضيق هرمز.. قراءة استراتيجية (الجزء الثالث)



 


[1] http://www.stratfor.com/weekly/iran-us-and-strait-hormuz-crisis.