(الطفلة "حبيبة عز الدين الناصر" من أبناء مدينة موحسن بريف دير الزور الشرقي، توفيت اليوم، بسبب البرد ونقص الرعاية الصحية داخل مخيم الهول)، بهذه الكلمات المقتضبة انتهت حياة طفلة من بين آلاف الأطفال داخل مخيمات النزوح السوري الموجودة على الحدود مع دول الجيران، نشرت الصحف ووسائل الإعلام صورة الطفلة عقب موتها، وانتهى الخبر، ليأتي بعده أخبار أخرى بما تحمله من فرح أو حزن، لكن خبر وفاة "حبيبة" وعلى ضألة كلماته، إلا أنه يحمل في طياته الكثير من الآلام والمآسي التي يعيشها النازحون السوريون في شمال وشمال شرق سوريا خلال موسم الشتاء الحالي، فظروف الشتاء القاسية تفرض عليهم حالة من المعاناة الشديدة التي تصل إلى حد الموت، وهى لا تقل في شدتها عن فداحة البراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي وغيره من الأسلحة الفتاكة التي تستخدمها قوات النظام ومن يساندوه من روس وإيرانيين ومرتزقة حزب الله وميليشيات شيعية أخرى، لقد أصبح النازحون السوريون كمن يفر من الموت إلى الموت.

الشتاء هو فصل الخير، لكن بالنسبة للبعض فهو كابوس، إذ لم يكد النازحون السوريون ينسون معاناتهم خلال الشتاء الماضي، هاهي بوادر أزمة جديدة تلوح في الأفق مع انخفاض درجات الحرارة وهطول كميات كبيرة من الامطار خلال الأيام الماضية، ومن المؤسف أن غالبية المخيمات الحدودية، قد تمت إقامتها بشكل عشوائي على أراضي زراعية وطينية تقع في نطاق أودية منخفضة، لذا فهي عُرضة للغرق المستمر بفعل الأمطار التي تهطل بغزارة في فصل الشتاء وتتحول إلى سيول جارفة، يُضاف إلى المأساة؛ شح وسائل التدفئة أو انعدامها في بعض المخيمات، وتأمين الحصول على المواد الغذائية الضرورية واللقاحات والأدوية والتجهيزات الطبية اللازمة، كما تفتقر معظم العائلات في ظل هذه الظروف القاسية للملابس الشتوية، فالكثيرون ممن هجروا بيوتهم تحت نار القصف والاشتباكات في أواخر فصل الصيف، لم يتمكنوا من أخذ ملابسهم الشتوية القديمة معهم، كما أنهم عاجزون حتى عن شراء أخرى جديدة بسبب الأسعار الباهظة والمساعدات التي تصلهم من ملابس شتوية لا تكفي، هذه المأساة موجودة في كافة مناطق النزوح السورية، بدءًا من الغوطة الشرقية في ريف دمشق، إلى محافظة إدلب شمال غرب الفرات، إلى الشريط الحدودي في رأس العين وتل أبيض، إلى مناطق كثيرة، وبعيدًا عن مأساة الظروف الجوية وضيق العيش وصعوبته، فإن روايات كثيرة موغلة في الألم تهز الضمير الإنساني يحملها كل سوري في داخله، ألاف الأطفال فقدوا آباءهم في هذه الحرب، وترمّلت مئات الأمهات، لا يوجد سوري لم يفقد أبًا أو أخًا أو صديقًا أو ابنًا، ومن لم يفقده بسبب القصف ونيران الطيران، فقده بسبب البرد والسيول.

