بعيداً عن الجهاد والفتوحات تحوّل الصقر الإسلامي إلى طائر الحجل في لينه، وكما قال إقبال: «علَّموا الليث حَجلة الظبي.. ومحوا عنه قصة الأسد».

وتسقط الأمة في الوحل وتعيش مرارة الواقع البائس النكد المرير، ويضيع كل شيء، فتعود إلى ذكريات شهر رمضان، شهر الفتوحات، فتحييها أمجاده، وتبث فيها الأمل، فقد امتنَّ الله عز وجل على الأمة فيه بأحلى وأغلى انتصاراتها.. وعلى مدار التاريخ كان شهر رمضان رمزاً للنصر والفتوحات:

ففي السنة الأولى من الهجرة كانت سرية حمزة بن عبد المطلب، ثم سرية عبيدة بن الحارث؛ اللتان بثّتا الرعب في قلوب الكافرين.

غزوة بدر الكبرى (غزوة الفرقان):

وفي السنة الثانية من الهجرة، وفي السابع عشر من رمضان؛ كانت غزوة بدر.

وببئر بدر إذ يُكَفُّ مَطِيَّهم

                        جبريلُ تحت لوائنا ومحمدُ

خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً يريدون أبا سفيان والغنيمة وأرادها الله ملحمة، وخرجت قريش بقدّها وقديدها تِسعمائة وخمسين مقاتلاً، فهزمهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أروع غزوة تجلى فيها ثبات الصحابة، وانتصرت العقيدة، ومضت بدر في التاريخ قصة انتصار القلوب المؤمنة الموقنة بربها والتي قلبت بيقينها ميزان الظاهر، فهي آية من آيات الله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].

وفي رمضان في السنة السادسة من الهجرة كانت سرية غالب بن عبد الله لقتال بني عبد الله بن ثعلبة، انتصر المسلمون، وغنموا كثيراً من الغنائم، وساقوها إلى المدينة.

وفي السنة الثامنة من الهجرة كان فتح مكة:

في العشرين من رمضان كان الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته من أيدي الكفار والمشركين، ودخل الناس به في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً.. دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ومعه عشرة آلاف من جنود الرحمن رضوان الله عليهم، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد».

قال تعالى: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ 1 وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: ١ - 2].

قال ابن كثير: «المراد بالفتح هنا فتح مكة قولاً واحداً». فإن أحياء العرب كانت تتلوّم – أي تنتظر - بإسلامها فتح مكة، يقولون: «إن ظهر على قومه فهو نبي»، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً، فلم تمضِ سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبقَ في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام ولله الحمد والمنة.

وفي رمضان هُدمت الأصنام.. «هبل.. والعُزَّى.. وسواع.. ومناة.. رمضان سنة ثمانية هجرية، واللات سنة تسعة هجرية.. أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فهدم سواعاً، وبعث سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة فهدمها، وفي الخامس والعشرين من رمضان سنة ثمانية هجرية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى اللات في ثقيف فهدماها.

وفي رمضان 13 هـ انتصر المسلمون على الفرس في معركة «البُويب»:

قال ابن كثير في البداية والنهاية (7/30): «وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام».. التقى المسلمون بقيادة المثنى بن حارثة، جيش الفرس بقيادة مهران، وصبر المسلمون واستبسلوا في القتال، وحمل المنذر بن حسان الضبي علي مهران قائد الفرس وطعنه واحتزّ رأسه جرير بن عبد الله البجلي، وهُزم الفرس هزيمة نكراء وقُتل منهم وغرق قريب من مائة ألف، وذلّت لهذه الموقعة رقاب فارس.

فتح بلاد «النوبة» ومعاهدة القبط سنة 31 هـ:

وفيها حاصر المسلمون بقيادة البطل عبد الله بن أبي سرح - والي مصر - بلاد النوبة وعاصمتهم «دُنقُلة» حصاراً شديداً حتى اضطروا للتسليم، وطلب ملكهم «قليدور» الصلح، وأجرى معه ابن أبي سرح معاهدة كان لها أعظم الأثر في نشر الإسلام في ربوع بلاد النوبة.

فتح جزيرة رودس سنة 53 هـ:

وكان ذلك بقيادة البطل «جنادة بن أبي أمية».

زوال دولة «المختار الثقفي» سنة 67 هـ:

وقُتل «المختار» في 14 رمضان وفرح المسلمون بزوال دولته، وقُتل الكذاب الذي كان يُظهر التشيّع ويزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في ثقيف كذاباً ومبيراً» أخرجه مسلم.

فتح «الأندلس» في رمضان سنة 91 هـ على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير.. مولى لكن لا تساوي قلامة ظفره ملوكاً وأمراء في قصور العرب اليوم.. رأى طارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه والخلفاء الراشدين الأربعة يمشون على الماء حتى مروا به، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، فبشر أصحابه، وقويت نفسه، ولم يشك في الظفر.

