بالتزامن مع صفقة القرن والضغط الأمريكي اليهودي لسلب القدس من أهلها الفلسطينيين بدأت تطفوا على السطح فضائح تسريب عقارات المدينة إلى شركات وجمعيات يهودية وأبرزها صفقات عقدتها الكنيسة الأرثوذكسية مع تلك الجهات المسجلة في دول الملاذ الضريبي، كجزر الكاريبي.

مؤخراً رفضت المحكمة العليا الصهيونية استئناف تقدمت به كنيسة الروم الأرثوذكس لوقف بيع ثلاثة من مبانيها في البلدة القديمة في القدس المحتلة لجمعية "عطيرت كوهنيم" الإستيطانية، وبحسب صحيفة هأرتس العبرية فإن تلك القضية مرتبطة بفضيحة قيام الكنيسة ببيع عقارات القدس للمستوطنين اليهود، وهذا الخبر نفض الغبار عن صراعات استمرت الكنيسة بالتكتم عليها منذ عقود. فالكنيسة هذه الأيام تلقي باللآمة على البطريرك إيرينيوس الذي تمت الصفقات خلال ولايته. وتشمل تلك الصفقات بيع فندق بترا وفندق إمبريال ومبنى آخر في الحي الإسلامي.

وقد تنكر البطريرك الجديد، ثيوفيلوس الثالث، للصفقة وادعى أنها تنطوي على أعمال فساد ورشاوى وتمت المصادقة عليها دون إذن من مسؤولي الكنيسة. وقد ادعت البطريركية في البداية، أن إيرينيوس لم يحصل على موافقة مجلس المجمع الكنسي لتنفيذ الصفقة. كما ادعت البطريركية أن المسؤول المالي فيها، المدعو باباديماس، تلقى أموالًا من عطيرت كوهنيم من أجل دفع الصفقة، وكان مسؤولًا عن أعمال السرقة والفساد المتعلقة بخزانة الكنيسة. كما ادعت البطريركية أن السعر الذي دفعته عطيرت كوهنيم لقاء المباني كان أقل بكثير من قيمتها المالية. جميع إدعاءات الكنيسة رفضتها المحكمة العليا العبرية ووافقت على نقل ملكية المباني لجمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية.

هذه الفضيحة قادتنا للتعرف أكثر على تاريخ فساد الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين والأردن، فالكنيسة بحسب تعريف أليف صباغ، الباحث في شؤون الكنيسة، بأنها مجموع الطائفة المؤمنة بمعتقدات تلك الكنيسة، وهم العرب الأرثوذكس في فلسطين والأردن، أما تعبير "البطريركية"  فيشير إلى الجسم الإداري التي تناط به مسألة متابعة الشؤون الإدارية والمادية للكنيسة، وهو الجسم الذي يسيطر عليه البطاركة اليونان منذ ما يقارب 500 عام والذي من خلاله يُحكمون سيطرتهم على المناصب الدينية في الكنيسة. لذلك تدعي اليونان أن تلك العقارات "أملاك يونانية خالصة"، ولا حقّ للعرب فيها. يترافق هذا الادعاء مع توفير الغطاء من بعض الجهات السياسية للبطريرك اليوناني ثيوفيلوس الثالث والتعامل الطبيعي معه رغم دعوات لمقاطعته.

فوفقاً للموسوعة الفلسطينية يتبع 51% من مسيحي فلسطين كنيسة الروم الأرثوذكس التي تأسست في القدس المحتلة عام 52 بعد الميلاد، ورغم أن 90% من رعاياها عرب إلا أن لليونان سيطرة كاملة على الكنيسة منذ العهد البيزنطي الذي ترك أثره على الكنيسة وتقاليدها حتى يومنا هذا، رغم تأثرها بحالة التعريب التي فرضها الفتح الإسلامي للقدس.  تتكون كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس من ست مطرانيات في قيصرية وبيسان والبتراء وعكا وبيت لحم والناصرة، وهناك ستة مراكز لرئيس الأساقفة في اللد وغزة وسيناء ويافا ونابلس وسبسطية وجبل الطور.

استغلت الحكومة البريطانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى الديون المتراكمة على الكنيسة والصراعات الداخلية بين الرهبان اليونانيين لتوفر غطاء قانوني للبدء ببيع أصول الكنيسة لاسيما وقد تزامن ذلك مع انقطاع الدعم الروسي واليوناني عنها وإنخفاض زيارات المسيحيين الروس لها.

