تقدم المواجهات الأخيرة التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، لاسيما الضفة الغربية والقدس وأراضي48، دلائل إضافية على عودة الأساليب البدائية التي مارسها الفلسطينيون خلال انتفاضة الحجارة الأولى 1987، سواء عمليات الطعن أو الدهس، وبينهما إلقاء الحجارة والقنابل الحارقة، بعد أن تمكنت المنظومة الأمنية السائدة في الضفة الغربية من تجريدها من السلاح الناري، بمختلف أشكاله..

هذه العودة للأساليب القديمة للمقاومة تعطي إجابة شافية على أنها كلما حاول المحتل الإسرائيلي إتباع تكتيك جديد، وقفت المقاومة له بالمرصاد، لتقطع الطريق عليه من خلال إبداعها أساليب جديدة، ولو كانت قديمة، وهذا بدوره يفسر تزاحم الإبداعات الصغيرة، وخلق المقدمات للإبداعات الكبيرة، حيث استطاعت المقاومة التقاط هذه الإبداعات التي تفتقت عن العقل الجماعي الفلسطيني، واستناداً لذلك فإن ما يجري في الأرض المحتلة، من نزول الشعب إلى معترك الانتفاضة، وهو لا يملك في البداية سوى إرادة المواجهة.

ويوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة، تمكن الفلسطينيون من تطوير وتحديث أسلحتهم البدائية الشعبية لتمسي أكثر فعالية من السابق، ولم ينتظر الشعب المنتفض حتى يصبح لدى غالبية مقاتليه أسلحة نارية، أو تحقق التوازن الاستراتيجي مع "الجيش الذي كان لا يقهر"، فساعة الانتفاضة أزفت، وليست مرهونة بوجود السلاح الناري أو عدمه، أو التوازن المختل دائما لصالح الاحتلال، بل مرهونة بعوامل الانفجار الذاتي الفلسطيني.

ومن خلال استعراض أيام المواجهات الأخيرة، يمكن حصر أهم أسلحتها البدائية على النحو التالي:

أولا: الحجارة

لجأت الجماهير في تصديها للآلة العسكرية الإسرائيلية لاستعمال أسلحة متعددة، أهمها: الحجارة، والمقاليع، والزجاجات الحارقة بأنواعها، والإطارات المشتعلة، والعصي، وكرات الحديد، والقضبان الحديدية، والمسامير وصفائح الصاج، والعبوات الحارقة، والسكاكين والأنابيب الزجاجية، وكرات القماش المشتعلة، لكن سلاح الحجر كان الأبرز خلال الأيام الأخيرة من أسلحة يمكن استخدامها في الصدام مع قوات الاحتلال.

وطالما أن مختلف أنواع الحجارة موجودة منذ القدم، لكن استخداماتها في المواجهات الأخيرة أعطاها ملموسية أكثر في عملية التحديد، فهي كبيرة وصغيرة، حصباء الوديان المستديرة، بقايا طوب البناء، حجارة مقدسية ثقيلة، الحجارة التي تناسب المقاليع، وما تصلح للقذف من أعلى السطوح، والحجر المكور الأملس، والمخرشم، والمفرز، والصوان، كالحجارة الصغيرة المستعملة في أفران الحطب، وأغلب استعمالها في النقيفات.

هذه العوامل وغيرها دفعت بأحد قادة الجيش الإسرائيلي للقول إن "جنرالات الحجارة أدركوا بعمق حدسهم أنهم وصلوا للمرحلة الثالثة من مراحل "ماوتسي تونغ" للثورة الشعبية، وتملكوا ناصية أسس التكتيكات الخاصة بالهجوم، وتطويق جناح الجيش، والكمائن والهجوم المضلل والتراجع التكتيكي."

ثانياً: النقيفة والمقلاع

وسيلة من تكنولوجيا المواجهة الحاصلة، مكونة من مقبض على شكل حرف V أو رقم 7، يربط بها حبلان من الكاوتشوك المطاطي، بهما قطعة من الجلد، يوضع فيها الحجر، ثم يتم إطلاقه بعد شد الحبلين، وتستخدم في قذف الحجر لمسافة أكبر، ومن يجيد فن التصويب ينجح بإحداث إصابات بين صفوف الجنود، وكثيرا ما تُشاهد دماؤهم تسيل، ويصرخون من الألم.

