تبدي أوساط صهيونية مقربة من دوائر صنع القرار أن البيئة الإقليمية للكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط آخذة في الضيق رويداً رويداً، في ظل ما أسمته تزايد نفوذ الدول والمنظمات المعادية لها في المساحات الشاسعة لهذه المنطقة.
 


وتستشهد هذه الأوساط، بما ذكره رئيس هيئة الأركان الصهيوني "غابي اشكنازي" أمام مجموعة من مجلس الشيوخ الأمريكيين بأن إيران تملك 300 صاروخ بالسيتياً يصل إلى مدى يتراوح بين 1300-2000 كيلومتر، وهو التقدير الذي أصاب الضيوف الأمريكان بـ"صدمة"، بعد أن ظنت الاستخبارات الأمريكية قبل ذلك ببضعة أشهر أن الإيرانيين يملكون فقط ما بين 50-100 صاروخ كهذه على الأكثر، أي ثلث ما قدروا في الكيان الصهيوني.

ومع مرور الأيام، ثبت أن المعلومات الإسرائيلية كانت هي الدقيقة، أما جهات الاستخبارات في الولايات المتحدة كنظيراتها في الغرب، فقد أصيبت مرة أخرى بسوء التقدير لنوع الصواريخ التي تنتجها الصناعة التسلحية الإيرانية، وكمياتها؛ وهو الأمر الذي تكرر في عدم تقدير الاستخبارات الأمريكية عام 2007 لسرعة تقدم المشروع النووي الإيراني تقديراً صحيحاً.

وعلى إثر هذه المعلومات التي جاءت من الكيان الصهيوني، وعندما تبين صدقها، جلست جهات استخبارية أمريكية وغربية، وحللت من جديد مقدار وسرعة إنتاج الصواريخ في إيران، وكان استنتاجها أن الإيرانيين يملكون حتى نهاية 2010م، مئات الصواريخ البالستية، وأن عدد التي تغطي كل نقطة في إسرائيل سيزداد حتى نهاية 2011م.

التخوف الإسرائيلي ينبع من أن إيران باتت اليوم أسرع تقدماً من كوريا الشمالية في مجال الصواريخ البالستية، وفي مجال قواعد إطلاق الأقمار الصناعية، مع أن الأخيرة هي التي وضعت أسس إنتاج الصواريخ في إيران، لكن المهندسين الإيرانيين انطلقوا إلى الأمام، وسبقوها، والأخطر من ذلك أن كل هذا العلم يتسرب إلى سوريا، ومنه إلى حزب الله.

- سخرية الموساد
الموساد الإسرائيلي من جهته سخر من تقديرات نظرائه في الولايات المتحدة، حيث وقعت الاستخبارات الأمريكية في شرك نصبه المهندسون الذين رأوا سرعة الإنتاج الإيراني بعيون تكنولوجية فحسب، فقد أخذوا صناعة أمريكية متوسطة، وقدروا سرعة تقدم التطوير الإيراني بحسب منطق تكنولوجي اقتصادي، دون أن يأخذوا في حسابهم عوامل بشرية ووطنية تكون أحياناً أكثر حسماً.

وعلى صعيد الملف النووي الإيراني، أظهرت تسريبات "ويكيليكس" أن الموساد لاقى مشكلة مشابهة، حين اختلف مع تقديرات خبراء لجنة الطاقة الذرية الدولية، فرجالها يحللون سرعة تطوير الذرة الإيرانية اعتماداً فقط على تقدير قدراتها التكنولوجية، أما الموساد، فقد عرف جيداً الجهود التي تبذلها لتقديم المشروع إلى الأمام، وإذا اعتمدنا على ما عرفه سنة 2000م، فان المشروع الذري الإيراني كان يجب أن يبلغ النضج عام 2005م، لكن أحداً ما اهتم بأن ينشأ عندهم تأخير خمس سنين على الأقل في تلك الأثناء.

على صعيد متصل، فإن احتمال أن تطلق إيران صاروخاً تقليدياً على إسرائيل في نطاق صراع إقليمي أعلى كثيراً من احتمال أن يستعملوا السلاح الذري ذات مرة على إسرائيل إذا أحرزوه، فإيران قادرة على أن يكون لها مع إسرائيل تبادل ضربات يستمر ما بين أسبوعين إلى ثلاثة يسقط في أثنائها وسط إسرائيل ما بين 75-150 صاروخاً إيرانياً.

مع العلم أن هذا التوقع يأتي بعد الأخذ في الحسبان نجاح منظومة "حيتس" في إبطال جزء منها، ومع حساب مستوى دقته حساباً قاسياً، وتكفي هذه الكمية من الصواريخ، بل أقل منها، لتسقط في مراكز سكنية في إسرائيل أو مواقع إستراتيجية، لإحداث أضرار شديدة، مع الأخذ في الحسبان أن كل صاروخ تقليدي كهذا يستطيع حمل نصف طن من المواد المتفجرة.

وتشير التوقعات الإسرائيلية إلى أن التطوير الإيراني في مجال الصواريخ يتقدم بلا عائق تقريباً، رغم ما وصفته بظاهرة "الهروب الجماعي" للعقول والأدمغة من إيران، فان لما تبقى من علمائها في مجال التطوير الذري وتطوير الصواريخ المقرون به فريقاً بشرياً كبيراً، ومؤهلاً جداً.

