انفجار نووي غامض، وقع قبل أيام قليلة، في موقع اختبار صواريخ في روسيا، تسبب في مقتل 5 علماء روس وزيادة نسبة الإشعاع في المنطقة المحيطة، التجربة الروسية الفاشلة كانت نتيجة لاختبار صاروخ جديد قد تباهى به الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ذات يوم في خطاب ألقاه عام 2018م، قائلاً بأنه سيجعل دفاعات الناتو عديمة الفائدة، هذه التجربة الفاشلة أعادت إلى الأذهان تجارب الأسلحة المختلفة التي إختبرتها روسيا طيلة الأعوام الماضية في الميدان السوري، حتى جعلت من الأرض السورية مختبرًا لأسلحتها الحديثة والفتاكة. فعندما وصول بشار الأسد إلى حافة الهاوية، وعجزت إيران وميليشياتها عن حمايته، تدخل الدب الروسي محاولًا منع سقوط الأسد، ومن ثم إعادة إنتاجه، وقد نجحت روسيا في مسعاها إلى حدٍ كبير، من خلال استخدام كافة طرق الضغط العسكري والنفسي والاستخباراتي، خاصةً سياسة الأرض المحروقة عبر طائراتها الحديثة وذخائرها المتطورة، التي كانت موسكو تختبر قوتها التدميرية بشكل عملي على المباني والمدنيين السوريين.

لقد عمدت روسيا طيلة الأعوام الماضية على ترسيخ حضورها العسكري في سوريا، وقد باتت لها الآن عدد من القواعد العسكرية في مختلف أنحاء سوريا، إلى جانب تمتّعها بالنفاذ إلى المطارات وإمكانية استخدام قواعد الجيش السوري كمنصات لشنّ هجماتها، واستغل الروس أن الحرب في سوريا تتم بعيدًا عن أي رقابة دولية لجرائم الحرب التي تتكرر بشكل يومي فيها، فقاموا بتجربة الكثير من الأسلحة والذخائر الحديثة التي تم استخدامها لأول مرة، فشكلت المدن والقرى التي تسيطر عليها فصائل المعارضة حقل تجارب للكثير من هذه الأسلحة والذخائر، وقد عبّر عن ذلك، أحد كبار الشخصيات العسكرية الروسية، في تصريح له، حيث اعترف بتجريب أكثر من 64 سلاحًا جديدًا في طَور التجربة في الحرب السورية، أشهر هذه التجارب العسكرية، كانت استخدام طائرات "سوخوي 35" القاذفة، التي استُخدمت بشكل واسع في أرض المعركة، وألقت أبشع قذائفها على المدنيين في الأماكن المزدحمة، وهو ما أحدث العديد من المجازر التي وصل عددها، بعد توقيع اتفاق خفض التصعيد، إلى 35 مجزرة، راح ضحيتها حوالي 6500 سوري أعزل!

في ذات السياق؛ لم يدخر الإعلام الروسي جهدًا للاستفادة القصوى من التواجد العسكري في الميدان السوري، منذ التدخل في سبتمبر عام 2015 وحتى الآن، حيث استغلوا كل فرصة للتسويق لروسيا باعتبارها بطلًا خرافيًا، وتكريس مفهوم الانتصار الساحق على الأعداء، كما تسعى روسيا أيضا إلى تحسين الخبرة القتالية لجنودها، ورفع كفاءتهم في المعارك الفعلية، وقد أشار الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" خلال مقابلة تلفزيونية عُرضت في 7 يونيو 2018م، إلى أن الحرب في سوريا هي أفضل تدريب للجنود الروس، مضيفًا أن "استخدام قواتنا المسلحة في ظروف قتالية هو تجربة فريدة وأداة مميزة لتحسينها"، بعض التقارير الاستخباراتية أشارت إلى أن أكثر من 20 ألف عنصر تابع للقوات البحرية والبرية والجوية الروسية، إلى جانب عناصر من الشرطة لا يزالون في سوريا، وهو رقم يتخطى بكثير أحدث رقم أعلنت عنه وزارة الدفاع الروسية عند 6 آلاف في 2017م.

