ينادي ربه في جوف الليل نداءً خفياً، بصوته الذليل المنكسر، ذاك الصوت الذي انحنى ظهره، وخفت ضوءُه، من خريف السنين.. قد اغرورقت بالدموع عيناه اللتان ارتوتا من الليل وسواده.. أنفاسه تتلاحق، تلهث كأنها العاديات ضبحاً، وكأني بنسمات السحر أضحت نقعاً من حوافر العاديات، في حين أن زفيره وشهيقه في حلبة الصراع يأبى كل منهما أن يجدل صاحبه، بيد أن سنا برق دعائه المسلول إلى السموات العلا يفلق الظلمات، وأنين تلاوته الجريحة يشق العجاج {قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا 4 وَإنِّي خِفْتُ الْـمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا 5يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: ٤ - ٦].

يخرُّ ساجداً، يجهش بالبكاء، تختنق الكلمات، لا تستطيع أن تقتنص من كلماته سوى يا رب... يا رب... يا رب.. تهدأ ثورة دموعه، ويخمد بركان أنينه، تخرج جمرات دعواته ملتهبة:

- يا رب قد يئس الطبيب، وقنط الحبيب، واستسلم القريب، إلا أنا يا مجيب، يا رب ما زلت أقف ببابك، أتشبث برجائك، فعطاؤك ممدود، وكرمك بلا حدود، ورزقك مشهود، {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}.

الباب يُفتح.. تعلقت به، تحتضنه، تتواثب، تطوف حوله؛ كالطفلة التي تستقبل أباها وقد جاءها بلعبة تتمناها أو بحلوى تشتهيها.. الدهشة تخطف بصره، وتذهب بعقله، فأيام الصّبا قد ولت، وريعان الشباب قد انطفأ، ووقار الكهولة قد استحكم.

- ما الخطب؟ هل عُدتِ صغيرة؟ أم جُننتِ؟

تقهقه قهقهة الطفل البريء يشاهد ألاعيب القط والفأر.

يحدق بعينيه الذابلتين، يتفرس أسارير وجهها المتفتحة وقد خطها شيء من تعاريج الزمن، يتأمل عينيها وما فيهما من بريق نجم سطع لأول مرة في سمائهما، يقفان وجهاً لوجه، يميل رأسه قليلاً كأنه يسترق السمع إلى صوت خفي، ما زالت عيناه في عينيها تفحصان، تبحثان عن سر مكنون، أو كنز مدفون، يخيم الصمت الرهيب، يسيطر السكون المخيف، فجأة يمسك بخيط دقيق، بإحساس رقيق، يهمس:

- هل ذهبتِ؟!

- نعم.

يضطرب قلبه في بحر لجي من المشاعر المتناقضة، بين الخوف والرجاء، أكاد أجزم أني أرى قلبه يدفع بكلتا يديه قفصه الصدري ليتحرر من محبسه، وينطلق إلى رحاب الفضاء الفسيح.. أرى زلزالاً قوياً يضرب جسده الواهن، فترتجف أوصاله، وتهتز أطرافه، يتلعثم كأعجمي يقرأ أحرفاً عربية لا يفقه معناها، ولا يدري مبناها:

- هل أنتِ؟!

- نعم.

- كيف؟!

- أستغفر الله العظيم!

- ولكن...؟

- سبحان الله! أين يقينك؟

- آمنتُ بالله.

- {رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35].

يوشك أن يخرَّ من سماء الصدمة فتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق؛ ترميه زوج أخيه بحجارة من سجيل، ويطعمه أخوه من زقوم، ويسقيه أبناؤهما من حميم، وهو مشدوه من هول الموقف العظيم، من تبدل الأحوال، فمثلهم كمثل زمهرير جاء في يوم صائف شديد الحرارة، أو شمس حارقة حالت زهر الربيع إلى عصف مأكول.

- أي ميراث تسأل عنه؟

- أي أرض تطلب؟

- متى أنت زرعت أو قلعت أو حتى فلحت؟

- ألم نطعمك ونسقيك؟ فأكلت أكلنا وشربت شرابنا؟

يصرخ صرخة اللديغ، صرخة امرأة ثكلى في ابنها الوحيد وزوجها الحبيب:

- هذا كله من مالي وأرضي، تركته لكم ما أسألكم من أجر، ولا أحاسبكم عن مغنم، تكنزون ثمره، وتدخرون ريعه، أتلك نعمة تمنُّون علي، أفلا تعقلون؟! أليس فيكم رجل رشيد؟!

- اخرج مذؤوماً مدحوراً ما لك عندنا من نقير أو قطمير.

يرجع إلى بيته وقد خلُص منهم نجياً، ينظر إلى طفله الرضيع نظرة اعتذار عن تلك الأحلام الوردية التي رسمها له، يمسح على شعره وكأنه يمحو منه كل الرسوم الهندسية التي خطها لمستقبله وغده، تداعب أنامله خده العسلي، وجبينه الذهبي، تبصم عن تنازل جبري عن كل الوعود التي قطعتها، يرسل له قبلة تحمل طلباً بالعفو والغفران عما فرط في حقه، يضحك الرضيع ضحكة أو ضحكتين.

تستيقظ المدينة بغتة على وجبة بنيان قد انهار بلا إنذار أو إخطار، فقط قد وقع عليه الاختيار، يركض نحو بيت أخيه، يصرخ:

- ما الأمر؟

- الأمر لله! {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} [النحل: 62].

- إنا لله وإنا إليه راجعون.

** ملف خاص (رمضان.. حكم وأحكام وآداب)

:: مجلة البيان العدد 313 رمضان 1434هـ، يوليو – أغسطس 2013م.