أولاً: أنه منهج رباني ارتضاه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164].

فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مقتصراً في رسالته على تلاوة ما نزل من كتاب الله ليحفظه أصحابه الكرام، بل كان شارحاً لمراده، مبيّناً لأحكامه، بوحي من الله يأمره بذلك؛ فهو صلى الله عليه وسلم يجمع – كما نصّت الآية – بين العناية باللفظ والحفظ (يتلو)، وبين تربية الناس عليه (يزكيهم)، وبين تعليم أحكامه (يعلّمهم).

أيّ عملية تعليمية تُعنى بحفظ الحروف دون تعليم الأحكام وتزكية النفوس: عملية تعليمية ناقصة، ولقد أدرك الصحابة - رضي الله عنهم - ذلك، يقول الإمام المقرئ أبو عبد الرحمن السلمي وهو ممن عرض القرآن على ابن مسعود رضي الله عنه -: «أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأُخر حتى يتعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به» [1].

ولعلّ ذلك هو المعلّل لنزول القرآن الكريم مفرقاً حسب الأحداث والمواقف والوقائع، ليكون مؤثّراً على قلوب من يتلقونه ويسمعونه ويحفظونه، ويقع منها موقعاً عميقاً، يغيّر من سلوكهم ويهذّب نفوسهم.. تنزل الآية من كتاب الله فيحفظونها، ويعرفون معناها، ويعتنقون توجيهاتها.

تأمّل حال الصحابة حين رجعوا من الحديبية كسيري النفوس؛ قد صُدّوا عن المسجد الحرام، وبالكاد حلقوا رؤوسهم ونحروا بدنهم.. أعينهم ترمق مكة، وقلوبهم هوت إلى البيت العتيق، وآمالهم تعانق الفتح الكبير.. حينها نزل قول الله الكريم {لِيُدْخِلَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} [الفتح: ٥].

تأمّل كيف استثمر القرآن الحالة الوجدانية لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليغرس في أعماق وجدانهم مفهوماً مهماً عن حقيقة الفوز عند الله، وأن دخول الجنة وتكفير السيئات هما أعظم المرابح وأحسن الجوائز، وأنها أكبر من الانتصار على الكافرين، وأنها تكون بالإيمان وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد رجع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الموقف ومن هذه الآيات بمفاهيم تربوا عليها وازدادوا في هذا الدين رسوخاً، الأمر الذي دعا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أن يعمل أعمالاً صالحة يرجو بها تكفير مراجعته للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية.

إن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم القرآن الكريم، المنهج الذي يجمع بين التعليم والتزكية والتلاوة؛ لهو المنهج المؤثر، وهو المنهج الذي ارتضاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: يتلونه حق تلاوته

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: ١٢١].

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته أن يحلّ حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله».

وعن مجاهد قال: «يتبعونه حقّ اتباعه»[2].

بهذه الآية يتبين أنّ المدح والرفعة والشأن كل الشأن ليس لمن يقرأ القرآن ويحفظه فحسب، بل الشأن كل الشأن لمن اتبع أحكامه وعمل بما فيه، وهذا هو حق التلاوة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن لفظ التلاوة إذا أُطلق في مثل قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}، تناول العمل بالقرآن كما تقدم عن ابن مسعود وغيره[3].

إن تعليم القرآن الكريم تلاوة ولفظاً دون تعليمه أحكاماً وآداباً، ضعفٌ في المهمة التعليمية، ولا يكون تعليم القرآن في الذروة من الفضل والأجر والتأثير إلا إذا أتبع تحفيظ القرآن تعليم العمل به.

عن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران»[4].. فإذا كان هذا فضل أهل القرآن العاملين، فكيف بفضل معلمي القرآن الذين يربّون التلاميذ على العمل بما فيه! كيف بفضل معلمي القرآن الذين خرّجوا العديد من التلاميذ يتلون كتاب الله حقّ تلاوته! وإننا بحاجة في هذا الزمان إلى حلقات تخرّج طلاباً يتلون القرآن حق تلاوته، يحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يكون ذلك إلا بالتربية الإيمانية القرآنية التي يمارسها معلم القرآن الكريم.

ثالثاً: توصيف من يحفظ القرآن الكريم دون أن يفهم معانيه أو يعمل بأحكامه

جاءت الشريعة بذم حافظ القرآن المضيّع لأحكامه والمفرط في العمل به والمنتهك لحدوده.

ففي موضع نبّه القرآن على أن ذلك من صفات اليهود، محذراً من سلوك سبيلهم: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْـحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ} [الجمعة: ٥].

قال القرطبي: وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلّم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء[5].

وعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها، قال: «أمّا الذي يثلغ رأسه بالحجر، فإنه يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن المكتوبة»[6]، وفي رواية: «والذي رأيته يشدخ رأسه فرجلٌ علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به في النهار»[7].

ونعى الله تعالى الذين لا يتدبرون القرآن فقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، ونعى الله تعالى قوماً آخرين فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ وَإنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، قيل في تفسيرها: إلا تلاوة[8]! فلم يعلموا ما فيه، ولم يعملوا بما فيه. قال الفضيل: إنما نزل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً[9].

العديد من الآيات والأحاديث التي تذم الاكتفاء بقراءة القرآن وحفظه دون فهمه والعمل به.. ليس لقارئ القرآن حظ من الرفعة والأجر دون أن يُتبِع ما حفظه بفهم وعمل.

