يمكن وصف السياسة أحيانا بأنها حالة من حالات الصراع بين الدول أو بين المجموعات السياسية في الدولة الواحدة، وفي خضم هذا الصراع فإن أطراف الصراع السياسي سواء الداخلي أو الخارجي يسعون دائما للتزود بأدوات واستراتيجيات ونظريات ذلك الصراع ليستطيعوا التغلب والتقدم أو على الأقل الصمود لتحقيق أهدافهم دون حدوث هزيمة وتقهقر.

ومن استراتيجيات الصراع والتي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية ما يطلق عليه استراتيجية الردع أو نظرية الردع.

أولا /مفهوم الردع

بدأ هذا المصطلح في الظهور على أيدي الاستراتيجيين العسكريين فالجنرال الفرنسي أندريه بوفر وهو نائب القوات البريطانية الفرنسية المشتركة أثناء حرب السويس عام 1956 عرف الردع على أنه: منع دولة معادية من اتخاذ قرار باستخدام أسلحتها أو بصورة أعم: منعها من العمل أو الرد إزاء موقف معين باتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التي تشكل تهديداً كافياً حيالها ...

ويعرفه رئيس المخابرات المصرية الأسبق أمين هويدي بأنه: منع الأطراف من اللجوء إلى القوة أو فن عدم استخدام القوة بالرغم من وجودها أو هو فن تجنب القتال.

ولكن بعد ذلك اتجه الاستراتيجيون في مجال السياسة والعلاقات الدولية لاستخدامه فهناك اثنان من أبرز الكُتاب الإستراتيجيين الأمريكيين في نظرية الردع وهما بول هاث وبروس يعرفان الردع على أنه: محاولة من صانعي القرار في دولة ما لإجبار صانعي القرار في دولة أخرى على التجاوب مع مطالب ومصالح الدولة الأولى.

وفي نفس اتجاه تفسير الردع بالمعنى الاستراتيجي السياسي يمكن تعريفه بأنه هو محاولة طرف ما ثني طرف آخر عن الإتيان بفعل يرى الطرف الأول أنه ضار به أو يجده ضروريا لمنع الطرف الآخر من أن يفكر بالقيام بعمل ما أو الإتيان بتصرف أو سلوك معين يمكن أن يشكل تهديدا لمصالحه أو لأهدافه أو لموقعه أو لمكانته.

ويصل الدكتور علاء فهمي بالردع من حيث الدلالة إلى منع الخصم من الاقدام على عمل ما أو تبني سياسة معينة لا يرتضيها الطرف الرادع وذلك بإشعاره أن المخاطر التي سيتعرض لها أو التكاليف الواجب عليه دفعها ستكون أكبر من المنافع التي يمكن أن يحصل عليها من جراء اقدامه على ذلك العمل أو تلك السياسة.

بينما يركز الدكتور الجزائري في العلاقات الدولية جيدور الحاج بشير على أن فكرة الردع هي علاقة بأبسط مظاهرها بين طرفين: الفارض والمفروض عليه. فالفارض يسعى لردع المفروض عليه عن التصرف بطريقة غير مقبولة من خلال التهديد.

أما الباحث العراقي مازن الرمضانى فحاول الجمع بين السياسي والعسكري في تعريفه للردع فذكر أنه استراتيجية سياسية ذات أدوات عسكرية تُبنى على ربط السياسة الخارجية بالتخطيط العسكري.

وركزت الباحثة سوسن العساف على الشق النفسي في الردع وهو الشق المعني فعلا بالردع فتذكر أنه: حوار إرادات متصارعة بين خصمين يرمى أحدهما أو كلاهما إلى منع الآخر من القيام بعمل لا يرتضيه.

بالفعل يتعلق الردع بدرجة كبيرة بالطبيعة البشرية وعلم النفس والمشاعر الإنسانية الأساسية: الخوف والشجاعة والثقة والتعطش للسلطة والانتقام ولذلك يعده البعض بأنه مفهومًا غايةً في التعقيد والتقلب والغموض لكنه أيضًا مفهوم قابل للاشتعال من الردع بالرفض إلى رفض الردع والعكس.

ولكن من أفضل وأشمل التعريفات التي سيقت لتوضيح الردع هو ما ذكرته الباحثة ناهد أمين في أن الردع مفهوم سياسي يبحث في الطرق الكفيلة لمنع الخصم من محاولة البدء بهجوم عليك خشية الرد عليه بما يؤذيه ويطبق على كافة المستويات ان كان في العلاقات السياسية بين الاشخاص او بين الاحزاب أو بين الدول والشعوب.

