تعتقد "إسرائيل" أن ما تشهده المنطقة العربية من حراك متواصل سيلقي بظلاله عليها، مما يجعلها في حالة انعقاد دائم، تحسباً لأي مفاجآت غير متوقعة، ولذلك عقدت جامعة تل أبيب مؤتمراً لمعهد أبحاث الأمن القومي، تناولت فيه التطورات المذكورة على النحو التالي:

1- الثورات العربية: جاء في مداولات المؤتمر أنه عندما ندرس الثورة في العالم العربي يمكن أن نميز بين ثلاثة نماذج مختلفة:

أ- أنموذج انتفاضة شعبية من أسفل إلى أعلى، بدأت من إحباط الطبقات الوسطى، وأسفرت عن تغيير الأنظمة والحكومات في مصر وتونس وليبيا واليمن؛

ب- تدهور الثورات إلى حرب أهلية دامية في أعقاب معارضة عنيفة من الحكام مثل سوريا وليبيا.

ت- الإصلاحات من أعلى لأسفل كمستحضرات التجميل، التي بدأت من قبل الأنظمة، خاصة الملكيات.

ولذلك فإن "إسرائيل" مطالبة عند تقييمها للحراك العربي أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الفروقات، ومع هذا يمكن دراسة الاتجاهات المتغيرة في العالم العربي في أربعة أبعاد هي:

- نظام الحكم: من خلال ما مرت به بعض الأنظمة العربية في عملية إضعاف الدولة، بحيث فقدت قدرتها على الحكم بشكل فعال، لتحقيق الاستقرار، وتوفير نسبة معقولة للسكان في حياتهم اليومية، وقد نجحت قوى الإسلام السياسي في الوقوف خلف الثوار للاستيلاء على السلطة، والإمساك بالمناصب الرئيسية، وتزايد النفوذ، واتضح أن مهارات الحكم لديها تتحسن بالمقارنة مع الأنظمة القديمة.

- الأزمة الاقتصادية العميقة: خاصة في البلدان التي لا تستفيد من مصادر الطاقة كالنفط والغاز، لاسيما مع شح المساعدات الخارجية الدولية، نظراً للأزمة الاقتصادية العالمية، وعدم الاستقرار الداخلي والإقليمي، أضف إلى ذلك، حقيقة أن بعض البلدان العربية المحتاجة لا تستوفي القواعد والمعايير المطلوبة للحصول على المساعدة والتبرعات.

- فقدان الأمن: وعدم قدرة بعض الدول العربية على حفظه، لاسيما تلك التي شهدت ثورات واضطرابات، على تزويد سكانها بالأمن الداخلي، ويرجع ذلك لفقدانها السيطرة على الأسلحة، خاصة في نموذجي ليبيا وسوريا، حيث وقعت في أيدي عناصر مسلحة، وميليشيات تقوم بتعميم تلك الأسلحة على الجميع، ونتيجة لذلك، فإن الجماعات المسلحة في بعض الدول العربية مثل ليبيا وسوريا واليمن زاد تأثيرها، بفعل انتشار القنوات الناشئة من تهريب الأسلحة.

- المجتمع المدني: في الماضي، تركزت السلطة في أيدي الحكام والنخب من قمة الرأس من الهرم، لكن اليوم نزلت السلطة إلى الشارع والطبقات السفلى، وبات لها أكبر تأثير على عمليات اختيار القيادات، وطريقة السلوك السياسي، أضف لذلك حقيقة أن السكان الذين هم أصغر سناً، باتوا أكثر تعليماً، مع إمكانية وصولهم إلى التكنولوجيا الجديدة خاصة وسائل الإعلام، التي أصبحت وسيلة رئيسية لنشر الأفكار الجديدة، ورفع الجماهير.

2- التحديات الإقليمية: بجانب استمرار العمليات الثورية والاتجاهات الحالية، فإن إيران تواصل بثبات طريقها لتحقيق قدرة نووية عسكرية، فضلاً عن الجمود المستمر في عملية السلام على الساحة الفلسطينية، في حين تحاول الولايات المتحدة إعادة إحيائها، مع خشية اندلاع محتمل لمواجهة إسرائيلية فلسطينية، نظراً لاستمرار الركود السياسي.

3- الصراع في سوريا: إن استمرار الحرب الأهلية في سوريا دون وجود إشارة بأن أياً من الجانبين يمكنه الفوز على الخصم، وعدم وجود ما يمكن أن تسمى "لعبة النهاية"، تعني أن الجيش السوري آخذ في التآكل التراكمي للوفيات والإصابات والانشقاقات، وقواعد ومخازن الأسلحة، والروح المعنوية المنخفضة، والكفاءة تترنح في وضع تنازلي.

