لم يفاجأ أحد بالفيتو الروسي على استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بدعوة الرئيس السوري بشار الأسد إلى التنحي؛ فقد كان الموقف الروسي واضحًا منذ البداية بعدما درست موسكو حساباتها الاستراتيجية وعلاقاتها بالغرب لتدعم بصورة كاملة نظام بشار الأسد منذ بدء الثورة الشعبية عليه منذ ما يقرب العام، ولكن روسيا بذلك التدخل الروسي المتكرر لحماية الأسد من غضبة شعبه ومن غضبة جيرانه العرب تخاطر ليس فقط بالدخول في مواجهة مع الغرب، ولكن بفقدان النفوذ الإقليمي المتبقي لها في المنطقة.

وعن هذا الموضوع كتب جيفري مانكوف ـ الخبير ببرنامج روسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن ـ مقالاً[1] سرد فيه أبعاد ذلك الدعم الروسي للنظام السوري، رجوعًا إلى حقبة الحرب الباردة والدعم الكامل لنظام أبيه حافظ الأسد منذ توليه السلطة عام 1970، ويقول الكاتب أن ذلك الدعم الحالي لا تزال تغلفه حقبة الحرب الباردة التي يمكن أن نشهد إعادة ظهورها من جديد؛ فمنذ أواخر القرن الماضي وحزب البعث الاشتراكي الذي خرج منه حافظ الأسد (مثل شقيقه في العراق) رسم نفسه على أنه قوة حداثة للنظام العربي ولكن على النظام الاشتراكي، وظهر في صورة المعادي للولايات المتحدة ولإسرائيل، وتحول سريعًا إلى الاتحاد السوفيتي كمصدر أساسي للسلاح وللاستشارات العسكرية.

ولكن تلك العلاقات استمرت حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فيشير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، والذي يتتبع مبيعات الأسلحة حول العالم، إلى أن قيمة مبيعات الأسلحة الروسية إلى سوريا قد وصلت إلى 162 مليون دولار سنويًا في عامي 2009 و2010. والقيمة الإجمالية للعقود السورية مع صناعة الدفاع الروسية من المتوقع أن تتخطى الأربعة مليارات دولار. كما أن سوريا تؤجر أيضًا قاعدة بحرية لروسيا على ساحل البحر المتوسط في ميناء طرطوس، مما يعطي البحرية الروسية موطئ القدم الوحيدة لها في البحر المتوسط، كما أنها القاعدة الوحيدة الباقية أيضًا لموسكو خارج نطاق الاتحاد السوفيتي السابق. وتخشى موسكى من أن سقوط الأسد يمكن أن يؤدي إلى ضياع عقود الأسلحة المغري، وأيضًا قدرتها على الوصول إلى ميناء طرطوس.

فبالرغم من نهاية الحرب الباردة، إلا أن علاقات موسكو بدمشق ظلت بمثابة ورقة المقايضة في علاقة الدب الروسي بالولايات المتحدة، فإدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الروسية لا تزال حتى الآن ملجأ للعروبيين، والذين الكثير منهم لا يزالون يرون المنطقة من خلال منظار المنافسة الاستراتيجية مع واشنطن. وحتى أولئك الذين لا يرون قيمة الأسد باعتبار أنه ثقل موازن للنفوذ الأمريكي فإنهم يرون الشراكة مع دمشق على أنها ضمان لمقعد لروسيا على مائدة مستقبل المنطقة التي تتشكل الآن، بالإضافة إلى استمرار دورها في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية. فروسيا عضو برباعية الشرق الأوسط، وطالما رغبت في استضافة مؤتمر سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في موسكو، وبالرغم من أن نفوذها في الشرق الأوسط قد خبا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن موسكو تقول أن قدرتها على الحديث إلى حكومات معادية للغرب في المنطقة (بما في ذلك تلك الموجودة في إيران وسوريا) تعني أنها يجب أن تظل مشاركة في عملية التسوية السلمية.

والعداء الروسي لأي إجراء أممي في سوريا ينبع أيضًا من المعارضة طويلة الأمد للتدخل الأجنبي لإجراء تغيير في النظام السوري، بخاصة عندما يكون بقيادة أو برعاية الولايات المتحدة. فقادة روسيا يدعمون نظاما دوليا يعتمد على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول في حين يلعبون دور البطولة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تظل روسيا تمتلك صلاحية الفيتو. لذا فإن موسكو بالتبعية تعتقد أن المجتمع الدولي غير مؤهل بأن يملي على الحكومات ما الذي يجب أن تفعله داخليًا، طالما أنها لا تفعل ما يهدد السلام والأمن الدوليين، الذي يعاقب عليه مجلس الأمن فقط.

