"العسكري الهائج والمصاب بجنون العظمة، الذي ينام لديه شيطان المغامرة"

هذا ما وصف به اللواء خالد نزار، وزير الدفاع الجزائري الأسبق وقائد الانقلاب الذي قام به الجيش الجزائري عام 1992، الفريق قائد صالح رئيس الأركان الجيش الحالي والذي توفي إثر أزمة قلبية...وقد هاجم نزار قايد صالح من عدة أشهر، إثر تصاعد الخلافات داخل المؤسسة العسكرية.

وعلى خطا خالد نزار، ولكن من مربع آخر رفع الحراك الشعبي منذ عدة أشهر شعارات ضد صالح، واتهموه بأنه آخر سلالة العصابة التي تحكم الجزائر منذ أكثر من خمسين عاما وتسيطر على القرار السياسي الجزائري، وذلك بعد رفضه تسليم السلطة لرموز محايدة ليس لها علاقة بنظام بوتفليقة تجري الانتخابات.

ولكن في نفس الوقت، فقد نعاه الرئيس الجزائري عبد القادر تبون الذي تسلم الرئاسة منذ عدة أيام، وقال "هو المجاهد الذي صان الأمانة وحفظ الوديعة وأوفى بالعهد، في فترة من أصعب الفترات التي اجتازتها البلاد”.

ويقع المرء في حيرة ببن هذه المواقع الثلاثة: موقع المكروه داخل جزء مهم في مؤسسته العسكرية، وبين المجاهد الوفي كما وصفه رئيس الجمهورية، وبين الفاسد الأكبر كما يصفه الحراك الشعبي...

فأين يمكن تصنيف أحمد قايد صالح بين تلك المواقع الثلاثة؟

داخل المؤسسة العسكرية:

لم يكن أحمد قائد صالح من بين مجموعة الضباط الذين خدموا في الجيش الفرنسي ثم التحقوا بعد الاستقلال بالجيش الجزائري، بل لم يكن حاصلا على أي مؤهل عسكري أو غير عسكري، ولكنه التحق بجبهة التحرير الجزائرية، وقاتل في صفوفها ولما حدث الاستقلال التحق بالجيش الجزائري، الذي أرسله ليتلقى دورات تدريبية عسكرية في موسكو في أواخر الستينات، ثم تدرج في رتب القوات المسلحة حتى وصل الى قائد الناحية الثالثة عند حدوث الانقلاب على نتائج الانتخابات الجزائرية عام ١٩٩٢، حينئذ لم يكن صالح من الدائرة الأولى والتي دبرت الانقلاب، والتي كانت تضم ثمانية من كبار الضباط، ولكن كان في الدائرة التي تليها من قيادات الجيش، ونظرا لتأييد قائد صالح لهذا الانقلاب، فقد تدرج سريعا في المناصب لينتقل من قائد المنطقة الثالثة الى قيادة المنطقة الثانية الى قيادة القوات البرية والتي تضم ما يقرب من ٧٠ % من أعداد القوات المسلحة ووفق مصادر أخرى أنها تضم ٨٠ %، وشاركت هذه القوات تحت قيادة الرجل في المذابح التي قامت في هذه العشرية السوداء، ومن بينها مذبحة قرية بني طلحة، وهي واحدة من عشرات القرى التي جرى توثيق مذابحها، وبلغت فيها الوحشية درجة أن تم فيها قتل الأطفال الرضع بقذفهم في الجدران، وقطعت أثداء النساء وأعضاء الرجال التناسلية بعد ذبحهم، ولم يعرف عن أحد من ضباط الجيش من استنكر هذه المذابح، أو ندم عليها، الا ضابطان هربا الى خارج البلاد ووثقا هذه المذابح في كتب.

وأبطال العشرية السوداء في الجزائر أو بالأصح جزاريها، أصبحوا الآن ما بين مطارد خارج الجزائر، كخالد نزار وزير الدفاع الذي قاد انقلاب عام 1992، وأطاح بالحكم الوشيك للجبهة الاسلامية للإنقاذ التي كانت قد فازت بالانتخابات وقتها، أو قابع في السجن يحاكم على تهم أخرى، مثل محمد مدين رئيس المخابرات العسكرية وهو قائد هذه المذابح الأول، أو صريعا في المستشفى حسبما أعلن كمحمد العماري رئيس الأركان الجيش الجزائري وقت المذابح، ثم من قبضه الموت أخيرا كأحمد قايد صالح قائد القوات البرية وقت المجازر.

