انتشرت الإيحاءاتُ الجنسيةُ في كثيرٍ من الرواياتِ الأدبيةِ المعاصرةِ، وأخذت بعضُ الأقلامِ تصفُ بدقةٍ تفاصيلَ علاقاتٍ حميميةٍ بين أبطالِ رواياتهم، في أدبٍ لا يستحق وصف الأدب، ولم ينج من تلك المزلة إلا الأدباءُ الإسلاميُّون ومعهم بعض الأقلام المحافظةِ التي تأبى أن تدونَ أدبًا رخيصًا لا يمتُّ إلى الأدب بهاجسٍ.

يتضح ذلك جليًّا في روايتي عزازيل، النبطي للكاتب يوسف زيدان، وروايتي شيكاغو، عمارة يعقوبيان للكاتب الروائي علاء الأسواني، حيث ورد في الأخيرة ذكر علاقات شاذة بين رجلين، وينبري الكاتب ليدافع عن وجهة نظره قائلاً : الفن يسعى للخير وهو محاكاة للواقع بطريقة أكثرَ عمقًا وأكثرَ دلالةً، والدينُ لا ينبغي أن يتدخلَ في تفاصيل العمل الفنيِّ؛ فالفن يفترقُ طريقهُ أحيانًا عن طريق التعاليمِ الدينيةِ في التفاصيلِ، ويتابعُ الأسوانيُّ: لا ينبغي أن ندخل في تفاصيل العمل الفني لنطبق تعاليمَ دينية.

وبالطريقة ذاتها دافع الكاتب يوسف زيدان عن المشاهد الفجة التي احتوتْ عليها روايته "عزازيل" والتي جعل فيها من الراهب هيبا مثالاً للشخص الذي حرم نفسه من الزواج الحلال، لينغمس في الملذات المحرمة، بل وفي داخل صومعته.

تقول الدكتورة فاطمة عبد الحميد: إن "عزازيل" روايةٌ ممتعةٌ حقًا من جهة تعرضها لحقبة دخولِ المسيحيةِ إلى مصرَ، وعنفِ كنيسة الإسكندريةِ ضدَّ مخالفيها في العقيدةِ آنذاك، والدماءِ التي سُفكت على عتبات معابد الوثنيين؛ لكن يؤخذ عليها جنوحُ الكاتب إلى الوصف التفصيلي للعلاقاتِ المحرمةِ التي اعتاد عليها "الراهب هيبا" بطل الرواية، بينما كان في الإشارة اللطيفة منجاةٌ للمؤلف من الوقوعِ في هذا العيبِ وتلك الإباحيةِ التي تبعثُ على الغثيانِ.

رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الطيب صالح انتشرت مشاهدُ الجنسِ الصريحِ فوق صفحاتها وبين سطورها، وقد استخدم الكاتب عباراتٍ فاحشةٍ؛ رغم كل ذلك فإن الناقد الأدبي رجاء النقاش دافعَ عن الروايةِ بحرارة، زاعمًا أن الجنس في هذه الروايةِ عنصرٌ من عناصرها يخدمُ العملَ الفنيَّ!!.

بل ويدعوا النقاشُ غيرَه من الأدباء إلى أن يتناولوا الجنس بجرأةٍ وشجاعة، ويقتربوا منه كلما دعتهم الحاجة إلى ذلك في فنهم وأدبهم –حسب تعبيره- ، كما يطالب المجتمع بهضم الفقرات والمشاهد الجنسية الصارخة في رواية الطيب صالح، تلك الرواية التي منعتها السلطات السودانية من النشرِ في السودان؛ حفاظًا على القيمِ والمبادئ والأخلاق داخل المجتمع، ونشرتها وزارة الثقافة المصرية في سلسلة مطبوعات مكتبة الأسرة عام 1996م، تحت رعاية سوزان ثابث –زوجة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك-.

الأستاذ على أحمد لبن أحدُ الشخصيات التي اقترن اسمها بالمعاركِ الفكريةِ مع الحكوماتِ المصريةِ المتعاقبةِ في سبيلِ تطهيرِ مناهج التعليم المصرية من الروايات الأدبية التي تحتوي على مشاهد إباحية، وقد ألف كتابًا بعنوان (التطوير بين الحقيقة والتضليل) جمع فيه كل المخالفات بمناهج التعليم بداية من المراحل الابتدائية إلى مرحلة الجامعة.

يؤكد الدكتور جابر قميحة على التأثير السلبي الضار لتلك الروايات على الجنسين قائلاً: إن الجنوح إلى كتابة هذا النوع من الأدب خروج على المنطق السوي وعلى الفطرة الإنسانية السليمة؛ لأن أدب الجنس بهذه الطريقة المنحرفة المكشوفة يُعدُّ تدميرًا لمعطيات العقل والخلق والدين، وعلينا أن نتذكرَ في هذا المقام أنَّ كثيرًا من المستشرقين أبرَزوا هذا النوع من الأدب في الأدب العربي القديم، وأغفلوا ما عداه من أدبٍ قديم، فمثلاً حينما كتبوا عن أبي نُواس لم نَرَ مما كتبوا إلا الخمريات والغلاميات والنسائيات، مع أن أبا نواس له من شعر الزهديات والتوبيات ما فاق فيه أبا العتاهية.

