قانونٌ أثارَ الكثيرَ من الجدلِ، يُغضبُ بقاؤه النصارى والهندوسَ والقاديانيةَ ويطالبون بإلغائه، وعلى العكس من ذلك يتمسك به الإسلاميونَ كسوطٍ معلقٍ في صحن بيتٍ يؤمُّه الكثيرون، ويريدُ ربُّ البيتِ أن يُذكِّرهم ببأسه بسوطٍ معلقٍ كلما وقعت أعينُهم عليه.

إنه قانون يقضي بالعقوبة التي قد تصل إلى الإعدام لكل من تطاول على الله عز وجل، أو سب النبيَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم، أو أهان المصحف الشريف وثوابتَ دينِ الإسلامِ، وكان هذا القانون قد سُنَّ في الثمانينات من القرن المنصرم في عهد الرئيس الراحل ضياء الحق.

ويحظى القانون بمكانةٍ رفيعةٍ بين المسلمين الباكستانيين بصفةٍ عامةٍ، ويعكس نلك المكانةَ الرفيعةَ أن أي مسئولٍ في الحكومة يلمِّح إلى إلغاء قانون التجديف يصنع من نفسه بذلك هدفًا لمن يرغبون في (الاستشهاد)، إذ لا محالة سينبري أحدُهم لقتله.

مقتل حاكم إقليم البنجاب

لقد أصبح " مالك ممتاز قادري " بطلاً قوميًا بعد أن قام بقتل حاكم إقليم البنجاب "سلمان تيسير" بعد أن دعا الأخير صراحةً إلى إلغاء أو تعديل قانون التجديف، والعفوِ عن امرأةٍ مسيحيةٍ تدعى "آسية بيبي" حُكم عليها بالإعدامِ بعد سبها لشخص الرسول الكريم محمد –صلى الله عليه وسلم- وإحدى زوجاته الطاهرات.

وشكلت الضغوط الدولية وانتقادات جمعيات حقوق الإنسان؛ عواملَ أساسيةً دفعت المسؤولين في الحكومة الباكستانية إلى الإدلاء بتصريحات ، عن عزم إسلام أباد مراجعة القانون، وقال وزير شؤون الأقليات بالحكومة الاتحادية، شاهباز باتي، أن الحكومة سوف تقوم بتشكيل لجنة من العلماء لمراجعة القانون، على أن تضع هذه اللجنة مجموعة من الاقتراحات والإجراءات.

وكانت إحدى المحاكم الباكستانية قد أصدرت، حكماً بإعدام "آسية بيبي" ، بعد إدانتها بـ"الإساءة" إلى النبي محمد، و"التشكيك في القرآن"، بينما كانت تعمل مع عدد من النساء المسلمات في حقل بإحدى القرى القريبة من مدينة "لاهور" بولاية "البنجاب"، وسط باكستان.

وبحسب وثائق الدعوى التي قدمتها الشرطة، فقد قالت المرأة، البالغة من العمر 45 عاماً، لزميلاتها المسلمات بأن "القرآن مزور"، كما أدلت بتعليقات "مسيئة" بحق إحدى زوجات النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- ، بالإضافة إلى تعليقات أخرى تتعلق بمرض النبي في أيامه الأخيرة قبل وفاته.

وسارع هؤلاء النسوة إلى رفع شكوى أمام السلطات ضد بيبي لأنها تلفظت بعبارات مسيئة للقرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما انتهى باعتقالها وإصدار المحكمة بحقها حكماً بالإعدام في 8 نوفمبر 2010.

ومنذ ذلك الحين انبرى حاكم الإقليم "سلمان تيسير" للدفاع عن المتهمة من خلال الإدلاء بتصريحات وانتقادات لاذعة ضد قانون التجديف، وبالدعوة صراحة إلى إلغاء العمل به في باكستان لما ينطوي عليه من تمييز واضح ومخل ضد الأقليات، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حيث طالب الرئيس بالعفو عن "آسية" ومنع تنفيذ حكم الإعدام في حقها.

وبالطبع واجهت دعوته تلك مقاومةً شديدةً من قِبَلِ أطرافٍ كثيرةٍ، حيث خرج طلبة المدارس الدينية إلى الشارع منددين بتصريحات حاكم البنجاب، مؤكدين على ضرورة بقاء قانون التجديف، كما أحرقوا دُمىً تشبه حاكم الإقليم الذي كان مادة للحديث من مثقفين إسلاميين وإعلاميين في برامج تلفزيونيةٍ محليةٍ وعالميةٍ.

وفي 31 ديسمبر الماضي احتجت مجموعة من الأحزاب الدينية على مطالب إلغاء القانون المثير للجدل، وبدا أن حكم الإعدام قد صدر بالفعل ضد "سلمان تيسير" عندما تعالت الأصوات المطالبة بإعدامه، وفي الوقت الذي سارعت فيه الحكومة والسلطات الرسمية إلى إعلان عدم نيتها تغيير قانون التجديف خوفاً من المتشددين ودرءاً للضغوط الكبيرة التي واجهتها أصر "تيسير" على المضي قدماً في التعبير عن رأيه فلجأ إلى موقع "تويتر" وكتب رسالة قال فيها "لقد تعرضت لضغوط هائلة للخضوع لليمينيين بشأن قانون التجديف، ولكنني رفضت وسأبقى رافضاً له حتى لو كنت الرجلَ الوحيدَ ضدّه".

