اختتمت إيران مناورات بحرية استمرت لمدة عشرة أيام في الخليج العربي ومضيق هرمز، وتوقيت هذه المناورات له العديد من الأهداف بخلاف مجرد استعراض قدراتها العسكرية، حاولت إيران من خلالها إرسال رسائل إلى عدة أطراف معنية بالأزمة النووية الإيرانية.

فقد جاءت هذه المناورات بعد أسابيع قليلة من تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي أعربت فيه عن مخاوفها الجدية من احتمال وجود بعد عسكري للبرنامج النووي الإيراني حسب المعلومات المتوافرة لديها، مشيرة إلى سعي إيران لتصميم سلاح نووي يمكن وضعه على الرؤوس الحربية، وكذلك محاولتها إعادة تصميم وتصغير نموذج عن سلاح نووي باكستاني من خلال اللجوء إلى شركات تشكل واجهة لها، كما أشار التقرير إلى أن الأبحاث الإيرانية شملت نماذج كمبيوتر لا يمكن استخدامها إلا لتطوير ما يساهم في إطلاق قنبلة نووية.

وقد أثار هذا التقرير المخاوف الغربية مجدداً من حصول إيران على سلاح نووي، وهو ما دفع الدول الغربية إلى العمل على فرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران علاوة على العقوبات المفروضة سابقا، وهو ما شأنه التأثير السلبي الكبير على الاقتصاد الإيراني، كما أعاد هذا التقرير الحديث عن توجيه ضربة عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية لمنعها من امتلاك السلاح النووي إلى الصدارة مرة أخرى، وظلت وسائل الإعلام تلقي الضوء على هذا الأمر.

وتزامنت هذه المناورات مع الإعلان عن تنفيذ أكبر صفقة أسلحة أمريكية للمملكة العربية السعودية وهي الصفقة التي كانت متوقعة منذ فترة، وكذلك الإعلان عن صفقة أسلحة أخرى للإمارات، في حين كان قد تم تأجيل صفقة للبحرين في شهر نوفمبر، وبالتالي فهذه المناورات جاءت في خضم سباق التسلح في منطقة الخليج العربي.

في خضم هذه الظروف المحيطة بإيران، جاءت هذه المناورات تطميناً للداخل الإيراني، حيث يؤكد الساسة الإيرانيون لشعبهم أنهم قادرون على حماية أراضيهم ومؤسساتهم ومنشآتهم النووية والحيوية، وأنهم على الرغم من الحصار الذي يواجهونه وصعوبة استيراد الأسلحة إلا أنهم بفضل جهودهم الذاتية ومدى التفوق العلمي لأبنائهم قادرون على تحقيق تقدم وتطور كبيرين، للوصول إلى هذا المستوى من الجاهزية والاستعداد لأية تطورات قد تحدث خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة، مما يرفع من معنويات الشعب الإيراني والقوات المسلحة الإيرانية، ويدفعهم إلى الوقوف بقوة خلف الحكومة، وتحمل مصاعب العقوبات الاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الاجتماعي حتى صارت إيران على شفا انفجار اجتماعي.

وهذه المناورات هي رسالة إيرانية إلى الدول الخليجية أنها صارت قوة لا يستهان بها، وأنها قادرة على فعل أي شئ لحماية أمنها القومي، وأنه على الدول الخليجية ألا تتخذ موقفا معاديا من إيران وألا تقف في صف الولايات المتحدة ضدها لتنطلق الضربة الجوية من القواعد الأمريكية الموجودة في دول الخليج، خاصة أن هذه المناورات كانت في منطقة مضيق هرمز التي يمر منها معظم الإنتاج النفطي الخليجي ونحو 40% من الإنتاج النفطي المنقول بحرا، وهو أمر له أهميته وحيويته بالنسبة للدول الخليجية التي تعتمد بشكل أساسي على النفط مصدرا للدخل القومي.

الرسالة الثالثة التي ترسلها إيران عبر هذه المناورات هي للولايات المتحدة والدول الغربية التي تفرض عقوبات اقتصادية مشددة عليها بسبب برنامجها النووي، وتؤكد من خلالها أن هذه العقوبات لن تؤثر في قرار إيران ولن تجعلها تركع للدول الغربية، وأنه كلما زادت الضغوط والعقوبات تمسكت إيران بقرارها وصارت أكثر إصرارا عليه، وتشير كذلك إلى أنها تحقق الإنجازات العسكرية والتضامن الشعبي خلف القيادة السياسية على الرغم من هذه العقوبات وتأثيرها السلبي الكبير على الاقتصاد وحياة المواطنين اليومية، وبالتالي فليس هناك من حل سوى الجلوس على طاولة المفاوضات من جديد، وها هنا تمارس إيران مهارتها في المراوغة والمناورة التي برعت فيهما خلال السنوات الماضية.

أما الرسالة الرابعة فهي إلى الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على وجه الخصوص حيث أنهما المعنيان بشكل أساسي بتوجيه ضربة عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية، ومفادها أن إيران اليوم ليست دولة ضعيفة، بل إن لديها من القدرات العسكرية ما لا يستهان به، وهي قادرة على الدفاع عن أراضيها بل وتوجيه الضربات المضادة، والتي تطال الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية في دول الخليج، والأسطول الأمريكي في البحر المتوسط والمحيط الهندي، أي أنها قادرة على إشعال النيران في المنطقة برمتها في حال تعرضها لأي ضربة عسكرية أمريكية أو صهيونية.

