وهكذا انفضت الجولة الأولى من مفاوضات القاهرة الفلسطينية الإسرائيلية غير المباشرة لبحث وقف دائم لإطلاق النار بعد 7 أسابيع على الحرب الأخيرة على غزة.

لم يرشح كثيرا عن سير المفاوضات التي استمرت يوما واحدا فقط، لكن من الواضح أنها ستكون صعبة بين الجانبين، حيث ستطالب حماس بالبدء ببناء ميناء بحري وتشغيل المطار وإطلاق سراح سجناء فلسطينيين مقابل تسليم جثامين جنود إسرائيليين، وبالتالي يقف فالطرفان على طرفي نقيض متباعدين، وهو ما يعني أن هذه الجولة الأولى لن تكون الأخيرة، لأنه ليس بالإمكان البت في هذه القضايا الكبيرة، وسنكون بانتظار جولة قادمة تم تحديدها أواخر أكتوبر الحالي.

في حين أن هناك قناعة متبادلة بين الجانبين أنه ليس مطروحاً العودة من جديد لخيار العمليات العسكرية بينهما إذا حصل أي تعثر في المفاوضات القادمة، لأن اتفاق وقف إطلاق النار نص بصورة واضحة على وقف جميع الأعمال العدائية بين غزة وإسرائيل برًا وبحرًا وجوًا، وعدم تنفيذ أي عمليات اجتياح بري لغزة، أو استهداف المدنيين، وإيقاف إطلاق الصواريخ بمختلف أنواعها والهجمات على الحدود.

 مناسبة الحديث عن إمكانية تجدد المواجهة العسكرية في غزة مع بدء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في القاهرة، أن الأوضاع في غزة لم يطرأ عليها أي تغيير إيجابي بعد انتهاء الحرب.

في ذات السياق، فإن غزة تسابق الزمن في مسألة الاتفاق على الآليات الخاصة بإعادة الإعمار، فالشتاء على الأبواب، ومراكز الإيواء التي تضم عشرات آلاف المهدمة منازلهم لا تقيهم من برد الشتاء ولا أمطاره، ولذلك فالحركة تعول كثيرا على إنجاز الملفات الخاصة بفتح المعابر ورفع الحصار، لكن عدم إنجازها دفعة واحدة بالسرعة التي نريدها لا يعني بالضرورة أن نعود من جديد إلى خيار المواجهة المسلحة مع إسرائيل، فالكلفة باهظة والثمن كبير.

هذه القناعة تبدو متفق عليها رغم تصريحات أخيرة في غزة مفادها أن حماس لا تريد حربا أخرى مع إسرائيل، لكن مزيدا من القتال سيصبح أمرا لا مفر منه إن لم يتم التوصل لاتفاق لفتح المعابر، محذرة أن الفشل في مفاوضات القاهرة ورفع الحصار قد يؤدى لحرب أخرى، رغم أنها لا تريد هذا، والإسرائيليون أيضا لا يريدون أن يروا هذه الحرب مرة أخرى.

واستمرارا لهذه القناعة فلا يعقل أن تكون حدود غزة مستباحة لأي مجموعة تطلق الصواريخ على إسرائيل، فيما هناك اتفاق عليه إجماع وطني بوقف إطلاق النار، والأجهزة الأمنية في غزة مكلفة بحفظ أمن الناس هنا، وعدم منح إسرائيل ذرائع للتنصل من المفاوضات القادمة، أو تصعيد الوضع الميداني، وإفساح المجال للقيادة السياسية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، هذا قرارنا، ولن يكون مسموحاً العبث بالأمن الداخلي لغزة تحت أي مسمى كان.

عدم رغبة حماس بتجدد المواجهة المسلحة مع إسرائيل، تزامن مع إجراءات في غزة ببدء الحركة خطوات فعلية لترميم الأضرار الناجمة عن الحرب الأخيرة، من خلال تسهيل عمل بعض المؤسسات المحلية والدولية لجمع البيانات الإحصائية عن الأضرار من جهة، وتوزيع أموال على المتضررين لتدبير شئونهم، سواء من حيث البحث عن شقق سكنية للمهدمة منازلهم بصورة كلية، والبدء بترميم المنازل ذات الأضرار الجزئية، بلغت في مجملها 32 مليون دولار، كما صرح بذلك مسئول مالي في حماس.