وبعد ذلك بفترة قصيرة وتحديداً في الثالث من يناير 2011 أقدم أحد حراس الحاكم الشخصيين ويدعى "ممتاز قادري"، على إطلاق الرصاص عليه من رشاشه الآلي، وحسب وزير الداخلية، "عبد الرحمن مالك"، فقد اعترف قادري أمام الشرطة بأن السبب وراء فَعلته تلك هو معارضة "تيسير" لقانون التجديف ووصفه القانون بأنه "نقطة سوداء في تاريخ البلاد".

أما المنظمات الحقوقية فراحت تُحصي الأفرادَ الذين قُتلوا أو سُجنوا وفقًا للقانون فقالوا أن ما لا يقل عن مئة شخصٍ من القاديانية نُفّذَ فيهم حكمُ الإعدام منذ عام 1986 بسبب وقوعهم تحت طائلة قانونُ التجديفِ،  فضلاً عن مقتل عشرين مسيحيّاً في الفترة نفسها ولنفس الأسباب تقريبًا.

التحفظاتُ على القانون

تنقسم المعارضات الثائرة ضد قانون التجديفِ إلى قسمين: الأولى معارضة تامة لا تريد القانون من الأساس، وقد كشف بعضُ الإسلاميين الباكستانيين أن المعارضات المسيحية والهندوسية تطفوا على السطح بين الحين والحين لتطالب بإلغاء القانون لإطلاق العنان لمن يريد النيل من النبي والقرآن الكريم.

وأعرب زعماء الجماعة الإسلامية عن دهشتهم من اللغط المثار ضد قانونٍ يجرم سب النبي أو القرآن الكريم، إلا إذا كان هؤلاء المتربصين يضمرون شيئًا يريدون لأجله إلغاء القانون, ويبيتون النوايا بإطلاقِ ألسنتهم بسبِّ الرسول الكريم بدعوى حريةِ الفكرِ، إذْ ما الذي يُضيرهم من وجود تشريعٍ كهذا، ما داموا مواطنين صالحين يريدون العيش في سلام مع شركاء الوطن؟؟.

أما النوع الثاني من المعارضين فهو من بعض المسلمين الذين يرون أن التعاملَ الفظَّ والبعيدَ عن هدي الإسلامِ يتسببُ في كثيرٍ من الأحيان في إيجادِ حالة من الغيظِ والتوترِ؛ وإذا صحت الرواية الرسمية لتلك المرأة التي تدعى "آسية بيبي" من رفض زميلاتها الشرب من ماء لمسته بيدها، فإن الأمر لا شك يحتاجُ إلى مراجعةِ الأفكارِ والسلوكياتِ تجاه أهلِ الكتابِ.

فالشرعُ أباح للمسلمين شرب سؤر الحمار والقطة وسؤر كثيرٍ من الحيوانات!! وأباح طعام أهل الكتاب وذبائحهم، وأمر بإحسانِ القولِ والخلقِ مع الناسِ أجمعين، والدعوةُ بالرفق واللين هي الاختيار الصائب لمن يريد نصرةَ الإسلامِ، وليس إشباع مشاعر عدائية لا تمت إلى نهج السنة.

فقد جاء في الدعوى القضائية أن "آسية بيبي" تلفظَّت بكلماتها المسيئة، بعدما رفضت زميلاتها الشرب من إناء للمياه لمسته المرأة المسيحية بيدها، مما تسبب في اندلاع مشادة كلامية بينهن.

الضغوط المسيحية

أثار الحكم بإعدام بيبي انتقادات حقوقية دولية، حتى أن بنديكتوس السادس عشر بابا الفاتيكان،  تدخل في قضيتها شخصياً أكثر من مرة، حيث طالب المجتمع الدولي بضرورة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط، وضمان آدائهم لشعائرهم الدينية دون تمييز –على حد وصفه- وذكر دولاً بعينها تمارس ما أسماه اضطهاد الأقليات الدينية على رأسها مصر ونيجيريا وباكستان، وطلب البابا من السلطات الباكستانية العمل على إطلاق سراح آسية.

كما واصلت منظمة "المؤتمر المسيحي الباكستاني" الكاثوليكية حملاتها ضد الحكومة المركزية لإلغاء قانون التجديف، بل إن المنظمة جعلت من يوم الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي يومًا للاحتجاج ضد قانون التجديف، وأفادت وكالة أنباء آسيا نيوز المتحدثة بلسان الطوائف الكاثوليكية أن المنظمات المسيحية عقدت مؤتمرًا في التاريخ نفسه للمطالبة بإلغاء القانون المذكور.

موقف الجماعات الإسلامية

وقفت الجماعات الإسلامية ضد الحملات الإعلامية التي جعلت من هذا القانون مادة ثرية للحديث المطول في برامج التلفزة وأطلقت ثماني جماعات إسلامية دعوات لتنظيم مسيرات احتجاجية بعد دعوة البابا بنديكت السادس عشر لإلغاء قانون التجديف الذي يعاقب بالإعدام من يتطاول على ثوابت الإسلام، والذي يحظى بمكانة خاصة لدى الباكستانيين.

وفي المقابل أعلن رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني في مؤتمر صحفي أن الحكومة لا تعتزم إجراء أية تعديلات على قانون التجديف، مشددًا على ضرورة توقف كافة الأطراف عن الخوض في هذا الشأن.