كما أن المعارضة منقسمة، وبالتالي من الصعب تحقيق تقدم سياسي حقيقي، لاسيما مع ارتفاع كبير في العناصر الإسلامية المرتبطة بالقاعدة، القادمة من الخارج، وتتلقى المساعدة والأسلحة من قطر والسعودية، وتخوض معظم عمليات القتال ضد النظام، مع وجود مفارقة بين عدم الرغبة في التدخل في سوريا من المجتمع الدولي والدول العربية من جهة، ومن جهة أخرى الآثار السلبية لاستمرار القتال الداخلي، وفقدان القدرة على تشكيل دولة سوريا بعد نظام الأسد، والتأثير في مستقبلها وطابعها.

ومع ذلك، فإن استمرار الصراع الدائر في سوريا سيعمل على تكثيف الآثار الكارثية، سواء عبر سقوط ما يقرب من 80 ألف حالة وفاة، وأكثر من مليون لاجئ، وسيزيد من تعزيز نفوذ الجماعات الإسلامية الجهاديين في صفوف الثوار، وتدفق المستفيدين من المتطوعين الأجانب مع بعض الخبرة القتالية الغنية.

4- ملخص الاتجاهات: يمكن التقدير بأن التوقعات للمستقبل القريب في المنطقة العربية هي استمرار حالة عدم الاستقرار، وغياب الوضوح؛ وإضعاف الدولة، وتراجع التنمية، وانتشار الفوضى والاضطراب لدرجة التفكك، وفي الوقت نفسه، تكثيف متوقع، وزيادة نفوذ للجهات الفاعلة من غير الدول والجماعات الإسلامية المسلحة ضد النظم الحاكمة.

ومع ذلك، فإن الترجيح العام، يشير إلى احتمال ضعيف جداً بأن تندلع حرب مع الدول المجاورة في المنطقة خلال السنوات المقبلة، في ضوء أن الثورات الحاصلة داخل العالم العربي ساعدت على تآكل متبادل للمعسكرين السني والشيعي، وهو ما أضعف كثيرا من المحور الراديكالي: إيران، العراق، سوريا، وحزب الله.

5- توصيات هامة

أ- "إسرائيل" باتت معنية أكثر من أي وقت مضى بإقامة شراكات إقليمية مؤقتة على الأرجح، بجانب الشروع عبر قنوات الاتصال مع لاعبين مؤثرين، من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في العالم العربي من خلال الشبكات الاجتماعية، والقنوات الإعلامية.

وهناك حاجة لأن تقوم "إسرائيل" بتقديم المساعدات والاستثمارات لتعزيز والاستقرار، وتشجيع المساعدات الخارجية لدولة مثل الأردن، وإقامة علاقات تعاون معها في جميع الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، كما لا يجب تفويت تعزيز العلاقات مع حلفاء مهمين مثل تركيا، وهي فرصة لإصلاح الأواصر، وتعزيز التعاون، وإقامة قنوات متعددة وشبكة من العلاقات فيها.

ب- الشروع بإنشاء آلية للتعاون الأمني ​​الإقليمي، تقوده الولايات المتحدة أو منظمة حلف شمال الأطلسي، التي تستهدف مواجهة التحديات المشتركة لمعظم دول الشرق الأوسط، المتمثلة بمنع التهريب للعناصر المتطرفة، وحفظ أمن الحدود.

ت- منع الحشود العسكرية المعادية لـ"إسرائيل"، وتعزيز قوة الردع الصهيونية، للعمل من أجل خلق ظروف أكثر ملاءمة لها، وإلا ستدخل في مواجهة عسكرية، مع إعطاء الأولوية لمكافحة عملية وصول الأسلحة الإستراتيجية ونقلها لحزب الله أو المتطرفين، وتحسين حماية الحدود ضد التسلل، وأعمال العنف؛ وتعزيز التعاون مع كيانات أجنبية.

ث- ضرورة تعزيز السياسات الصهيونية، عبر الشركاء الإقليميين والدوليين من أجل استئناف عملية السلام مع الفلسطينيين، التي ينبغي أن تكون "تذكرة دخول" لمواجهة التحديات الإقليمية، وفي الوقت نفسه، من المناسب إعادة النظر في جدوى وصدق المبادرة العربية، والرأي العام العربي تجاهها.