استمر قائد صالح قائدا للقوات البرية في الجيش الجزائري طيلة عشر سنوات من 1994 حتى 2004، أي طيلة ما يعرف بالعشرية السوداء وبعد أن أحاله رئيس الأركان محمد العماري للتقاعد، اتصل به الرئيس بوتفليقة ليعرض عليه رئاسة الاركان بدلا من العماري الذي اختلف مع بوتفليقة، ثم تعاون الرجلان (بوتفليقة وصالح) مرة أخرى، في الاطاحة بمحمد مدين قائد المخابرات الجزائري والرجل القوي في النظام الجزائري، والذي كان يعرف بصانع الرؤساء، وساعدهم في ذلك غضب أمريكي أوروبي على مدين لعدم انصياعه لأوامرهم في قصة تحرير رهائن غربيين، كانوا قد احتجزوا من قبل مسلحين اسلاميين وانتهى احتجازهم بقتل الرهائن الأجانب، نتيجة تهور مدين في تحريرهم.

وحين اشتدت المظاهرات في الشارع ضد بوتفليقة بعد عزمه علي الترشح لفترة خامسة رغم عجزه، أطاح به صالح وشرع في اجراء انتخابات رئاسية مفصلة، بحيث تبقي على سيطرة للجيش علي مفاصل الحكم بواجهة مدنية، وأصر على ذلك الرجل بالرغم من اشتداد وتيرة المظاهرات التي خرج فيها الشعب الجزائري بشكل لم يسبق له مثيل.

وبدأ في محاكمة العسكريين والمدنيين المختلفين معه، بتهم تتعلق بالفساد بالرغم من أن موقع ويكيليكس قد نشر في عام 2010، وثائق سرية تخص الدبلوماسية الأميركية، تحدثت عن فساد بأبعاد أسطورية في المؤسسة العسكرية الجزائرية، وقالت إن رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أحمد قايد صالح ربما يكون أكثر المسؤولين فسادا في الجهاز العسكري.

ظل أحمد قائد صالح ما يقرب من تسعة شهور يرفض مطالب الحراك، التي تختص بتنحي المسئولين كلهم الذين شغلوا مناصب عليا في نظام بوتفليقة، وبالرغم من أنه أزاح كثيرا من أقطاب الحكم القديم وقدمهم للمحاكمة، إلا أنه ظل مبقيا على كثير من رموز هذا النظام يريد بهم اجراء انتخابات رئاسية، الأمر الذي رفضه الحراك الجزائري مطالبا بتسليم السلطة لشخصيات نظيفة مستقلة، وحددها بالاسم لتكون هي مسئولة عن اجراء انتخابات نزيهة، وتعددت الأسباب التي جعلت قايد صالح، مصرا على عدم تنحية ما تبقى من رموز النظام القديم ويستجيب للمطالب الجماهيرية وينهي تلك الأزمة، ومن بينها أن مجيء رموز نظيفة لتتولى هي بنفسها اجراء انتخابات شفافة ونزيهة، يعني انتخاب رئيس يدين للجماهير في انتخابه، وليس للجنرالات العسكرية، وهذا يعني انهاء الدور السياسي للجيش الجزائري وتدخلاته في الشأن العام، وبدء محاسبة حقيقية لكل الممارسات السابقة، سواء السياسية والأمنية والاقتصادية والتي أدت إلى تدهور وضع الجزائر وتراجع مكانتها الإقليمية والدولية.

واستمرت الصراعات بين أحمد قايد صالح حتى وفاته مع الجنرالات داخل الجيش، نتيجة عزله كثير من الضباط المختلفين معه، وقدرت بعض المصادر عدد الجنرالات المعزولين، ما يقرب من ١٥ جنرالا، وكان ذراعه القوية في ذلك بل أقرب المقربين منه الجنرال واسيني بو عزة، وهو الجنرال الذي عينه قائد صالح مديرا للأمن الداخلي، وهي احدى ثلاث مؤسسات استخبارية في البلاد.

ولكن قبل وفاة أحمد قايد صالح بأيام قليلة، أقال صالح بو عزة من مناصبه وسط تكهنات بصراعات قوية داخل المؤسسة العسكرية، وتركزت الخلافات بين الجنرالات هذه المرة على دعم أي من المرشحين للرئاسة، ففي حين أيد واسيني بو عزة بقوة ومعه العديد من الجنرالات المرشح الرئاسي عز الدين الميهوبي، وسلطوا أجهزة اعلامهم في حملة لإسقاط عبد القادر تبون المدعوم من قبل احمد قايد صالح، الذي حسم الصراع لتبون وزج في النهاية بواسيني وعدد من المقربين منه في السجن.

ولعل الاكتفاء بتعيين قائد القوات البرية اللواء سعيد شنقريحة رئيسا للأركان، بالإنابة بدلا من تثبيته في هذا المنصب اشارة الى هذه الخلافات.

وهكذا فإن الجزائر مقبلة على مرحلة صراع جديدة بين جنرالات، لا يرضون عن الرئيس الواجهة الذي أتى به قائد صالح، وجنرالات يتشبثون بإرث صالح وخطه، وبين حراك شعبي متصاعد يصر على تحقيق مطالبه.