فهنا مفهوم الردع تعدى الدول ليدخل استخدامه للجماعات والأحزاب السياسية.

ثانيا/ أنواع الردع:

يتخذ الردع عدة مظاهر وصور عند تطبيقه على ارض الواقع أهمها:

الردع بالعقاب: ويقصد به تهديد الخصم بقوة الطرف الآخر وانزالها عليه إن لم يرتدع ويتوافق مع هذا الطرف ويستند أسلوب الردع بالعقاب إلى مفهوم الأضرار غير القابلة للتنفيذ بما في ذلك الانتقام النووي الشامل من أي هجوم تقليدي أو نووي ...هذا في حالة لو تحدثنا عن الردع العسكري

الردع بالحرمان: وهو تهديد الخصم بحرمانه من مزايا ومصالح كان الطرف آخر يعطيها ويمنحها له أو يؤثر على أطراف أخرى لمنعها من تقديم هذه المصالح للخصم. 

الردع بالاطمئنان: وهو إيصال رسائل طمأنة للخصم بأنك لا تريد من حشد قوتك مثلا إلا أغراض دفاعية.

الردع بالإغراء: وهو تقديم مزايا جديدة أو مصالح مادية أو معنوية للخصم إذا تخلى عن الاضرار بمصالح الطرف الآخر.

ثالثا/ أدوات الردع

تتعدد الأدوات التي يمكن بها تحقيق الردع أي زجر الخصم عما ينتوي القيام به وأهمها:

1-معرفة الخصم معرفة جيدة وتجميع المعلومات الدقيقة الخاصة به بما فيها مصادر قوته

وضعفه.

2-العمل على حشد وتحسين القدرات والامكانيات ومعالجة نقاط الضعف والخلل والتركيز على نقاط القوة وزيادتها ...ولا نعني القوة العسكرية أو المادية فقط بل ما نطلق عليه القوة الكامنة وهي القوة البشرية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية بل والقوة المجتمعية وهي ترابط فئات المجتمع من الداخل بأعراقه ومذاهبه المختلفة.

3- تفعيل لوبي اعلامي قوي ينشر المعلومات وكأنها مسربة عن قدراتك المختلفة لضمان تصور الخصوم باننا متفوقون عليهم.

4- المصداقية: بقدر ما تمثله رسالة الردع من صدق في التوجهات بقدر ما يرتدع الطرف الآخر وينزجر وإلا سيفقد الردع معناه وأهدافه...والمصداقية تتأتى من العزم والتصميم اللذان يظهرهما الطرف الرادع.

وبذلك يتضح أن الردع يتكون من جزئين: أحدهما مادي وهو يشمل كل أنواع القوة وأدواتها ما يكفي لانزال العقاب بالخصم والآخر معنوي أو نفسي يهدف إلى التأثير النفسي على الخصم من خلال إقناعه بجدوى الرضوخ للرادع وعدم الرضوخ يعني ارتفاع ثمن العند والتشبث بالمواقف بشكل لا يستطيع تحمله.

ولكن الردع في بعض الأحيان يفشل ولا يصل لغايته ويحصر الدكتور علاء فهمي بعض أسباب لذلك الفشل في حالتين: إما نتيجة الموقف الردعي الذي تقع بعض مسئوليته على الطرف الرادع عندما لا يكون موفقا في إيصال التهديد إلى كامل غاياته أو يكون مبعثه عدم تعقل الطرف المردوع عن قصد وفي الحالة الأولى فالعذر إلى جانب المردوع لتخلف أسباب ادراكه أما الحالة الثانية فإنه أشد خطورة فقد لا يظهر المردوع بأنه لا ينوي الارتداع ليس عن قصد فقط بل ربما يكون موقفه نتيجة منطقية لعملية صنع القرار إذ قد ينظر صناع القرار إلى خصومهم نظرة غير صائبة ناتجة عن قناعات شخصية تمسخ ادراكاتهم وتفهمهم لحقيقة قدرات خصومهم ونواياهم وقد تكون الثقة العالية بالنفس سببا في رفض حقائق ذات أهمية كبيرة وخطيرة باعتبارها هامشية أو غير مباشرة ...وبالتالي فإن الردع يعتبر استراتيجية فعالة يتوقف نجاحها بدرجة كبيرة على قدرة الرادع وفي نفس الوقت مدى واقعية الطرف المردوع.