"حين تقول لا للرئيس ترامب، كأنك تقول لا للرب"

هكذا صرخت القسيسة باولا وايت، المستشارة الروحية الخاصة بالرئيس الأميركي، في إحدى عظاتها المتلفزة.

فقبل شهرين عين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باولا على رأس ما يعرف بمبادرة البيت الأبيض للإيمان والفرص، وهي واحدة من أثرى وأبرز وجوه التبشير التلفزيوني الإنجيلي في الولايات المتحدة.

فهل يجيء هذا التعيين، كمقدمة للحملة الانتخابية التي يقودها ترامب لإعادة انتخابه مرة أخرى، كرئيس للولايات المتحدة خاصة أن هذا العام 2020، هو عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية؟

لا شك أن دعم الجماعات الانجيلية وانحيازها له، قد ساهم بشكل كبير، في نجاح ترامب الغير متوقع في الانتخابات الرئاسية الماضية أمام هيلاري كلينتون.

وبالرغم من أن ترامب كشخصية غير متدين، ولا يتمتع بالقيم الأخلاقية أو الدينية التي يدافع عنها المسيحيون المحافظون، بل اشتهر عنه أنه لا يعرف أي آية من الإنجيل، فهو رجل ارتبط اسمه بفضائح مع ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز، إلا أنه يحظى بدعم كبير من الإنجيلين.

ويحاول ترامب استمالة هؤلاء الانجيليين، عندما عين باولا رايت كمستشارة روحية له، التي كانت

أوّل امرأة في تاريخ الولايات المتحدة، تتلو الصلاة خلال مراسم تنصيب رئيس أميركي عند أداء ترامب اليمين في العام 2017، وفي إحدى عظاتها المنتشرة على الانترنت، تقول: "حين أطأ أرض البيت الأبيض، فإنّ الرب يطأ أرض البيت الأبيض، لديّ كامل الحقّ والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضاً مقدسة، لأنّني كنت أقف هناك، وكلّ مكان أقف فيه هو مكان مقدّس".

ويؤمن أتباع هذه القسيسة، أنّ الرب خاطبها حين كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وطلب منها أن تنشر كلمته.

وفي كلمة له في بداية هذه السنة الانتخابية أي في شهر يناير، أمام حشد تجمع في إحدى كنائس ميامي بولاية فلوريدا جنوب شرقي البلاد، وعد ترامب الناخبين "بانتصار كبير آخر للإيمان والأسرة، والله والبلد، والعلم والحرية"، وقال: "أؤمن فعلا بأن الله يقف الى جانبنا".

وفي هذا اللقاء، وضع قس يده على كتف الرئيس دونالد ترامب، وأخذ يدعو له "أسأل الرب أن يمنح الرئيس معرفة غيبية ليعلم من هو أهل للثقة ومن ليس كذلك، وليفضح الرب ويبطل خطط كل أولئك الذين يريدون سوءا بالرئيس ترامب وبهذا البلد".

ومضى قائلا "أبانا الرب أرى أن لك قلبا رؤوفا بالرئيس ترامب، أسألك أن تقربه منك".

ولكن ليس الانجيليون على نفس الرأي، فثمة آراء نشاز أو أقلية تدعو إلى عدم ترشيح ترامب، فالصحفي البارز في المجلة الإنجيلية المحافظة "كريستيان بوست" ناب نازورث، كتب مقالا افتتاحيا في مجلة مسيحية أخرى "كريستيانتي توداى"، يرفض دعم ترامب كرئيس قادم للولايات المتحدة، بل دعا أيضا إلى اقالته وتسبب هذا المقال في اقالة هذا الصحفي.

واتهم المقال ترامب، بارتكاب ممارسات لا تقل سوءا عن تلك التي اتهم بها الرئيس الأسبق، بيل كلينتون، وتتعلق بفضيحة جنسية مع المتدربة بالبيت الأبيض "مونيكا لوينسكي".

ورغم انتقاد المقال للطريقة التي يحاول الديمقراطيون من خلالها إسقاط ترامب، منذ فوزه بانتخابات عام 2016، إلا أن "الحقيقة التي لا لبس فيها"، بحسب هذا المقال، تفيد بأن ترامب "حاول استخدام سلطته السياسية لإكراه زعيم أجنبي على مضايقة وتشويه سمعة أحد خصومه السياسيين"، في إشارة إلى المرشح الديمقراطي للرئاسة، جو بايدن، ويمضي المقال فيذكر: "هذا ليس انتهاكا للدستور وحسب، فالأهم من ذلك أنه عمل غير أخلاقي"، موضحا أن سبب عدم صدمة كثيرين إزاء ما فعله ترامب يكمن في أن "قيمة الأخلاق" برمتها تراجعت في عهده، مشيرا إلى العديد من الشواهد على ذلك، بدءا بتوظيفه وطرده العديد من المتهمين بارتكاب تجاوزات مختلفة، مرورا بأعماله الخاصة وعلاقاته مع النساء، وليس انتهاء بـ"سوء التصرف والأكاذيب والقذف"، التي تشهد عليها تغريداته على "تويتر"، بحسبه.

واعتبرت العديد من وسائل الإعلام الأمريكية موقف مجلة "كريستيانيتي توداي" ضربة موجعة لمساعي ترامب الفوز بولاية ثانية العام المقبل، قد لا تقل إيلاما عن إحالته للمحاكمة تحت قبة الكونغرس.

