البعد السوري:

يساهم الوضع السوري أيضًا في تلك الأزمة ما بين الولايات المتحدة وإيران، فتوقع الانهيار السريع لنظام الرئيس السوري بشار الأسد في سوريا أثبت خطأه وجاء مخالفًا لتوقعات الغرب، وفي الوقت نفسه فإن عزلة الغرب لنظام الأسد ـ والأهم عزلته من الدول العربية أيضًا ـ أفرزت وضعًا أصبح فيه النظام أكثر اعتمادًا على إيران أكثر من أي وقت مضى. فإذا ما استمر نظام الأسد ـ أو حتى النظام السوري بدون الأسد ـ فإن إيران سوف تتمتع بنفوذ هائل في سوريا، بالإضافة إلى نفوذها على حزب الله في لبنان، فالوضع الحالي في العراق بالإضافة إلى احتمالات نجاة النظام العلوي في سوريا سوف يخلقان دائرة نفوذ إيرانية تمتد من الحدود الغربية لأفغانستان إلى البحر المتوسط. وهذا سوف يمثل نقلة هائلة في التوازن الإقليمي للقوة ومن المتوقع أن يعيد تعريف العلاقات الإيرانية مع دول الجزيرة العربية، وهذا بالطبع سيكون في صالح إيران، ولن يكون في مصلحة الولايات المتحدة.

وقد حاولت الولايات المتحدة أن تتلافى ذلك عن طريق رد مزدوج، فقد قامت سرًا بشن حملة محمومة من التخريب والاغتيالات استهدفت البرنامج النووي الإيراني، وعلنا أنشأت نظام عقوبات ضد إيران، والذي استهدف مؤخرًا قطاع تصدير النفط الإيراني، بالرغم من أن ذلك لا يزال يواجه العديد من التحديات؛ فاليابان، التي تعد المستورد رقم 2 للنفط الخام الإيراني، تعهدت بدعمها للعقوبات ولكنها لم تحدد خطة ملموسة لتخفيض إيراداتها. أما الصين والهند ـ المستوردان رقم 1 و3 للنفط الإيراني على الترتيب ـ فسوف يستمران في شراء النفط الإيراني بالرغم من الضغوط الأمريكية المتزايدة. وعلى الرغم من الزيارة التي قام بها وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جيثنر الأسبوع الماضي للصين، إلا أن بكين لا تزال غير مستعدة بعد لتطبيق تلك العقوبات، ومن غير المحتمل أن يقبل الروس أيضًا بتنفيذ تلك العقوبات حتى لو وافقوا عليها من حيث المبدأ. كما أن تركيا لا تريد أن تدخل في مواجهة مع إيران، وتحاول أن تحافظ على علاقاتها التجارية الهامة مع إيران بصرف النظر عن العقوبات.

وفي الوقت ذاته، وبينما يبدو الأوروبيون مستعدين للمشاركة في عقوبات أكثر قوة لضرب صناعة النفط الإيرانية، إلا أنهم قد أجلوا تحركهم في تطبيق تلك العقوبات ومن المؤكد أنهم ليسوا في وضع سياسي يسمح لهم بالمشاركة في عمل عسكري ضد إيران؛ فالأزمة الاقتصادية الاوروبية تعد أزمة سياسية بالأساس، فحتى لو استطاع الأوروبيون أن يضيفوا بعض الثقل العسكري للعمليات، والذي يفتقدونه حاليًا بصورة عامة، فإن الإجراءات الملموسة لاتخاذ خطوات بهذا الصدد تعد غير محتملة في الوقت الراهن، كما أن الولايات المتحدة نفسها ليست لديها الرغبة ـ للأسباب ذاتها ـ في أن تزيد من مواجهتها العسكرية مع إيران، فغزو إيران يعد خارج المناقشة، فالجغرافية الجبلية الوعرة لإيران، وعدد سكانها البالغ 70 مليون نسمة، يجعل من الاحتلال المباشر لإيران مستحيلاً، بالوضع في الاعتبار عدد القوات الأمريكية المتاحة.

والعمليات العسكرية ضد إيران يمكن أن تعد خيارًا مقبولاً، ولكنها لا يمكن حصرها في المنشآت النووية، فإيران لا تزال عاجزة عن تصنيع السلاح النووي، واستخدام السلاح النووي ضدها سوف يعقد المشكلة استراتيجيًا، وستظل المشكلة قائمة على أي حال لأن مركز ثقل القوة الإيرانية هو قوة جيشها التقليدي في المنطقة، فبدون الجيش التقليدي فإن إيران ستكون أقل قدرة على ممارسة نفوذها بقوة، لأن المنظومة النفسية سوف تتغير في تلك الحالة.

