منذ تولى مرسي رئاسة الجمهورية عاشت مصر مرحلة من الأعاجيب النادرة التي لن تتكرر، إذ لن يسمح رئيس –مهما بلغ من السماحة- أن يترك الإعلام ينهش فيه على نحو ما فعل مرسي من بعد ما رأى الجميع إلى أين انتهى المصير.

في تلك الشهور سادت في أوساط الشباب عبارات على نحو "الواقع غلب الخيال"، "الواقع فجَّر الخيال"، "الواقع دمَّر الخيال"، ونحو ذلك.. ومن الأمثلة الشهيرة قولهم "باسم يوسف سب رئيس الجمهورية وعماد أديب (أحد أصحاب قناة سي بي سي) فمُنِع البرنامج لأنه سبَّ عماد أديب"!!، وقولهم "في مصر: الرئيس يدعو للحوار والمعارضة هي التي ترفض"، وقولهم "في مصر يمكنك مهاجمة قصر الرئاسة وبيت الرئيس لكن لا يمكنك مهاجمة وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية".

ثم جاء الانقلاب العسكري بما هو أعجب وأغرب، فقد قيل: "إذا ترشح البرادعي وحمدين وأيمن نور في الانتخابات، فليحتشد أنصار البرادعي في ميدان سفنكس، وأنصار حمدين في ميدان الحجاز، وأنصار أيمن نور في ميدان طلعت حرب، وسيرسل السيسي طائرة تصور الميادين الثلاثة ثم يختار من بينهم رئيس الجمهورية"!!

هذا الرأي لا يخلو من مزايا، فبه سنوفر نفقات الانتخابات والطباعة والتأمين كما سنوفر مجهود القضاة والموظفين في استقبال الناس وحساب الأصوات، ومجهود وسائل الإعلام في الانتشار على مساحة الجمهورية ليتركز مجهودهم في ثلاثة ميادين.. وما نفع كل الانتخابات إذا كانت الإرادة الشعبية تحسبها طائرة وكاميرا ورجل عسكري قابع خلف الشاشات؟!!

هل كان الخيال يصل إلى هذا الحد؟!

هكذا.. قهر الواقع الخيال، وأنتج هذا المشهد:

بضع ساعات احتشد فيها الناس بعد عام من حشد إعلامي غير مسبوق، وفي رعاية أمنية وعسكرية كاملة، وامتلأت الميادين في لحظات النسيم التي تسبق الغروب وتنتهي في منتصف الليل.. كان هذا كافيا لينحسم خيار "الإرادة الشعبية".

بينما أربعون يوما كاملة، بنهارها وليلها، في الحرّ والصيام، في كافة أنحاء البلاد من أقصاها إلى أقصاها، ومع مذابح متتالية: الحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس (في القاهرة) بخلاف باقي المحافظات، وفي غياب أي نصير أو ظهير إعلامي (بعد إغلاق القنوات لحظة الانقلاب) لم تكن كافية ليظهر إلى أي جانب تميل الإرادة الشعبية!!

إن مناقشة هذا الأمر هو سفه بحد ذاته، لكن الموجة الإعلامية الخالية من كل منطق عقلي أو أخلاق إنسانية جعلت كثيرا من البديهيات في حاجة إلى مناقشة وتنزل!

***

خلاصة ما حدث أن الانقلاب أُعِدَّ له منذ شهور، ربما منذ تولى مرسي الحكم، ثم عملت الأطراف نحو خروج "مشهد" يتيح لها تنفيذ جريمة الانقلاب، ولو لم يستطيعوا الحصول على هذا المشهد الجماهيري فقد كانت الخطة البديلة هي تفجير عنف واسع لنحصل على "مشهد" انفلات أمني يجعل تنفيذ الانقلاب "إنقاذا للوطن" من الفوضى والضياع، وقد علمنا الزمان أن "المجرم المسلح قادر على اختلاق الذرائع لتنفيذ رغباته".

قالت تسيبي ليفني، وزيرة الخارجة الإسرائيلية السابقة، في محاضرة لها بمعهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل بتاريخ 17 نوفمبر 2012:

"ثمة أشياء غير مقبولة... كل قائد ودولة في المنطقة يجب أن يقرروا: إما أن يكونوا جزءا من معسكر الإرهاب والتطرف، أو معسكر البراجماتية والاعتدال، وإذا قرر قائد دولة ما مسارًا آخر فسيكون هناك ثمن لهذا... أعلم أنه حين أتحدث عن تركيا، أو عن أردوغان، أو عن الحزب الذي يحتفل الآن بمرور عشر سنوات على نشأته، أن الأمر ليس فقط حول المصالح، أنا مدركة أن الأمر يتعلق أيضا بالأيديولوجية، ولا أريد أن أقلل من أهمية الأيديولوجية، وأعلم أنها جزء من سياسة الحكومة في تركيا، لكنني أؤمن أن آخر شيء يجب فعله هو أن نقول: هذه أيديولوجية، ولا نستطيع أن ننتصر فيها، [حينئذ] نخسر تركيا، تركيا تتطرف أكثر... أؤمن أنه في النهاية عندما يتعلق الأمر بالقادة، فإنه يجب عليهم أن يختاروا ما هو أفضل لدولهم، وليس فقط أيديولوجية أحزابهم، وحيث أن تركيا في موقف حساس تماما، وحيث أنها تواجه مخاطر مختلفة في المنطقة طبقا لفهمهم، أؤمن أننا نستطيع مع الولايات المتحدة ومع المجتمع الدولي المصالح التي يمكن أن تخلق، ربما ليس نفس العلاقة، لكن علاقات بين إسرائيل وتركيا، مبنية على مصالح، وليس على أيديولوجية حزب لا نستطيع أن نشاركها للأسف، أعلم أن هناك في إسرائيل من ينظرون إلى خارجها بخوف وقلق، يظنون أن العالم يتغير وأنه لا يوجد ما يستطيعون فعله بخصوص هذا التغيير، وصحيح أن العالم يتغير وأن المنطقة تتغير، وصحيح أيضا أنه لدينا متطرفين أكثر في المنطقة، وقادة يريدون أن يختاروا مسارهم وطريقهم، لدينا في مصر مرسي الذي يمثل الإخوان المسلمين، وملك الأردن يواجه مشاكله أيضا، إيران تستمر في محاولاتها لإنجاز قنبلة نووية، لكن لا يمكنني أن أقبل فكرة أنه لا يوجد شيء نفعله حيال هذه التغيرات، لا أستطيع قبول فكرة أن تقول إسرائيل: "حسنا، العالم ضدنا، أردوغان إسلامي، ولا أمل في أي تغيير، وأنه يجب أن نتكاتف سويا، وأن نتحد ضد هؤلاء الذين يعادوننا، وألا نفعل شيئا"، أعتقد أن هذه فكرة خاطئة، وأعتقد أن هذه ليست السياسة المناسبة لدولة إسرائيل، مسؤولية أي حكومة إسرائيلية هي العثور على طريقة إعادة تعريف المصالح والعمل المشترك مع الدول الأخرى، من الممكن أن تكون هذه الطريقة علنية أو غير علنية، إذا لم يكن هذا ملائم لبعض قادة المنطقة، لكن هذه مسؤوليتنا، لأن عزلتنا أثناء التغيير الحادث في المنطقة هو أمر لا نستطيعه، إننا لا نستطيع أن نشكل مستقبل المنطقة، لكننا نستطيع أن نؤثر على العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة بما فيها تركيا".

وقبل ليفني بثلاثة أيام كتب إعلامي مشهور -تدور حول علاقاته بالمخابرات الأمريكية أسئلة كثيرة- على صفحته في موقع تويتر "اللهم بلغنا يونيو"، أي قبل الانقلاب بأكثر من سبعة أشهر.

وقد أفلت لسان البرادعي بعد الانقلاب بيوم واحد، في حواره مع النيويورك تايمز (4/7/2013) حين صرح بأنه "بذل جهودا مضنية لإقناع الغربيين بضرورة إزاحة مرسي بالقوة"، ولا يجد المرء تفسيرا لهذا التصريح إلا أن يكون رسالة لشركائه في الانقلاب، غير أن الشركاء ألقوا بالرسالة في مزبلة، وغادر البرادعي مصر بخفيّ حنين!

ومثله أفلت لسان منى مكرم عبيد في محاضرة لها بمعهد دراسات الشرق الأوسط في أمريكا بعد الانقلاب بأسبوع واحد (الخميس 11/7/2013) فكشفت عن أن الوزير السابق حسب الله الكفراوي –وبتكليف من قيادة الجيش- جمعت بعضها من النخبة المصرية (العلمانية) وطلبت منهم كتابة ورقة بمطالبهم وأن يجمعوا عليها أكبر قدر من توقيعات النخبويين على أن تسلَّم إليهم قبل الثالثة عصرا، وكان هذا صباح يوم 30 يونيو، أي قبل أن يحدث أي مشهد احتشاد "يبهر" أحدا أو يثير عواطف أحد فيفكر في أن "يحنو على الشعب".

بل لقد كفانا قائد الانقلاب نفسه في حواره الأشهر مع الواشنطن بوست (3/8/2013) والذي قال فيه كلاما كثيرا مهما على مستوى فهم الانقلاب، لعل أهمه هاتان العبارتان:

1- "الإخوان أكثر إخلاصا لمعتقداتهم الإسلامية أكثر من وطنهم".

2- وحين سُئِل عن نيته الترشح للرئاسة أفاد بأنه "لم يصل بعد لاستبعاد هذا الاحتمال".

التسجيلات الصوتية المسربة لمبارك (الذي قامت الثورة ضده) وهو يدعم ترشح السيسي لرئاسة الجمهورية، يجعل كل سؤال يناقش كون ما حدث ثورة أو انقلابا من نظام مبارك نوعا من السفاهة والجنون!

لكن –برغم كل هذا- يظل النقاش دائرا وحاميا، إذ الواقع في مصر قهر الخيال!