ولفت تقرير لمجلة "ذا أتلانتيك" إلى أن موقع "كريستيانيتي توداي" انهار بعد ساعات من نشر المقال، جراء تدفق القراءات.

وأجرت "ذا أتلانتيك"[1] حوارا مع كاتب المقال أشار فيه إلى أن دافعه الرئيسي لكتابة المقال يكمن في "توحيد صف المسيحيين"، قبل أن يتسبب الخلاف على تقييم أداء ترامب بتقسيمهم، إضافة إلى ضرورة اتخاذ الإنجيليين موقفا ينسجم مع مواقفهم السابقة بشأن أشخاص آخرين، ارتكبوا تجاوزات سياسية أو أخلاقية.

واستهجن كاتب المقال المثير للجدل اصطفاف الإنجيليين وراء الحزب الجمهوري، مؤكدا أن أيا من الحزبين لا يمثل القيم الأخلاقية التي تدعو إليه المسيحية في نظره.

ورأى تقرير ذا اتلانتيك، أن قراء المجلة الانجيلية هم في الغالب من الشريحة الإنجيلية المثقفة، إلا أنه اعتبر أن تسليط مختلف وسائل الإعلام الضوء على المقال الذي يدعو إلى العمل بشكل منظم للحشد ضد ترامب، من شأنه سحب الكثير من الأصوات التي يعول عليها الأخير.

وفي نفس الوقت كشف القس الإنجيلي "جيم واليز" مؤخرًا، أنه لم يدعم الرئيس الأمريكي لأنه "يرتكب الفجور"، بينما ادّعى زعماء دينيون آخرون أنه "تم الصفح عنه"، وأن تلك الشبهات حدثت في الماضي، وفي حديثه لمجلة "بوليتيكو"، قال القس "توني بركينز" إنه يتوجب منح فرصة أخرى للرئيس؛ "لأنه تولى قيادة أجندة الإنجيليين".

ولكن ترامب الذي وعد الانجيليين في حملاته الانتخابية أنه سيعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أوفى بعهده للإنجيليين، الذين منحوه أصواتهم.

واعتبرت البروفيسورة إليزابيث أولدميكسون الأستاذة بجامعة نورث تكساس في تصريح، أن قرار ترامب ليس سياسيًا، وإنما امتثالًا لمعتقدات الإنجيليين الدينية.

وأوضحت أولدميكسون أن الصهاينة المسيحيون يؤمنون بأن الله منح الأرض المقدسة لليهود، مشيرةً أن تلك الأرض تقع على ضفتي نهر الأردن.

وهنا يثار السؤال، وهو ما حقيقة قوة الانجيليين في أمريكا؟

لابد أن نعرف أن كلمة "إنجيلي" ترجمة عربية شائعة لمصطلح "إيفانجيليكل" ويُقصد بها في الولايات المتحدة كل الطوائف المسيحية البروتستانتية التي تميزت عن البروتستانت التقليديين بعدد من المعتقدات، أبرزها إيمانها بمفهوم "الولادة الثانية" أو ولادة الروح، كما يؤمنون بعودة اليهود إلى فلسطين واقامتهم لدولة هناك، ويشكلون ما يقرب من 25 في المئة من الناخبين الأمريكيين، بعدد يقترب من 64 مليون أمريكي حسب ما يقول موقع أكسيوس[2]، والذين صوت أغلبهم، وبنسبة ساحقة ناهزت 81 في المئة، لصالح ترامب في انتخابات 2016.

وقد كشف استطلاع رأي حديث أجراه "المعهد العام لأبحاث الديانة" أن 77% من الجمهوريين الإنجيليين البيض راضون عن أداء ترامب في البيت الأبيض، ويبدو هؤلاء الإنجيليون أكثر وحدة عندما يتعلق الأمر بالاتهامات الموجهة إلى ترامب باستغلال صلاحياته، وتؤكد أغلبية ساحقة بنسبة تقترب من 98 % من هؤلاء أنها تعارض عزله.

يرجع تاريخ هذه الطائفة إلى القرن 18 حين كانت أميركا مجموعة من المستعمرات، لكنها مرت بتحولات عديدة حتى صارت مشهورة في يومنا هذا بنشاطها السياسي وانخراط كثير من أتباعها في صفوف "اليمين المسيحي" وتقاطعها فكريا وسياسيا مع إسرائيل والحركة الصهيونية.

ولكي نكشف عن مدى تأييد هذه الطائفة لترامب يجب معرفة حجم تأييد تلك الطائفة للرؤساء السابقين، ففي حين حصل "جورج بوش الابن" على 78% من أصوات أتباع الطائفة، في انتخابات عام 2004، و"جون ماكين" على 74% في انتخابات 2008، و"ميت رومني" على 78% في 2012؛ في حين حصل ترامب على 81%.

 وفي النهاية فإن توقع من سيكون رئيس أمريكا القادم، هو أمر حيوي لأن الولايات المتحدة شئنا أم أبينا ستظل العامل الحاسم في سياسات العالم القادم، نظرا لتربعها على عرش النظام الدولي، وقدرتها على قلب كثير من موازين القوى في الصراعات الدولية، خاصة التي تجري في منطقتنا وذلك حتى حين.

 


 


[1] theatlantic.com/politics/archive/2019/12/christianity-today-trump-removal/603952/

[2] https://www.axios.com/christianity-today-evangelicals-supports-impeachment-92956ccb-241c-48d7bad3d3e4ddd2d64d.html?utm_source=facebook&utm_medium=social&utm_campaign=organic&utm_content=1100