تستخدم النقيفة في المواجهات الأخيرة ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه، ووسائط نقله المختلفة، وتكمن أهميتها في الاستخدام غير المرئي، مما يربك قوات الجيش، ورغم أن إصابتها بالعادة ليست قاتلة، لكنها تصيب بجروح قد تكون قوية، إذا كانت من مسافة قريبة، والحجر قوياً، حيث يتراوح مداها بين 70-120 مترا، وتعتمد على قوة الرامي، ونوعية المطاط المستخدم، فإذا كان من المطاط الجيد الليونة والقوي، يصل أحيانا لمدى أبعد قليلا، وكلما كانت المسافة قريبة، جاءت الإصابة أكثر فعالية وجدوى.

ثالثاً: حرب السكاكين

جزء من حرب الأسلحة الحادة المستخدمة باليد، وبشكل مباشر، ووجها لوجه، ضد جنود الاحتلال والمستوطنين، ومنها: السكين، الخنجر، البلطات بالمقابض الخشبية، وأخرى بمقابض حديدية، وأخرى قصيرة ذات مقابض حديد ملحومة، عصي معدنية مع نهايات مدببة، أدوات طعن بمسامير وبدونها، مناجل وفؤوس، نصال الرماح، وشكلت السكاكين أكثر أسلحة المقاومة الشعبية استعمالا بسبب وجودها في كل بيت، وتأثير استخدامه مهم جدا، ليس على صعيد فاعلية ما يحدث عنه من قدرة القتل فحسب، بل ما يقوم به من تأثير سيكولوجي على نفسية الإسرائيلي الذي يرى ويعرف أن جنديه قتل بسكين، فيما هو يحمل بندقية آلية متطورة.

وأثار تزايد موجات الطعن بالسكاكين ضد الجنود والمستوطنين، الاهتمام بدراسة أهم خصائص هذا النوع الجديد من المقاومة، لأن اندلاعها جاء عقب تقلص أعمال الاحتجاج الشعبية، وتراجع الظاهرة الجماهيرية، مما أدى للتفكير بالانتقال لمرحلة العمل النوعي والمتميز، وشكلت حرب السكاكين أحد وسائلها وآلياتها.

ومن أهم الآثار الناجمة عنها أن حوانيت بيع الأسلحة في إسرائيل امتلأت بالذين جاؤوا لشراء سلاح فردي للدفاع عن النفس، بعد تكرار حوادث الطعن الأخيرة، عقب حديث القادة العسكريين والأمنيين الإسرائيليين عن عدم امتلاكهم حلاً سحرياً لوقف العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون بالسكاكين، لأن إبقاء السكاكين بعيدة عن أيدي الفلسطينيين أمر صعب، فقوة الردع تضعف يوما بعد يوم، والمفارقة أن إسرائيل قادرة على إعداد صاروخ "حيتس" الحديث المضاد للصواريخ، لكنها لا تنجح في تأمين سلامة مواطنيها أمام هجمات السكاكين.

رابعاً: حوادث الدهس

استخدم المقاومون السيارات ومركبات الأجرة في دهس جنود الاحتلال ومستوطنيه، خلال قيامهم بدوريات راجلة داخل المدن والمخيمات، وأمكن رصد عدد من محاولات الدهس التي نجحت وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الجنود، وأبدت أجهزة الاحتلال الأمنية تخوفها من تزايد عدد عمليات الدهس، متوقعة أن تنتقل العمليات من الكم إلى النوع، لاسيما مع وقوف أجهزة الشاباك والشرطة وحرس الحدود عاجزة عن وقف هذه العمليات، التي أصبحت ظاهرة، كونها لا تتبع لتنظيم معين، وهي أعمال فردية، وبالتالي لا ينفع معها الأساليب الأمنية كزرع العملاء لتوقع حدوثها، ومما يزيد الأمر صعوبة على تحديد منفذي عمليات الدهس أنهم من فلسطينيي الداخل المحتل، ويحملون الهوية الإسرائيلية، ولا يمكن منعهم من تنفيذ عملياتهم.

أخيراً.. لقد زخرت المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية الأخيرة بأنواع متعددة من الأسلحة التي استخدمها مقاتلوها، وشهدت تطوراً ملحوظاً، وأتى هذا التطوير النوعي لأدوات المقاومة في مواجهة المحتل الإسرائيلي متناسباً ومتناسقاً مع الفطرة البشرية التي زرعت في الإنسان منذ بدء الخليقة، حين حرص على اختراع ما من شأنه توفير الحماية له، وسبل الدفاع عن نفسه.

ومنحت هذه الأسلحة البدائية حق المقاومة لكل أفراد الشعب الفلسطيني، فهذا يرفع متراساً، وذلك يشعل إطاراً، وثالث يصنع المولوتوف، ورابع يحفر خندقاً، وخامس يرش الأرض بالمسامير، بحيث تحولت الانتفاضة ورشة شعبية، يشارك بها الجميع.