مع تصدر التحدي الإيراني للولايات المتحدة وسائل الإعلام بسبب الإصرار على المضي قدما في برنامجها النووي. ثارت تساؤلات عديدة حول ماهية المشروع السياسي لإيران وما أهدافه العلنية والسرية؟

ووجد المحللون السياسيون أنفسهم في تيه كبير في تحديد أهداف إيران في العالم، وأثيرت تساؤلات ما هي أهداف المشروع الإيراني في المنطقة: أهو مشروع فارسي، أي إمبراطورية عالمية تتمتع بخصائص الإمبراطوريات الكونية أو العالمية؟ أم هو مشروع صفوي يحمل في طياته دورا إقليميا فقط؟

مفاهيم الإمبراطورية

تعرف الإمبراطورية بوصفها كيانًا ضخما ومتعدد العرقيات يتبع سلطة مركزية ويتم الحفاظ على تماسكه من خلال استخدام القوة.

وكلمة الإمبراطورية أو Empire هي في الأصل مشتقة من اللفظ اللاتيني Imperium) وهو المفهوم الذي تم صكه من قبل واحدة من أقدم الإمبراطوريات تاريخيا ونعني بها الإمبراطورية الرومانية.

وإذا اعتبرنا مفهوم الإمبراطورية مرادفاً لمفهوم الهيمنة كما صاغه جوزيف ناي وروبرت كوهين، وهما من أقطاب المدرسة الواقعية في دراسات السياسة الأمريكية اليوم. نرى أنه يوصف بكونه: وجود قوة دولية مسيطرة تكون لها الغلبة في المصادر المادية وتتوافر لديها القوة والإدارة اللازمة لصياغة قواعد للتفاعل فيما بين الدول في النظام الدولي.

ويشير بروفيسور هيرفريد مونكلر في مقدمة كتابه إمبراطوريات: إلى أن الانطباع العام عن الإمبراطوريات هو أنها تقوم على ابتلاع المناطق الواقعة على حدودها واستغلال ثرواتها لتزداد فقرا بينما يزداد المركز ثراء، كما أنها تقوم على تركيز صناعة القرار في نطاق نخبة محدودة العدد في المركز وأن يكون له مثال نموذجي تاريخي يتبعه.

كما تزعم الإمبراطورية دائما أنها تحمل رسالة تبشيرية لاصطناع الدافع الذاتي. وهي تطرح فرضية همجية الآخر لإخضاعه للبنية الهيكلية الإمبراطورية، كما لديها القدرة الذاتية على تحديد البرنامج التطبيقي للسيطرة.

أما الباحثة ياسمين سامي ضيف الله فقد عددت خصائص الإمبراطوريات بالتالي: التوسع من خلال الغزو والاحتلال ووجود مركز إمبراطوري يقوم بالتحكم في جميع المناطق التابعة للإمبراطورية، واتسام هذا المركز بخصائص جغرافية واقتصادية وعسكرية تؤهله بالاضطلاع بهذا الدور.

من العرض السابق يتبين لنا أن مفهوم الإمبراطورية يقوم على أربعة أسس رئيسة هي:

1.    التوسع ومد مناطق النفوذ سواء كان ذلك بالغزو المباشر أو بالهيمنة غير المباشرة.

2.    تركيز صناعة القرار في نطاق نخبة محدودة العدد.

3.    تحمل رسالة تبشيرية.

4.    يكون لها مثال نموذجي تاريخي يتبعه.

وإذا طبقنا هذه النقاط السابقة على إيران يتبين لنا الآتي:

