لم يحج ابن تيمية - رحمه الله - إلا حجة واحدة سنة 692 هـ، وناله وأصحابَه في الطريق ريح شديدة جدًّا، مات بسببها أقوام، وحملت الريح جِمالاً عن أماكنها، واشتغل كل أحد بنفسه [1].

وبعد عودته من الحج آلت إليه الإمامة في العلم والدين [2].

ومع هذا فقد حفلت مؤلفاته بتحريرات رصينة لمسائل الحج، واختيارات نفيسة وتقعيدات متينة، وفتاوى جليلة...

ولن نَعْرِض في هذه السطور لشيء من ذلك؛ إذ قد أوعبها الباحثون واستوفاها المحققون، وإنما نسوق معالم كبيرة وملامح كليَّة من خلال تقريرات ابن تيمية بشأن هذه الشعيرة العظيمة :

- من المعلوم أن الكعبة - حرسها الله - هي مهوى القلوب، ومحط الأفئدة " ولهذا أخبر - سبحانه - أنه ( أي البيت الحرام ) مثابة للناس؛ أي : يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وَطَرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقًا.

لا يرجعُ الطَّرْفُ عنها حين ينظرها حتى يعودَ إليها الطَّرْفُ مشتاقا فللَّه كم لها من قتيل وسليب وجريح، وكم أُنفق في حبها من الأموال والأرواح، ورضي المحب بمفارقة فِلَذ الأكباد والأحباب والأوطان... " [3].

وقد تحدَّث ابن تيمية عن عَظَمَة الكعبة، وانجذاب القلوب إليها، وحِفْظِ الله - تعالى - لهذا البيت العتيق مما هو أكبر آيات الرسل، وأعظم المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، والتي أوجبت حيرة الفلاسفة وأشبهاههم.

قال ما ملخصه : " وكذلك ما خصَّ الله به الكعبة البيت الحرام من حين بناه إبراهيم وإلى هذا الوقت : من تعظيمه وتوقيره وانجذاب القلوب إليه، ومن المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والقصور، ثم لا يلبث أن ينهدم ويُهان، والكعبة بيت مبني من حجارة سود بوادٍ غير ذي زرع، ليس عنده ما تشتهيه الأنفس من البساتين والمياه، ولا عنده عسكر يحميه من الأعداء، بل كثيرًا ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله، ومع هذا فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوي إليه ما لا يعلمه إلا الله، وهذا مما يُعلَم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر وقوى النفوس وأبدانهم، والذي بناه قد مات من ألوف السنين.

ولهذا كان أمر البيت مما حيَّر هؤلاء الفلاسفة والمنجمين؛ لكونه خارجًا عن قوانين علومهم، حتى اختلقوا لذلك من الأكاذيب ما يعلمه كل عاقل لبيب، مثل قول بعضهم : إن تحت الكعبة بيتًا فيه صنم يُبَخَّر ويصرف وجهه إلى الجهات الأربع ليُقْبِل الناس إلى الحج، وهذا مما يعلم كل مَنْ عرف أمر مكة أنه من أبين الكذب ... " [4].

ومن العجب أن يعمد الرافضة الحمقى إلى احتقار الكعبة، والغلو في كربلاء؛ لأن فيها قبر الحسين بن علي - رضي الله عنهما - وتقول روايات الرافضة : إن الكعبة ليست إلا ذَنَبًا مهينًا لأرض كربلاء [5].

بينما عند أهل الكتاب الإخبار بعظمة الكعبة وكثرة قاصديها، وهلاك مَنْ قَصَدَها بخراب ونحوه، كما بيَّنه ابن تيمية [6].

- احتفى ابن تيمية بتقرير شعيرة الحج، وعظيم شأنه، فجعله من الدين المِلِّيِّ الذي جاءت به الرسل - عليهم السلام - وقرر أن الحج من الحنيفية ملَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام - فالحنيف هو الحاج إلى بيت الله الحرام.

فقال - رحمه الله - : " معلوم باتفاق الأمم، ونَقْل المتواتر أن إبراهيم و إسماعيل بنيا البيت الحرام الذي ما زال محجوجًا من عهد إبراهيم، تحجُّه العرب، وغير العرب من الأنبياء وغيرهم، كما حجَّ إليه موسى بن عمران، و يونس بن متَّى... ولما بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أوجب حجَّه على كل أحد، فحجَّت إليه الأمم من مشارق الأرض ومغاربها " [7].

وقال في موطن آخر : " والحج داخل في الحنيفية من حين أوجبه الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فلا تتم الحنيفية إلا به، وهو من ملة إبراهيم، وما زال مشروعًا من عهد إبراهيم.

قال أبو العالية : الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى حجَّه عليه واجبًا، إن استطاع إليه سبيلاً.

فالحج كان من الحنيفية، لكن كان من مستحباتها لا من واجباتها " [8].