ورغم سرور إسرائيل بسماع أخبار من قبيل اختفاء عالم ذرة إيراني أو إنهاء حياته قبل أوانها، لكنها لا تسمع عن خبراء في مجال الصواريخ يتركون عملهم.

- عائلات الصواريخ
التقديرات الإسرائيلية العسكرية بالذات تشير إلى ما تسميه "عائلة الصواريخ الإيرانية العملياتية" المعروفة باسم "شهاب 3"، وتشتمل على بضع مئات من الصواريخ ذات مدى 1300 كم، رُكب عليها محرك مزدوج يمنحها مدى يقرب من 2000 كم، ويمكن مع مدى كهذا إطلاقها من إيران، ما سيُصعب على سلاح الجو مثلاً تحديد موقعها وإصابتها.

إلى جانب تلك العائلة، هناك عائلة صواريخ أخرى ما تزال غير عملياتية هي "عاشوراء"، أو "سجّيل"، وهي صواريخ ذات جزأين مدفوعة بوقود صلب لمدى يزيد على 2000 كم.

فيما تشتمل العائلة الثالثة على الصاروخ الكوري الشمالي "بي إم 25"، الذي يبلغ مداه 2500 كم، ولم يُطلق بعد.

وتلمح الأوساط العسكرية الإسرائيلية إلى قيام قاعدة صاروخية إيرانية بإطلاق منظومة "سافير" ووضعت قمراً صناعياً تجريبياً إيرانياً صغيراً في الفضاء الخارجي، وستُقدم قاعدة أخرى اسمها "سيمورج" عرضها الافتتاحي في الأسابيع القريبة.

كما أعلن وزير الدفاع أن إيران توشك أن تطلق قمرين صناعيين "فجر وراصد"، وسيكون أحدهما قمر الاستخبارات الإيرانية الأول.

تطرح تلك المحافل أسئلة ذات بعد تهويلي من قبيل: لا يصعب أن نتخيل ماذا يمكن أن تفعل مجموعة من خمسة صواريخ مطورة بأهداف إستراتيجية مهمة في إسرائيل: من قواعد الجيش إلى مراكز اتصال وسيطرة، ثم محطات توليد الطاقة، ثم تسرب مئات القذائف الصاروخية من سوريا إلى لبنان!

- سباق التسلح
وفي ظل هذه التقديرات الإسرائيلية للقوة العسكرية الإيرانية، فقد كان من المفترض أن تنتهي الخطة الخماسية الحالية للجيش الإسرائيلي في 2013، لكن قراراً إسرائيلياً صدر ببناء خطة خماسية جديدة تبدأ في 2012م، في محاولة للحاق بسير تطور التهديدات المتسارع فوق التوقعات.

على سبيل المثال، يحصل موضوع الجبهة الداخلية على تأكيد أكبر كثيراً، ما يقتضي اقتطاعات مالية باهظة من الميزانية الحالية، وحمايتها يعبر عن تفسير الزيادة في الميزانية التي طلبها جهاز الأمن للسنتين القريبتين، كما أن استكمال تزويد الإسرائيليين بالأقنعة الواقية الشخصية فقط سيكلف مليار شيكل.

وبالإمكان الزيادة على ذلك، تلك الاستثمارات الضخمة في الدفاع الفعال مثل صواريخ "حيتس 3"، التي ستصبح عملياتية كما يبدو في 2014م، والاستثمارات في الجهاز الهجومي المكون من أسلحة الجو البحر والاستخبارات والبر، وستحصل على صورة وضع لسباق تسلح ضخم الميزانيات والتكنولوجيا العليا.

مع العلم، أنه يفترض ان يصيب الـ"حيتس 3" مباشرة صاروخاً مهاجماً بسرعة خيالية خارج الغلاف الجوي، كما أن الرد الهجومي الجوي لإسرائيل مؤلف من مستويات مختلفة يُنفق على كل واحد منها مال ضخم لا للتسلح فحسب، بل لتطوير الجيل التالي أيضاً، حيث أن الدول المعادية تأخذ بعين الاعتبار أن سلاح الجو الإسرائيلي قادر على أن يسقط كل يوم أكثر من ألف طن من المواد المتفجرة على جبهة كسوريا على سبيل المثال.

وفي مجال الطائرات مع طيارين فقد أصبحوا يتحدثون عن الـ"اف 35"، كما تحدث تطورات جوهرية مشابهة أيضاً في مجالات بناء القوة البحرية والاستخبارات وفي جيش البر، ما يعني أن سباق التسلح الحاصل في إسرائيل يشبه "بئراً لا قعر لها".

كما أن الإستراتيجية الإيرانية تقوم على استنزاف إسرائيل اقتصادياً بسباق للتسلح، لأنن جواب هذه الحرب الاقتصادية والنفسية ليس كامناً فقط بالاستعدادات العسكرية وتحصين الجبهة الداخلية في إسرائيل، بل باستنزاف اقتصادي مضاد بالعقوبات الدولية على إيران.

أخيراً.. فإن سباق التسلح في الشرق الأوسط آخذ بالازدياد والزخم، والحرب الاقتصادية وحرب الدعاية تتمّان بكامل القوة، وأخذت المنظمات المعادية للكيان الصهيوني تسيطر سيطرة عميقة على مشهد المنطقة.