أولا: أن إيران ومنذ زمن بعيد حاولت مد نفوذها إلى مناطق عديدة بالقوة المسلحة مثل استيلاءها على جزر الإمارات طنب الكبرى و طنب الصغرى و أبو موسى، كما استولت على منطقة الأحواز العربية، وضمتها قسرا إلى إمبراطوريتها -ولا زالت حركات التحرير في الأحواز تطالب بالاستقلال عن إيران-، وفي اليمن عن طريق الحوثييين. وهذا مثال صغير أما محاولة مد نفوذها فتشهد المنطقة العربية منذ أوائل القرن العشرين محاولات استيطان شيعية في مناطق الخليج والعراق ولبنان، وعن طريق هذه الهجرات نجحت في تغيير نسب التركيبة السكانية لكثير من الدول تلك. بحيث أصبحت هذه الفئات الشيعية بمثابة قنبلة موقوتة تحت التصرف الإيراني عندما تجيء اللحظة المناسبة. كما تسعى هذه المجموعات إن أمكنها السيطرة على الحكم في هذه الدول بالطرق السياسية أو العسكرية إن لزم الأمر. أما في سوريا فيبدو التغلغل الشيعي من خلال التحالف مع رأس الحكم الباطني في دمشق. وفي هذا الصدد كشف رئيس جمعية حقوق الإنسان السورية هيثم المالح في تصريحات لـصحيفة الرأي العام الكويتية عن نشاط العديد من الشيعة الإيرانيين على الساحة السورية بدءا من مركز السيدة زينب إلى منطقة الجزيرة السورية مروراً بوسط سورية بخاصة حول حماه. وقال المالح: في وقت تتم في هذه المناطق فتح الحوزات وإجراء الاجتماعات وممارسة وسائل عديدة في اتجاه صرف أهل السنة والجماعة عن مذهبهم إلى التشيع على الطريقة الإيرانية، تنشط الأجهزة الأمنية بلا كلل لتعقب كل من تسول له نفسه أن يستقبل بعض أصدقائه أو معارفه سواء كانوا رجالاً أم نساءً لتدارس القرآن الكريم أو السنة النبوية. ويجري بصورة دورية استدعاء أئمة وخطباء لممارسة سادية القمع عليهم لإخافتهم، ومن ثم تتم اعتقالات واسعة في هذا الطيف تحت ذريعة السلفية أو الوهابية وما سوى ذلك. ويجري منع الصلاة في بعض قطاعات الجيش ومراكز الأمن خلافاً للدستور والقانون.

وفي فلسطين يروي المهندس معتصم زكي وهو عضو سابق في حزب التحرير عن التشيع في فلسطين: خلال السنوات الثلاث الأخيرة يوجد نشاط حثيث للتشيع في عدد من مدن غزة وبشكل أقل في مدن بالضفة هناك العشرات من الشيعة في قلقيلية والعديد منهم في نابلس وطولكرم وغيرها وهذا تغلغل رهيب حتى الآن.

وفي المغرب العربي وفي مصر والسودان وأفريقيا وجنوب آسيا أمثلة لا تعد وتدل على مدى النفوذ الإيراني وتمدده الإمبراطوري.

ثانيا: منذ أن قامت الثورة الإيرانية تركز القرار السياسي في نخبة قليلة العدد لا يتخطاها القرار وظل هذا الجيل متمسكا بالمطبخ السياسي الإيراني وبعيدا عن لعبة الإصلاحيين والمحافظين فإن القرار منذ مجيء ثورة الخميني ينحصر في طبقة الآيات وهم رجال الدين الشيعة الذين يؤمنون بولاية الفقيه وينبذون كل رأي يخالف رأيهم.

ثالثا: الرسالة الشيعية تبدو جليا محاولات نشر مذهبهم في جميع الأوساط و بشتى السبل وفي الوثيقة الشهيرة المنشورة أوضحت الغاية العظمى لهذه الدولة الشيعية فقد أرسل مجلس شورى الثورة الثقافية الإيرانية رسالة إلى المحافظين في الولايات الإيرانية وكتب عليها: (سري للغاية) كان مما جاء فيها: الآن بفضل الله وتضحية أمة الإمام الباسلة قامت دولة الإثني عشرية في إيران بعد عقود عديدة ولذلك فنحن ـ وبناء على إرشادات الزعماء الشيعة المبجلين ـ نحمل واجباً خطيراً وثقيلاً وهو تصدير الثورة وعلينا أن نعترف أن حكومتنا فضلاً عن مهمتها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب فهي حكومة مذهبية ويجب أن نجعل تصدير الثورة على رأس الأولويات. لكن نظراً للوضع العالمي الحالي والقوانين الدولية ـ كما اصطُلح على تسميتها ـ لا يمكن تصدير الثورة بل ربما اقترن ذلك بأخطار جسيمة مدمرة.