بل جزم - رحمه الله - أن الكعبة هي قِبْلة الأنبياء - عليهم السلام - وليس بيت المقدس، فقال : " إن الكعبة ومسجدها وحرمها أفضل بكثير من بيت المقدس وهي البيت العتيق، وقِبْلَة إبراهيم وغيره من الأنبياء، ولم يأمر الله قط أحدًا أن يصلي إلى بيت المقدس؛ لا موسى ولا عيسى... " [9].

- ألمح ابن تيمية إلى ما يمكن أن يسمى بألاعيب السياسة ودجلها، وإحداث دين باطل وتطويعه لأهواء السلاطين؛ فإنه لما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - وبين عبد الملك بن مروان، وكان ابن الزبير يخطب في أيام منى و عرفة، وينال من بني مروان؛ فمال معظم أهل الشام إليه، وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فمنع الناس من الحج فضجوا.

قال ابن تيمية : " وقد قيل : إن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير، أو يقصدونه بحُجَّة الحج، فعظَّم عبد الملك شأن الصخرة بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف؛ ليكثر قَصْد الناس لبيت المقدس؛ فيشتغلوا بذلك عن قَصْد ابن الزبير، والناس على دين الملك، وظهر في ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا " [10].

بل جاء في تاريخ ابن كثير : " ولم يكن يومئذٍ على وجه الأرض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس؛ بحيث إن الناس التهوا به عن الكعبة والحج وأتوه من كل مكان " [11].

ولما قال عبد الملك بن مروان عن صخرة بيت المقدس : هذه صخرة الرحمن التي وضع عليها رجله، قال عروة بن الزبير : سبحان الله ! يقول الله - تعالى - : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } ( البقرة : 255 ).

إنما هذا جبل قد أخبرنا الله أنه يُنْسَف نسفًا [12].

والمقصود أن هذه " المضارة " والمباهاة سرعان ما لحقها الزوال والاندراس فأمست أثرًا بعد عين؛ " فما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم " [13].

وهذه الواقعة تُذَكِّرنا بما فعله أبرهة الأقلف عندما بنى الكنيسة الخسيسة ( كما عبَّر ابن كثير )، والمسماة بـ " القُلَّيس " ، من أجل أن يصرف الناس عن حج بيت الله الحرام، فجاء رجل من أهل مكة، فأحدث فيها، فغضب أبرهة، وسار بجيشه ليهدم الكعبة، فأهلكه الله عاجلاً غير آجل، فالحمد لله [14].

وأما " القُلَّيس " فصارت قَفْرًا، ثم نُقِضَت حجرًا حجرًا وعفت آثارها في عهد الخليفة العباسي " السفاح " [15].

- من الأصول العظام التي يؤكدها ابن تيمية أن لا يُعبَد الله إلا بما شرع، والتحذير من البدع وكل ما يفضي إلى مضاهاة الشريعة، ومجانبة الأعياد البدعية.

 فكان من تقريراته ما يلي : " المسجد الحرام ومنى و مزدلفة وعرفة جعلها الله عيدًا، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها للدعاء والذِّكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله " [16].

وغلَّظ على من تحرَّى زيارة بيت المقدس أيام الحج؛ لما فيه من الابتداع، ومضاهاة الحج إلى بيت الله الحرام، فقال : " إن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ إليها الرحال، لكن قَصْد إتيانه في أيام الحج هو المكروه؛ فإن ذلك تخصيص وقت معيَّن بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره.

ثم فيه أيضًا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيهًا له بالكعبة، ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام " [17].

وما ألمح إليه شيخ الإسلام من تبديل شريعة الإسلام قد أضحى ظاهرًا جليًّا عند الروافض؛ ففي زندقة جوفاء وكذبة صلعاء جاء في كافي الكليني : " من زار قبر الحسين يوم عرفة كتب الله له ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة " [18].

فهذا المكر المكشوف والإفك الرخيص ما هو إلا سعي متعثر لأجل نبش ملة عمرو بن لُحَي، وطَمْس الحنيفية ملة إبراهيم - عليه السلام - وصَرْف الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام.

وأشار ابن تيمية في غير موطن إلى المباعدة عن تخصيص بقاع بالزيارة والعبادة، وما في ذلك من إحداث في دين الله، ومجانبة سبيل المؤمنين، فقال : " وحجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله، وهو في ذلك كله : لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ثم بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من السابقين الأولين؛ لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه ولا للدعاء " [19].

والمقصود : أن الخروج عن الشرع المنزل، والتفلُّت من لزوم السنَّة قد سوَّغ لديهم الحج إلى المشاهد والقبور [20]، ولذا قال ابن تيمية : " من زار مكانًا من هذه الأمكنة ( يعني : القُمامة ) [21]، أو بيت لحم، أو كنائس النصارى ) معتقدًا أن زيارته مستحبة والعبادة فيه أفضل من العبادة في بيته، فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام " [22].