والتقى جيش طارق وعدته 12 ألفاً، عسكر «لُذريق» ملك إسبانيا وعدتهم 100 ألف، وكان يوماً مشهوداً نصر الله فيه عباده الموحدين.

عذراً رُبى المجد أن القوم قد هانوا

                        وإنهم في أيادي المعتدي لانوا

عذراً فإن بلاد العرب لاهية

                        تَضجُّ في صدرها عبس وذبيان

فتوح المسلمين في «جنوب فرنسا» سنة 102 هـ:

وفتح البطل «السمح بن مالك الخولاني»، والي الأندلس، سنة 102 هـ، إقليم «سبتمانيا» وعاصمته «أربونة» حتى وصل إلى «طولوشة» عاصمة «أكوتيانيا». واستشهد البطل وخلّف على الغزو والولاية عنبسة بن سحيم الكلبي، وقذف الله الرعب في قلوب الكفار، ووصل في انتصاراته إلى مدينة «ليون»، ووصل جيش المسلمين إلى مدينة «سانس» عاصمة إقليم «يوند» على بُعد 30 كيلو متراً جنوبي «باريس»، وهذا نصر عظيم هيَّأه الله لعباده المؤمنين.

وفي سنة 222 هـ فتح المسلمون مدينة «البذ»، مدينة «بابك الخرمي» اللعين الذي قتل من المسلمين مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة مسلم. واستنقذ المسلمون من أسره نحواً من سبعة آلاف وستمائة إنسان، وتركوا «البذ» قيعاناً خراباً.

وفي سنة 223 هـ كان فتح عمورية على يد المعتصم:

رب وامعتصماه انطلقت

                        ملء أفواه الصبايا اليتم

صادفت أسماعنا لكنها

                        لم تصادف نخوة المعتصم

وفي سنة 264 هـ في 14 رمضان كان سقوط «سرقوسة» من جزيرة صقلية على يد جعفر بن محمد بعد حصار دام تسعة شهور براً وبحراً. وهزم جعفر أسطولاً رومياً جاء لنجدتها. وكان سقوطها كارثة كبرى لبيزنطة، فقد انهارت الجهود الجبارة التي بذلتها سنوات طويلة لإعادة النفوذ البيزنظي على ساحل البحر الأدرياتي.

وفي سنة 559 هـ كانت واقعة «حارم» في رمضان من هذه السنة بين المسلمين وقائدهم البطل نور الدين محمود زنكي، وبين الجيوش الصليبية، وقتل المسلمون من الصليبين عشرة آلاف.

وفي سنة 658 هـ الجمعة 25 رمضان كانت «عين جالوت» بين أسود المسلمين من جنود الشام ومصر وملك مصر قظز، وجيش التتار بقيادة كتبغا. وقُتل أمير المغول «كتبغا»، وعلت صيحة سلطان مصر «وا إسلاماه»، فكان النصر.. رحم الله قطز فقد كان بطلاً كثير الخير ناصحاً للإسلام وأهله كما قال ابن كثير.

وفتحت «أرمينا الصغرى» سنة 673 هـ على يد بيبرس، سلطان مصر، وعيّد السلطان بيبرس في مدينة «سيس» عاصمة بلاد الأرمن، وأذل الله نصارى الأرمن ذلاً كبيراً فلَطالما خانوا المسلمين وتحالفوا مع أعدائهم.

معركة «شقحب» أو «مرج الصفر» 2 رمضان 702 هـ:

وهي المعركة التي كان فيها الخليفة المستكفي بالله والسلطان محمد بن قلاوون وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجيوش التتار والأرمن والنصارى.. وفيها انتصر المسلمون نصراً عزيزاً وتجلّت فيها شجاعة ابن تيمية الذي كان يقف مواقف الموت.

فتح «البوسنة والهرسك» سنة 791 هـ في معركة «قوص أوه»:

انتصر فيها السلطان مراد الأول على جيوش أوروبا الشرقية، ومَنَّ الله عليه بالشهادة.

وفي سنة 827 هـ فتحت «بلغراد» على يد السلطان العثماني سليمان القانوني، وانتصر العثمانيون على المجريين انتصاراً كبيراً.

وفي سنة 935 هـ كان النصر العظيم في بلاد الحبشة، ودخل البطل المسلم أحمد القرين مدينة «أكسوم» عاصمة الحبشة، وأسَّس الإمبراطورية المسلمة في الحبشة.

وفي 1393 هـ كان نصر العاشر من رمضان للمسلمين في مصر على اليهود.

ومتى عاد المسلمون إلى ربهم وتمسّكوا بدينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم واتحدوا؛ كان النصر للإسلام، ولا هُوية لنا غيره، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها».

تُرى هل يرجع الماضي فإني

                        أذوب لذلك الماضي حنينا

** ملف خاص (رمضان.. حكم وأحكام وآداب)

:: مجلة البيان العدد 313 رمضان 1434هـ، يوليو – أغسطس 2013م.