الرسالة الخامسة والأخيرة، تتعلق بالأزمة السورية، فهي رسالة دعم إلى النظام السوري الذي يمارس أبشع أشكال القمع والعنف، ويرتكب أفظع الجرائم والمجازر بحق الشعب السوري الأعزل الذي يطالب بحريته وكرامته، فالنظام الإيراني يدعم نظام الأسد بكل ما أوتي من قوة وبكل إمكانياته، حتى أنه يرسل المقاتلين لمساعدته في قتل شعبه الأبي، وهي كذلك تحذير من مغبة القيام بأي عمل عسكري ضد نظام الأسد أو فرض منطقة حظر جوي، وهو الأمر الذي بات البعض يطالب به حاليا وصار الحديث عن تحول الثورة من سلمية إلى ثورة مسلحة أمرا عاديا، بعدما تيقن الجميع من فشل كل المحاولات السلمية لإيقاف المجازر التي يقوم بها النظام السوري، وتحول المراقبين العرب إلى شهود زور لصالح نظام الأسد.

انتهت المناورة وأعلنت إيران نجاح المناورة في تحقيق أهدافها، لكن هذا لا يبدو حقيقيا، فرغم الهالة والضجة الإعلامية التي صاحبت المناورة وأعقبتها، إلا أن إيران تلقت ردوداً شديدة اللهجة من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية، خاصة بعد تهديدها بإغلاق مضيق هرمز، وصلت إلى حد التهديد باستخدام القوة العسكرية كما فعلت بريطانيا، والتي أعلنت عن إرسال أهم سفنها الحربية إلى الخليج العربي، كما أن تهديدها لحاملة الطائرات الأمريكية ومطالبتها بالابتعاد عن الخليج العربي، قوبل بتحد كبير من الولايات المتحدة، التي أعادت الحاملة مرة أخرى للخليج، في رسالة واضحة إلى إيران، بفشل مناورتها في إحداث أي تغيير في السياسة الأمريكية تجاهها.

كما قابلت دول الخليج هذه المناورة بضبط النفس، فلم تبد أي قلق منها ولا من الرسائل التي توجهها، وهو ما يمكن تفسيره بإدراك الدول الخليجية للقدرات العسكرية الحقيقية لإيران، وليس لما تحاول إيران أن تظهره من قدرات كبيرة تفوق ما لديها حقيقة، في وقت تعمل فيه الدول الخليجية على تعزيز قدراتها العسكرية بأسلحة متطورة، من طائرات حديثة، وصواريخ مطادة للصواريخ البالستية، كما تعاني إيران من ضعف في قدرات دفاعها الجوي، وهو ما يجعلها عرضة لأي هجوم تشنه عليها الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من القدرات الصاروخية التي تتمتع بها والتي يبلغ مداها نحو 1800 كم، إلا أنه يمكن تدمير معظمها في الهجوم الجوي مع ضعف دفاعاتها الجوية، وهو ما يعني فقدان إيران للتميز والتفوق العسكري في المنطقة.

في المقابل تتفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران، مع الانخفاض الكبير في سعر العملة الإيرانية مقابل الدولار، وما كادت المناورات تنتهي حتى أعلن الاتحاد الأوروبي وقف استيراد النفط الإيراني، بعد أن أقر الرئيس الأمريكي عقوبات على النفط الإيراني، ويتوقع كذلك أن تخفض كل الصين اليابان مشترياتها من النفط الإيراني، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور في سعر العملة الإيرانية مقابل الدولار، وما يعنيه من تدهور الحياة المعيشية اليومية للمواطنين الإيرانيين، وهو الأمر الذي قد يجبر القيادة الإيرانية على الرضوخ ولو قليلا للشروط والإملاءات الغربية لتجنب حدوث اضطرابات داخلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

وهذه الظروف الاقتصادية الصعبة، التي تعيشها إيران، من شأنها أن تجعل إيران غير قادرة على حماية حليفها السوري، وغير قادرة على الدخول في أي معركة لصالحه، لأن أي معركة تخوضها إيران لصالح هذا النظام ستؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الراهنة بشكل غير مسبوق.

أما الكيان الصهيوني فهو غير معني بهذه المناورة، فهو لن يقبل بحال من الأحوال أن تحصل إيران على سلاح نووي، ليس لأنه عدو للنظام الإيراني الحالي بل إن بينهما الكثير من المصالح، ولكنها تريد أن تبقى القوة النووية الوحيدة في المنطقة، وقرارها بتوجيه ضربة عسكرية لإيران يرتبط بحسابات تجريها تحدد فيها المصالح والمفاسد لهذه الضربة في أي وقت، كما أنها تريد أن توحد العرب معها ضد إيران من خلال الترويج بأن إيران هي الخطر الأول على المنطقة.

من خلال هذا يمكن أن نقول أن المناورات الإيرانية فشلت في تحقيق أهدافها السياسية جميعها، وكل ما نجحت فيه هو اختبار بعض الأسلحة الجديدة، وإثارة ضجة إعلامية كبيرة حول هذه المناورات.