فيما أعلنت حماس أن السلطة الفلسطينية يمكن أن تبدأ عملية إعادة إعمار قطاع غزة من الآن، من خلال الأموال التي وصلتها بقيمة 100 مليون دولار، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر المانحين قبل أيام في القاهرة، وهو ما دفع بحكومة التوافق الوطني، أن تنفي تلقيها أموالا تمكنها من البدء بإعادة إعمار غزة، ولم يصلها سوى مبالغ إغاثية طارئة، لتلبية احتياجات السكان العاجلة، من مسكن وغذاء ودواء، خاصة للنازحين في قطاع غزة الذين يتجاوز عددهم 100 ألفاً.

لكن حماس نظمت في الأسابيع الأخيرة عدداً من المهرجانات في عدد من العواصم العربية والإسلامية احتفالا بانتصار غزة، خاصة أنقرة والجزائر والدوحة وبيروت وعمان وماليزيا، وفي هذه الفعاليات تم جمع تبرعات لصالح إغاثة المتضررين من حرب غزة، من خلال رجال الأعمال والجمعيات الخيرية والشركات والمواطنين، دون توضيح حجم الأموال المجموعة، لكن الحديث يدور عن ملايين الدولارات، وبدأ العمل بإيصالها لمستحقيها في قطاع غزة.

إسرائيل الحاضر الأكبر في مؤتمر إعمار غزة في مصر، رغم عدم دعوتها للمشاركة فيه، فقد تراجعت مؤخراً عن اشتراطها بدء إعمار القطاع بنزع سلاح الفصائل، خاصة حماس، بخلاف الموقف خلال الحرب وبعد انتهائها، واكتفت باشتراط الإعمار بالحفاظ على وقف إطلاق النار والهدوء القائم، وتنوي اشتراط نزع سلاح القطاع بخطوات مستقبلية متقدمة كاستمرار تطويره.

فيما أبدت إسرائيل تخوفها من استغلال حماس لأموال إعمار غزة لترميم أنفاقها الهجومية، وتغيير الأمر الواقع في القطاع، خاصة على المعابر، مما يفتح المجال أمام تنفيذ عمليات فيها، ولذلك تتابع أجهزتها الأمنية عن كثب الحوار الجاري بين حماس والسلطة الفلسطينية فيما يتعلق بنشر الشرطة في معابر "رفح وكرم أبو سالم وايريز".

أكثر من ذلك، فقد أعلنت إسرائيل أن كل مواد البناء والمعدات لإعمار غزة ستمر عبر معابرها فقط، وهي تركز على آليات إدخالها، ورصدها إلى حين وصولها لأهدافها، بالإضافة لمراقبة الأموال التي تدخل القطاع، ما يعني صعوبة أن يعاد بناء غزة دون مشاركة أو تعاون إسرائيل، لأن أهم شروطها لإعادة إعمار غزة تسليم الحكم للسلطة الفلسطينية بشكل كامل، وألا يكون الحكم رمزياً فقط، بل تسليم حماس لكل مقاليد الحكم.

ولذلك لم تترد إسرائيل بالتهديد أنها قد تسعى لعرقلة إعادة إعمار غزة إذا بدا لها أن حماس قد تستغل جزءاً صغيراً من المساعدات الدولية ومواد البناء، لترميم قدراتها العسكرية والأنفاق، رغم وجود أصوات خافتة فيها ترى أن الاعمار الحقيقي لغزة مسألة إنسانية من الطراز الأول، تخدم مصلحة إسرائيل، على ألا يكون ثمن ذلك تجديد إطلاق قذائف صاروخية على بلدات غلاف غزة وتل أبيب، أو بتجديد حفر أنفاق من غزة إلى "صوفا وناحل عوز".