وفي ظل الصمت الدولي؛ لم يتورع الروس في استخدام ذخائر فتاكة تندرج ضمن الأسلحة غير التقليدية والمحرمة دوليًا، وقد جرى الحديث عن أن الروس قد قاموا بتجريب قنبلة فيزيائية ذات قوة تدميرية واسعة، تم تحميلها على أحد الصواريخ الموجهة من الطائرات، ويدخل في تركيبها مادة السيليكون أحادي الذرة، وهي مادة نووية محرمة دوليًا، ومواد أخرى كأكسيد الزيبق، الذي يمكن أن تؤثر في حال استخدامها بالحد الأدنى من الطاقة على 500 متر مربع، وقد يصل تأثيرها إلى 9 كيلومتر مربع، وهذه القنبلة ينتج عنه أضرار كبيرة تشبه أضرار القنبلة النووية، باستثناء بعض العوامل التي ترافق القنبلة النووية، مثل الإشعاع وموجة الصدمة والتلوث الإشعاعي للأرض. كما استخدموا أجهزة التشويش الكهروـ بصري التي أدخلوها إلى سوريا مع المنظومة "شتورا ـ1"، والتي تستخدم في التشويش على الصواريخ المضادة للدروع وحرف مسارها، خاصةً الصاروخ الأمريكي "TOW 2" الذي يتصدر المشهد الآن كأكبر قاتل للدبابات والعربات المدرعة الأخرى في ساحة الصراع السوري، هذا إلى جانب صواريخ متقدمة على غرار الصاروخ "كاليبر"، وهو من الصواريخ الأدقّ في العالم والقادر على ضرب هدف يبعد 2500 كيلومتر وبدقة 30 مترًا، وكذلك صواريخ "إكس-101"، و ونظام "بانتسير" الجوي، وطائرة "ميكويان ميج-29 كيه" التي تعمل من على متن سفينة، إلى جانب بعض أنواع الطائرات الاستراتيجية بدون طيار.

 

لم يفوت الروس فرصة إرسال مجموعات من المرتزقة الروس، بما فيها "مجموعة واغنر"، وهي مجموعة سرية غالبًا ما يلجأ إليها الكرملين لتنفيذ أهداف لا يريد المسؤولون ربطها بالحكومة الروسية، وكان الهدف من إرسالهم إلى داخل سوريا، هو تجربة بعض السيناريوهات المحتملة لإدارة الأزمة، إذا تعلق الأمر بإدارة أمن روسيا القومي والقيام بعمليات قذرة وخارج نطاق القانون على الأراضي الروسية. علاوةً على ذلك، ألهمت سوريا مصنعي الأسلحة الروس على استحداث أنواع جديدة خلال الحرب تناسب طبيعة الأرض السورية، وهو ما أقر به رئيس اللجنة العلمية العسكرية "إيغور ماكوشييف"، عندما أفصح عن تغيير تصاميم إنتاج أكثر من 200 نوع من الأسلحة الجديدة بعد اختبارها في الصراع السوري. وفي ظل هذا التسويق والاستعراض لأسلحة الجيش الروسي على المسرح السوري، بدأت موسكو في جني ثمار هذا التسويق، من خلال إقدام بعض دول المنطقة على شراء الأسلحة الروسية، خاصةً منظومات الدفاع الصاروخية، ولم تتوقف الاستفادة الروسية عند هذا الحد، بل أنشئت قاعدة "حميميم" الجوية من خلال اتفاق رسمي مع حكومة الأسد في أغسطس 2015م، والتي تمّ تحويلها إلى مركز عسكري دائم أواخر عام 2017م، وهى تشمل مركزًا ضخمًا لجمع المعلومات الاستخباراتية، كما سيطرت البحرية الروسية على ميناء طرطوس البحري، والذي تستغله لتزويد سفنها العسكرية في البحر الأبيض المتوسط بالإمدادات، مع إدارة عمليات التواصل والتجسس ومراقبة المنطقة الواقعة شرق المتوسط، هذا بخلاف السيطرة الروسية على الكثير من القواعد البرية والجوية، سواء المبنية أو التي لا تزال قيد التشييد.

رغم أن روسيا قد أعلنت بأن تدخلها في سوريا كان بدعوة من نظام الأسد، والهدف الرئيسي من التدخل هو القضاء على تنظيم داعش، إلا أنها وجّهت الجزء الأكبر من ضرباتها العسكرية إلى فصائل المعارضة السورية، خاصةً الجيش السوري الحر، وذلك في خضم حمايتها لنظام الأسد من السقوط. وفي ظل عالم تتحكم فيه شريعة الغاب، فإن الروس سيظلوا يستخدمون أسلحتهم المحرمة دوليًا، دون ضوابط قانونية أو أخلاقية تكبح جماحهم، فيما أمسى الشعب السوري المكلوم ضحية لتآمر العالم عليه، وعلى رأسهم الروس.