فالحملة الجوية ضد القوات التقليدية الإيرانية يمكن أن تحسم المعركة في صالح القوة الأمريكية، ولكن ذلك يتعلق بمشكلتين: الأولى أنها ستكون حملة طويلة الأمد، ربما تستغرق عدة أشهر. فالقدرات الإيرانية كبرى وموزعة بصورة جيدة، وكما رأينا في عملية عاصفة الصحراء وفي حرب كوسوفو ضد أعداء أضعف من إيران، فإن تلك العمليات يمكن أن تستغرق وقتًا طويلاً كما أن فاعليتها غير مضمونة. وثانيًا أن الإيرانيين لديهم سبل للرد، إحداها بالطبع مضيق هرمز، والأخرى استخدام قوات العمليات الخاصة وحلفائها داخل وخارج المنطقة لشن هجمات إرهابية. وأي حملة جوية مطولة مع هجمات إرهابية يمكن أن تزيد حالة عدم الثقة في القوة الأمريكية وليس زيادتها بين حلفاء الولايات المتحدة، هذا بصرف النظر عن إذا ما كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تتلقى دعم سياسي داخلي مستمر أو حتى من دول التحالف معها.

خيار العمليات السرية:

لدى كل من الولايات المتحدة وإيران خيارات سرية أيضًا، فلديهم شبكات من النفوذ في المنطقة وقوات سرية تتمتع بكفاءة كبرى، وأعلنت الولايات المتحدة صراحة أنها سوف يستخدم تلك القوات السرية للحد من قدرات إيران في الحصول على الأسلحة النووية بدون اللجوء إلى القوة العلنية. ونحن نفترض، بالرغم من أننا نفتقد إلى الدلائل على ذلك، أن اغتيال الكيميائي الإيراني مؤخرًا والمرتبط بالبرنامج النووي الإيراني في الأسبوع الماضي كان عملية إما أمريكية أو إسرائيلية أو بمشاركة الاثنين. فالعملية لم تسفر فقط عن تصفية العالم الإيراني، ولكنها أسفرت عن مشكلة انعدام ثقة وانعدام أمن داخلي ومشكلات أخلاقية بين أولئك الذين يعملون في البرنامج النووي الإيراني. كما أنها أعطت مؤشرات للمنطقة أيضًا أن الولايات المتحدة لديها خياراتها داخل إيران.

وقد فشلت مؤخرًا محاولات الولايات المتحدة لدعم حركات معادية للحكومة الإيرانية من الداخل، فقد أظهرت طهران في عام 2009 أنها تستطيع أن تقمع التظاهرات، وكان من الواضح أن تلك التظاهرات لم تحظ بالدعم الواسع المطلوب للتغلب على ذلك القمع. وبالرغم من أن الولايات المتحدة رغبت في أن تدعم المنشقين الداخليين في إيران منذ عام 1979، إلا أنها لم تنجح في الحصول على تهديد ملموس على النظام الإيراني، وبالتالي فإن العمليات السرية استهدفت بصورة مباشرة البرنامج النووي الإيراني أملاً في أن ينتشر نجاحها بصورة سريعة إلى قطاعات أخرى هامة من البلاد.

ويضيف فريدمان قائلاً: كما قلنا مسبقًا فإن الإيرانيين لديهم بالفعل "خيار نووي"، وهو احتمال إغلاق مضيق هرمز والذي يسير فيه ما يقرب من 35% من النفط المنقول بحرًا و20% من تجارة النفط العالمية تمر به يوميًا. وإغلاق المضيق سوف يؤذي الإيرانيين أيضًا بالطبع، ولكن فشلهم في ردع حملة سرية أو غارات جوية، يمكن أن يجبرهم على اختيار إغلاق المضيق. فانقطاع تدفق النفط ولو بصورة مؤقتة وحتى لو على فترات متقطعة، فإن ذلك يمكن أن يسفر سريعًا عن أزمة اقتصادية عالمية، بالوضع في الاعتبار مدى هشاشة الاقتصاد العالمي في الفترة الراهنة.

والولايات المتحدة لا تحب أن ترى ذلك يحدث، فالولايات المتحدة ستكون حذرة إلى أبعد حد في تحركاتها إلا إذا استطاعت أن تتصرف بدرجة عالية من الضمان أنها تستطيع أن تمنع مثل ذلك الإغلاق للمضيق، وهو شيء من الصعب ضمانه. كما أن الولايات المتحدة سوف تمنع إسرائيل أيضًا من شن ضربة جوية، بالرغم من أن لديها قدرة على توجيه عدة ضربات جوية لبعض المنشآت النووية، ولكنها تفتقد إلى القوة المطلوبة للقضاء النهائي على البرنامج، فضلاً عن استهداف القدرات التقليدية الإيرانية وإدارة عواقب مثل تلك الضربة في مضيق هرمز. فقط الولايات المتحدة هي التي تستطيع أن تفعل ذلك كله، وبالوضع في الاعتبار التداعيات المحتملة، فإنها من المتوقع أن تنأى بنفسها عن محاولة ذلك.


- إيران وأمريكا وأزمة مضيق هرمز.. قراءة استراتيجية (الجزء الأول)

- إيران وأمريكا وأزمة مضيق هرمز.. قراءة استراتيجية (الجزء الثاني)

- إيران وأمريكا وأزمة مضيق هرمز.. قراءة استراتيجية (الجزء الثالث)