كما حرر أن ( الحرم ) لا يطلَق إلا على حرم مكة اتفاقًا، وحرم المدينة النبوية عند الجمهور؛ فلا يصح إطلاق الحرم على بيت المقدس، ولا الخليل.[23] 

فضلاً عن إطلاقه على حرم جامعة ونحوها.

وذكر ابن تيمية أن الشياطين قد تحمل أقوامًا من بلاد بعيدة إلى عرفة، دون أن يتَّبِعوا الشريعة ويلزموا الطريقة النبوية، وحكى أن أحد العلماء أنكر على هؤلاء، فقال : " إن هذا الذي تفعلونه لا يُسقط الفرض عنكم، ولا يتقبَّله الله حتى تحجُّوا كما أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا : نحن نقبل منك ونحج معك على السنَّة؛ فلما حجُّوا قالوا : جزاك الله خيرًا؛ فإنَّا في هذه الحَجَّة ذقنا طعم العبادة لله وحلاوة الحج " [24].

والمقصود أن أئمة السلف كابن تيمية - مثلاً - قد برعوا في إظهار هذه المعاني الكبيرة، والمقاصد الكلية، والأصول الجليلة لفريضة الحج، كما أنهم حرروا وحققوا فروع الحج ومسائله التفصيلية؛ فإظهار عَظَمَة الكعبة المشرَّفة باعثُه تعظيم الله - عز وجل - وتعظيم شعائره وحرماته.

ودين الله - تعالى - قائمٌ على تعظيم الله وإجلاله.

والحج من ملَّة التوحيد؛ إذ الحج نوع من القصد؛ فهو من توحيد الإرادة والقصد ( توحيد العبادة )، وفيه الدعاء والتفرغ إلى الله - تعالى - في جميع مناسك الحج، والدعاء هو العبادة، إضافةً إلى ما يحويه الحج من تَقَصُّد مخالفة المشركين ومجانبة أصحاب الجحيم، وأيضًا فدين الله - تعالى - قائم على أصلين : أحدهما : ألا نعبد إلا الله كما سبق، والآخر : أن لا يُعبد إلا بما شرع؛ فلزوم الشرع المنزَّل هو آكد وأجلُّ أصول الدين.

والاعتصام بالسنَّة سبيل النجاة، وكفيل بمحو البدع وطَمْسِها؛ إذ إن من لم يفعل المشروع والسنَّة وقع في الممنوع والبدعة كما هو مشاهَد.

فيا له من دين لو أنَّ له رجالاً !

(( مجلة البيان العدد : 268 ذو الحجة 1430 - ديسمبر 2009 ))

:: ملف خاص (( بين يدي الحج ))


 (1) انظر البداية والنهاية لابن كثير : 13 / 352 .

(2) انظر الجامع لسيرة ابن تيمية، ونظير ذلك ما سطَّره العلامة عبد الرحمن بن حسن عن جدَّه الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - لما حجَّ بيت الله الحرام، وقف الإمام في الملتزَم، وسأل الله - تعالى - أن يُظهِر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس ينظر : المقامات لعبد الرحمن بن حسن : ص 7 .

(3) زاد المعاد لابن القيم : 1 / 51 .

(4) الصفدية : 1 / 221، 220، باختصار .

(5) انظر أصول مذهب الشيعة لناصر القفاري : 2 / 462، 466 .

(6) انظر الجواب الصحيح لابن تيمية : 3 / 328، 329 .

(7) الجواب الصحيح : 3 / 307، 306 = باختصار .

(8) جامع المسائل : 5 / 182-184 = باختصار، وانظر : اقتضاء الصراط المستقيم : 2 / 380 .

(9) مجموع الفتاوى : 7 / 279 (الإيمان الكبير) .

(10) اقتضاء الصراط المستقيم : 2 / 810 .

(11) البداية والنهاية : 8 / 280 .

(12) أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد : 1 / 250 .

(13) التدمرية لابن تيمية : ص 232 .

(14) انظر : البداية والنهاية لابن كثير : 2 / 170، وقاعدة عظيمة لابن تيمية : ص 101 .

(15) انظر البداية والنهاية لابن كثير : 2 / 170 .

(16) اقتضاء الصراط المستقيم : 2 / 660 .

(17) اقتضاء الصراط المستقيم : 2 / 637، وينظر : مجموع الفتاوى : 27 / 15 .

(18) انظر : أصول الشيعة للقفاري : 2 / 460 .

(19) اقتضاء الصراط المستقيم : 2 / 797 = بتصرف يسير، وانظر : منهاج السنَّة النبوية : 2 / 448، ومجموع الفتاوى : 26 / 144، 119 .

(20) انظر : الرد على البكري (ت السهلي) : ص 306 .

(21) قمامة : بالضم أعظم كنيسة للنصارى في بيت المقدس .

(22) مجموع الفتاوى : 27 / 14 .

(23) انظر : مجموع الفتاوى : 26 / 117، 116 - 27 / 15، 11، واقتضاء الصراط المستقيم : 2 / 809 .

(24) جامع المسائل : 1 / 211 .