ولهذا فإننا من خلال ثلاث جلسات وبآراء شبه إجماعيه من المشاركين وأعضاء اللجان وضعنا خطة خمسينية تشمل خمس مراحل ومدة كل مرحلة عشر سنوات لنقوم بتصدير الثورة الإسلامية إلى جميع الدول ونوحد الإسلام أولاً، لأن الخطر الذي يواجهنا من الحكام الوهابيين وذوي الأصول السنية أكبر بكثير من الخطر الذي يواجهنا من الشرق والغرب لأن هؤلاء (أهل السنة والوهابيين) يناهضون حركتنا وهم الأعداء الأصليون لولاية الفقيه والأئمة المعصومين، حتى إنهم يعدُّون اعتماد المذهب الشيعي مذهباً رسمياً ودستوراً للبلاد أمراً مخالفاً للشرع والعرف. وإن سيطرتنا على هذه الدول تعني السيطرة على نصف العالم ولإجراء هذه الخطة الخمسينية يجب علينا بادئ ذي بدء أن نحسن علاقاتنا مع دول الجوار ويجب أن يكون هناك احترام متبادل وعلاقة وثيقة وصداقة بيننا وبينهم حتى إننا سوف نحسِّن علاقتنا مع العراق بعد الحرب وذلك أن إسقاط ألف صديق أهون من إسقاط عدو واحد. إن الهدف هو فقط تصدير الثورة وعندئذ نستطيع رفع لواء هذا الدين الإلهي وأن نُظهر قيامنا في جميع الدول وسنتقدم إلى عالم الكفر بقوة أكبر ونزين العالم بنور الإسلام والتشيع حتى ظهور المهدي الموعود.

رابعا: منذ قيام ثورة الآيات في عام 1979 ظن الناس الطيبون أن الرؤية الفارسية التي كانت واضحة في الخطاب السياسي الإيراني والمسلك الاستراتيجي لشاه إيران ستتغير وتتطبع بطابع الإسلام وهو الشعار الذي كان يرفعه آيات قم ولكن ظلت الفارسية هي أحلام هذه الثورة.

وجدير ذكره أن الإمبراطورية الفارسية التي تعرف بدولة الفرس أو الدولة الكسورية من أعظم وأكبر الدول التي سادت المنطقة قبل البعثة النبوية حتى إنها فاقت الإمبراطورية البيزنطية في الشهرة والقوة ولقد مرت هذه الدولة بعدة أطوار قبل سقوطها على أيدي المسلمين.

 ففي بداية القرن السابع قبل الميلاد حيث كانت القبائل الفارسية المستقرة في منطقة فارس مشكلة على هيئة دولة صغيرة تحت حكم الملك اخيمينيس. ثم كبرت هذه الدولة في منتصف القرن السادس قبل الميلاد على يد الملك كسرى الثاني الذي كان من أعظم الملوك وهو الذي أسس الإمبراطورية الفارسية التي شهدت أكبر توسع لها في عهد خلفه داريوس وعندئذ راحت الإمبراطورية الفارسية تمتد من حدود ليبيا إلى حدود الهند والسند ومن حدود تركيا إلى جنوب مصر والسودان. وهكذا تشكلت إمبراطورية تضم للمرة الأولى في التاريخ كل منطقة الشرق الأدنى والشرق الأوسط وأصبحت واقعة تحت حكم رجل واحد هو: ملك الفرس أو الشاهنشاه: أي ملك الملوك. وكان هذا الملك مبجلاً من قبل رعيته وكأنه يشبه الآلهة القديمة.

وقامت ثورة إيران وتأثرت تأثرا كبيرا بالإمبراطورية الفارسية حتى أنها أصرت على تسمية الخليج العربي بالخليج الفارسي فإذا كانت ضد القومية كما تدعي فلماذا لا تطلق عليه الخليج الإسلامي مثلا.

وبهذا يتبين لنا أن إيران تسلك مسلكاً إمبراطورياً تجتمع فيه كل خصائص الامبراطوريات كما قررها المتخصصون في علم السياسة والاجتماع.