ففيما يتعلق بمشكلات يوغوسلافيا عام 1999 والعراق عام 2003، صوتت روسيا ضد محاولات الولايات المتحدة للحصول على تفويض من مجلس الأمن لشن إجراء عسكري، لكن واشنطن تخطت الأمم المتحدة وذهبت إلى الحرب على أي حال. وكما قال الرئيس الروسي آنذاك فلاديمير بوتن عام 2007 في خطبته الشهيرة في مؤتمر ميونخ للأمن أن الولايات المتحدة بتصرفها الأحادي تدفع إلى "استخدام غير منضبط لاستخدام القوة ولا يمكن احتواؤه، وهذا ما يمكن أن يغرق العالم في حالة من فوضى صراعات دائمة". لذا فإن روسيا ترى تغيير الأنظمة الذي ترعاه الولايات المتحدة على أنه تهديد للاستقرار في الشرق الأوسط أكبر مما يفعله الأسد الآن من قمع لشعبه.

فقد امتنعت موسكو في السابق عن التصريح لمجلس الأمن بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا في مارس 2011، وقالت في حينها أنها لم توافق على القصف الذي تلا ذلك للأهداف الليبية وبالدعم العسكري المباشر للثوار المعاديين للقذافي. والأهم من ذلك هو أن موسكو لم يكن لديها الكثير لتخسره في ليبيا، وقررت بألا تتخذ موقفًا نيابة عن القذافي المتقلب الآراء حتى بالرغم من أن بوتن وآخرون دعموا مثل تلك الخطوة (القرار الليبي أفرز حالة من التوتر بين بوتن ومعاونه الرئيس السابق ديمتري مدفيديف)، لذا فعندما تعلق الأمر بسوريا فإن بوتن أعاد دراسة الأمر بصورة مخالفة للحالة الليبية، فليبيا تظل بعيدة نسبيًا عن موسكو وكانت أهميتها تتمثل في أنها سوق سلاح لها، في حين أن سوريا أهم بكثير من ليبيا، لذا لم تظهر موسكو كثيرًا من المرونة.

وبالرغم من أن دفاع موسكو عن الأسد يمكن فهمه من خلال وجهة نظر مصالح الأمن القومي الروسية، إلا أن ذلك يمكن أن يكون له تداعيات جسيمة على المدى البعيد؛ فنظام الأسد يبدو أنه أصبح متوترًا للغاية خاصة مع اقتراب التظاهرات عبر أنحاء البلاد من قصره الرئاسي وانشقاق فرق من الجيش الثوري ضده، كما أن الجامعة العربية أيضًا، والتي سحبت مؤخرًا مراقبيها من مهمتهم في سوريا، دعت الأسد إلى التنحي، فدعم الجامعة العربية للثوار الليبيين كان عاملاً هامًا في قرار موسكو بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن بشأن الحالة الليبية، لكي توضح أنه ليس الولايات المتحدة فقط هي التي دعمت الإطاحة بالقذافي. ولكن بالإطاحة بالجامعة العربية في مجلس الأمن بشأن سوريا، فإن موسكو تخاطر بعلاقاتها مع الحكومات عبر الشرق الأوسط، والتي أصبحت أكثر استجابة لشعوبها منذ الربيع العربي.

ربما تكون موسكو محقة في حساباتها بأنه بدون الأسد ستخسر عقودها العسكرية وقاعدتها البحرية في سوريا، ولكن التشبث الزائد بالأسد مع ارتخاء قبضته عن السلطة شيئًا فشيئًا، فإن موسكو تغامر أيضًا بأن تجعل ذلك الخوف المرضي عبارة عن نبوءة ذاتية التحقيق وتعجل من ضياع مصالحها طويلة الأمد في المنطقة؛ فالدماء البريئة التي تسقط على الأرض من جراء مجازر الأسد ونظامه وقواته، فإن روسيا سوف تدفع الثمن الأغلى بدعمها للأسد حتى نهايته المريرة المحتومة.

 


 [1] http://csis.org/publication/russias-self-defeating-game-syria