المناشدات الإنسانية للمنظمات الدولية والهيئات الإنسانية لا تتوقف، وذلك للمساهمة في تأمين الاحتياجات العاجلة للنازحين والمهجرين من خلال العمل على إصلاح الأضرار الناجمة عن هطول المطر، وإصلاح شبكات الصرف الصحي، والعمل على رصف طرقات المخيمات والتجمعات، فمؤخرًا قام فريق "منسقو استجابة سوريا" بتقييم الأوضاع مؤخرًا في مخيمات الشمال السوري عقب هطول الأمطار خلال الأسابيع القليلة الماضية، وكان التقييم الأوليّ للأضرار الناجمة عن المطر في المخيمات والتجمعات الموجودة في الشمال السوري، أن عدد المخيمات التي تعرضت لأضرار أكثر من 29 مخيمًا، وهو ما تسبب في تضرر أكثر من 3126 عائلة، تأتي هذه الأرقام المؤسفة فيما تقدر الأمم المتحدة أن ما يقرب من 3 ملايين شخص في حاجة إلى المساعدة هذا الشتاء، صحيح أن أرقام النزوح في زمن الحرب ليست دقيقة في كل الأحوال، إلا أن هذه الأرقام التقريبية لهذا النزوح تبعث على القلق، كما أن هناك حاجة إلى 25 مليون دولار بشكل عاجل لتلبية الاحتياجات المنقذة للحياة خلال الأشهر الأكثر برودة في عموم سوريا، وبحسب تأكيدات نائب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة "فرحان حق"، فإن "الشعب السوري يتعرض لشتاء بارد وصعب، إذ يعيش ملايين النازحين دون كهرباء وتدفئة، وهناك عشرات الآلاف من الأسر في ملاجئ غير كافية أو مؤقتة، وفي حالة بائسة للغاية".

ليت الظروف الجوية السيئة تُوقف النشاط العسكري في الكثير من مناطق سوريا ولو إلى حين، لكن هذا لم يحدث، فقوات النظام وحليفتها روسيا تشن هجومًا جويًا وبريًا عنيفًا على محافظة إدلب في شمال غرب سوريا منذ أيام، ما أودى بمئات الأشخاص من مدنيين ومقاتلين، بالإضافة إلى موجة نزوح كثيف للسكان، ولكن النوائب على سوريا لا تأتي فرادى، ففي ظل استمرار القصف العسكري والظروف الجوية القاسية، فإن الحديث عن مساعدات إنسانية أممية قد بات يشكل أزمة لبعض الدول الكبرى مثل روسيا والصين، اللتان استخدمتا حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن، بشأن مشروع قرار قدمته ألمانيا وبلجيكا والكويت بتمديد مساعدات الامم المتحدة عبر عدة نقاط حدودية إلى 4 ملايين سوري لمدة عام إضافي، فعلى عكس باقي الأعضاء الـ13 الذين صوتوا بالموافقة، كان الفيتو الروسي بالمرصاد، وهو الرابع عشر من روسيا بشأن قرار يتعلق بسوريا منذ بدء الأزمة عام 2011، أما الفيتو الصيني فهو الثاني خلال 4 أشهر حول نص يتعلق بسوريا.

مأساة تفوق الوصف، يحتاج المرء أن يستعيد قواه وهو يشاهد صور المخيمات السورية البائسة والتي هى شبيهة إلى حد كبير بشكل الصراع الدائر هناك في سوريا، المجتمع الدولي فشل في الوفاء بتعهداته، ولم ينجح في تمويل الدول المضيفة للاجئين، وفي ظل هذا العجز فإن 2.5 مليون طفل سُجلوا كلاجئين، مليون طفل منهم فشلوا في الالتحاق بالمدارس، مما يهدد بفقدان أجيال كاملة من السوريين، فكل شيء في هذا البلد قد انتُهِكَ إلى النهاية، الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تفاعلوا بحزن مع حالة أهالي المخيمات الحدودية وطالبوا مساندتهم، وقاموا ببث صور وفيديوهات تظهر معاناة تلك المخيمات في هذا الشتاء القاسي، قارعين ناقوس الخطر خصوصًا في الأيام المقبلة، التي من المتوقع خلالها ازدياد حدة الظروف الجوية، لكن يبدو أن الأمر قد بات مألوفًا على سكان كوكبنا، وككل عام تزداد المخاوف والتحذيرات مع قدوم فصل الشتاء بالواقع المأساوي ذاته، لكن تلك التحذيرات تعجز عن احتواء أزمة باتت لزامًا على النازحين في الجزء الشمالي من سوريا، مع دخول الحرب عامها التاسع، وفي ظل ضعف التمويل الدولي، وعدم وضوح الرؤية حول نهاية وشيكة للمأساة.