وردًا على شبهة أن العملَ الأدبي يرصدُ الواقعَ بخيره وشرهِ يقولُ الدكتور عبد الرحمن فوده، مدرس البلاغة والنقد والأدب المقارن بجامعة القاهرة: لا وجاهة لما يتشدق به هؤلاء، الذين يحاولون تبرير وجود المشاهد الصارخة أو الخادشة أو الصادمة لحياء المشاهد أو القارئ بصفة عامة وبغض النظر عن القارئ المسلم أو غير المسلم، -فالعقلاء من المشاهدين غير المسلمين لا يشاهدون ولا يحبون أن تقع أعين أبنائهم على مثل هذه المشاهد الصارخة.

ويضيف فوده في اتصال مع البيان: ما قيمة المشهد الصارخ في نماء أو تطور العمل الأدبي، ألا يمكن أن يكتفي الكاتب أو الروائي بإشارة إلى أن الشخصيتين الذكر والأنثى الذين يفعلان الفعل الفاضح، ولماذا يعمد إلى وصفهما وصفًا دقيقًا من أول العلاقة الخاصة إلى نهايتها!! وهي علاقة المفترض أن تكون بين زوج وزوجة، ألا يستطيع أن يقول أي جملة تغني عن هذا الأمر؟؟ بلى يستطيع وسيفهمها القارئ أو المشاهد.

وأردف الدكتور عبد الرحمن فوده: بعض الناس قد يقول إن المشهد المكتوب يختلف عن المشهد المرئي، إذ الأخير مضطر –بزعمهم- إلى إقحام المشاهد الخادشة في المسلسل أو الفيلم، وهذا مردود عليه، فقد رأينا أفلامًا قبل ذلك منها الأفلام الأوربية التي يوجد بها إشارات فقط، بمعنى أن الرجل والمرأة يدلفان إلى غرفة وتغلق عليهما، ثم تظهر الكاميرا صورة ورده أو صورة نسيم أو ما إلى ذلك ، وهي صورة توحي للمشاهد أن هذين الشخصين منسجمان في مكان ما.

وعلى نفس المنوال يرى الأستاذ الأديب هاني منصور أنه في بعض الأفلام العربية -التي كانت روايات أدبية وتحولت إلى أفلام- عندما كانت تعرض مشاهد للاغتصاب أو الفاحشة، كانوا يظهرون الشخصين وقد انفردا في مكان ما ثم تنتقل الصورة إلى منظر مطر شديد أو رعد، هذه كانت صور معبرة عن الحدث.

ويشدد منصور أنه: لم يكن ثمة اضطرار إلى أن يأتي المخرج بصورة امرأة عاريةٍ أو منظر الأحضان مما يخدش حياء المشاهد ولا سيما أن بعض العائلات قد تشاهد التلفاز في حضور فتياتٍ وصبيانٍ في سن المراهقة، فدعوى الواقعية هذا كلام لا يقوم على ساقٍ، فالمخرج الأدبي من هذه الإشكالية بسيط للغاية.

ويعود الدكتور عبد الرحمن فوده ليقول: إن بعض السينمائيين يقولون أن هذه المشاهد تثري العمل الفني، وفي الحقيقة إنها لا تثريه، بل فقط تدغدغ غرائز الشباب في سن المراهقة فيقبلون على مشاهدة تلك الأفلام ليروا بعض المشاهد الساخنة، وكأنها عمليةٌ رخيصةٌ تستهدفُ إثارة الغرائز، وأعتقد أن هذا يدخل في قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} .

 

وبعد هذه الآراء للأدباء والبلاغيين ندلف إلى المخرج الأدبي المستمد من القرآن الكريم، وهو يتلخص في جمل قصيرة جدًا تعبر عن الفعل دون أن يصف الوصف الدقيق لمفاتن المرأة أو للعلاقة الخاصة بين الرجل والمرأة أنه فعل كذا وهي فعلت كذا...  إلخ

إذا كانت علاقة زوجية بريئة فيقال: التقى بزوجه، وقضى وطره منها، فالقرآن يعبر بأسلوبٍ لا مثيل له {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِِ} وقال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}، {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}

إذن التعبير القرآني يسعنا، كذلك التعبير النبوي من أمثال: " إذا أتى الرجل أهله فليقل بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ولا تجعل للشيطان نصيبا فيما رزقتنا

فلماذا يفصِّلون هم القول في هذا الأمر، وحتى عند المخالفة الشرعية يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أتى امرأة في دبرها أو عرافاً فقد كفر بما أنـزل على محمد" ، ولم يقل من جامع ، من واقع ، وكان العرب كذلك لا يصرحون بتلك الكلمات .

ونختم بهذا الاستطلاع الذي أجرته شبكة الإعلام العربية محيط حول قضية وضع مشاهد جنسية بالأفلام حيث صوت 35.48% بأن تلك المشاهد (خطر داهم يجب التصدي له)، وصوت 3.23% بأن المشاهد الجنسية (إبداع وفن).

بينما صوت 51.61%  من إجمالي المصوتين بأن تلك المشاهد (أسلوب رخيص لتحقيق الشهرة)، في حين صوت  3 9.68% بأنهم (لا يشاهدون الأفلام أصلا)