في يونيو 1921 شكل المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل، لجنة مالية للإشراف على تصفية ديون الكنيسة ومسح عقاراتها التي كانت في تلك الوقت تصل إلى 631 عقاراً. وسهلت بريطانيا عملية بيع العقارات إلى مندوبي الحركة الصهيونية الذين بدأوا منذ أواخر العهد العثماني بالنشاط في مجال شراء الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات عليها.

من العقارات التي بيعت برعاية بريطانية غربي القدس لشركة (The Zionist Palestine Land Development Company)، والتي تُعرَف بالعبرية باسم "تأهيل اليشوف/ المستعمرة"، وهي واحدة من مرتكزات الاستيطان الصهيوني التي نشطت في شراء الأراضي وتحويلها إلى مستعمرات زراعية منذ أواخر الفترة العثمانية.

يقول أليف صباغ، "لولا بيع البطريركية اليونانية للعقارات لما قامت القدس الغربية". عام 1931 شهد وفاة البطريرك داميان الأول، وتجددت المطالب لعودة الكنيسة للنفوذ العربي لكن السلطات البريطانية وقفت في وجه تلك الرغبة وفقاً للباحثة لورا روبسون، التي قالت في كتابها "الاستعمار والمسيحية في فلسطين الانتدابية" بان الكنيسة كانت تدعم البريطانيين وأيدت وعد بلفور ورفضت "تدويل القدس".

تقول الباحثة الفلسطينية، هنادي القواسمي، إنه بعد ضم الضفة الغربية للوصاية الأردنية جرت مطالبات من الأرثوذكس العرب بالإقرار بحقوقهم في قيادة الكنيسة من قبل حكومة سليمان النابلسي، وعرفت بتلك المبادرة بــ"قانون البطريركية الأرثوذكسية" لعام 1957م لكن لم يتم المصادقة عليه بسبب إقالة الحكومة، ورفضت كذلك حكومة سمير الرفاعي دعم المشروع الذي من شأنه تقليل سيطرت اليونان على الكنيسة. في العام 1958، أقرّت حكومة الرفاعي قانونًا جديدًا؛ عرف باسم"قانون بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية"، وهو القانون المعمول به حتى هذا اليوم وجاء في صالح الإكليروس اليوناني.

من أبرز الصفقات التي وقعتها الكنيسة لتسريب عقارات القدس في عام 1951 تأجير أراضي في منطقة الطالبية، غربي البلدة القديمة، بمساحة قدرها 176دونماً لمدة 99 عاماً، لــ"الصندوق القومي اليهودي، وهي مؤسسة صهيونية مسؤولة عن إدارة الدولة اليهودية.

وفي عام1952م وقعت الكنيسة صفقة ثانية شملت مساحة تصل إلى 128 دونمًا غربي القدس كذلك، تتوزع في أراضي الطالبية والقطمون والمالحة وعين كارم وغيرها. وفيما بعد عقدت صفقات أخرى لتأجير أراضٍ تعرف باسم «دير المصلبة» بالقرب من بيت صفافا، تقدر مساحتها بحوالي 360 دونمًا. وغالب أراضي هاتين الصفقتين أصبحت اليوم ملكاً كاملاً لشركات استثمارية أجنبية مسجلة في دول الملاذ الضريبي.

في هذه الأيام كشفت الصحافة العبرية عن عقد 18 صفقة تسريب  عقارات لأيدي جهات يهودية في عهد ثيوفيلوس الثالث، أغلبها تمت من خلال شركات أجنبية، بهدف إخفاء أسماء أصحابها ومن يقفون خلفها، إلا أنّه من الواضح أنها شركات مرتبطة بالجمعيات الاستيطانية، وفي أحسن الأحوال برجال أعمال صهاينة. ومنها صفقة "باب الخليل" وتضمنت الصفقة عقارين موجودين في ميدان عمر بن الخطاب، بعد الدخول إلى البلدة القديمة من جهة باب الخليل بقليل، بالإضافة إلى أرض أخرى في منطقة باب حطة تعرف بالمُعظمية. تعتبر منطقة باب الخليل مستهدفة بكثرة في مخططات التهويد، يعدّ باب الخليل الطريق الرئيس الذي يمرّ منه المستوطنون نحو صلاتهم أمام حائط البراق، ومن هناك غالبًا ما يدخلون إلى حارة اليهود.

وكذلك صفقة بيع "رحافيا" التي تضمنت 570 دونماً من الأراضي غرب القدس والتي كانت الكنيسة قد أجرتها بعقود لـ99 عاماً ثم قامت في عام 2016 ببيعها لشركة "نيوت" الصهيونية. ويقع في تلك الأراضي "متحف إسرائيل"، وأجزاء من "مركز إرث مناحيم بيجن"، وفندق ومسرح، وما يقارب 1200 شقة سكنية يعيش فيها مستوطنون.