قال الحسن البصري - رحمه الله -: إن هذا القرآن قد قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله.. وما تدبّر آياته إلا باتباعه، وما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفاً، وقد والله أسقطه كله، ما يرى القرآن له في خلق ولا عمل، حتى إن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَس! والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة.. متى كانت القراء مثل هذا؟ لا كثّر الله في الناس أمثالهم[10].

ويقول ابن عمر - رضي الله عنه -: كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به[11].

ولذا؛ كان لزاماً على معلّم القرآن أن يشفع تعليم حروفه تعليم حدوده، وإلا فسيخرّج طلاباً يقرؤون القرآن ولا يعملون به، يلحقهم الذم وينالهم الإثم فيما بعد.

رابعاً: الحلقات القرآنية من أقوى المحاضن في الجاهزية التربوية

يعدّ المحضن التربوي إحدى الركائز الأساسية في العمل التربوي، حيث الوسط الذي يتفاعل فيه التلميذ مع أقرانه ونظرائه، ويتلقى فيه المفاهيم التربوية، وتعالج فيه أخطاؤه، وتصحح فيه انحرافاته.. وهو البيئة التي يتمكّن المربي فيها من غرس القيم والمفاهيم، ويتعاهد سقيها ورعايتها، وينقح فيها هذه المفاهيم والقيم مما يشوبها.. وهو المكان الذي يلبي التلميذ كافة احتياجاته الشخصية: الوجدانية والجسدية والعقلية والاجتماعية والثقافية.. يبدع ويبتكر، يشارك ويقود.

ولو قمت بمقارنة بين المحاضن التربوية من جهة أثرها في العمل التربوي، لوجدت أن الحلقات القرآنية من أقواها تأثيراً، إن لم تكن هي الأقوى؛ لما في هذه الحلقات من الجاهزية التربوية التي تعين المعلّم على أداء دوره التربوي بكفاءة وفاعلية.

وتتمثل الجاهزية التربوية في حلقات تعليم القرآن الكريم في عدة جوانب.. كل واحد منها يعدّ كافياً لإنجاح عمل تربوي، فكيف بها مجتمعة؟! منها: تأثير البيئة.. المسجد.. بيت الله.. مكان مقدّس مبارك، حيث ضيافة الرحمن.. عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي البلدان أحب إلى الله؟ وأي البلدان أبغض إلى الله؟ قال: لا أدري حتى أسأل جبريل. فأتاه جبريل، فأخبره أن أحسن البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق[12].

وعن سلمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ وجاء إلى المسجد فهو زائر الله - عز وجل -، وحقٌ على المَزورِ أن يُكرم الزائر)[13].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما توطن رجل المساجد إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)[14].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»[15].

هذه الآثار التي سردتها في فضل المسجد والجلوس فيه، وغيرها كثير؛ تدلّ في مجموعها على الأثر الجميل على التلميذ في الحلقة، حيث الأمان النفسي، والهناء الداخلي، والسعادة القلبية، والسرور والبهجة.. ببركة المكث في المساجد والجلوس بين يدي أهل القرآن، حيث تعاقب الكفوف على حمل دفتي المصحف.

هذه المعاني الهادئة والعميقة التي يجدها التلميذ في بيت الله وهو متطهر يقرأ كلام الله، تجعل منه قلباً مفتوحاً للتوجيه التربوي المصاحب لتلاوة آيات القرآن الكريم.

إن التلميذ حين تملؤه المخاوف، ويكتنفه الاضطراب؛ لا يستطيع استيعاب التوجيهات ولا التطلع للسير نحو الكمال.. لهذا كان المسجد، وهو يحتضن الحلقة القرآنية، فيه مصدر طمأنينة وفرصة لأهل التربية ليرتقوا بتلاميذهم إلى الكمال البشري فيعلمونهم مراد الله من كتابه، ويؤدبونهم بآدابه.

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعون، وأئمة العلم والسنة، والفاتحون، والمعلمون... كل هؤلاء تخرجوا في المساجد، وتلقوا فيها القرآن وتربوا عليه.. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح أولها.

ومن جوانب الجاهزية التربوية في الحلقات القرآنية: الاختيار.

يغلب على تلاميذ الحلقات القرآنية أنهم التحقوا بها رغبة واختياراً دون ضغط أو إكراه، ودون عقوبة أو حرمان.

هناك دوافع متعددة تجذب التلميذ إلى الحلقة، يشملها إطار (الاحتياجات النفسية) في الغالب، وبذلك يكون التلميذ قد أعطى زمام قلبه لمعلمه، ليقوده إلى روح القرآن.

خامساً: المنهج المتفرد

المنهج المتوافر في حلقات تعليم القرآن الكريم منهج متفرد.. متفرد في الأهداف.. متفرد في المحتوى.. متفرد في الوسيلة.

الأهداف التي يسعى إليها معلمو ومشرفو الحلقات القرآنية أهداف نبيلة وغايات سامية، وأهم أهداف تعليم كتاب الله تعالى: أن يكون الإنسان متوجهاً بقلبه وبجوارحه إلى الله في كل حركاته وسكناته: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 162 لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163]، وهذا هدف عام وغاية عظمى يمكن الوصول إليها إذا صنع المعلمون والمشرفون أهدافاً واتبعوا السبيل نحوها، ويمكن أن تشمل هذه الأهداف تعظيم الشعائر التعبدية والورع عما يكرهه الله ويسخطه، والأخلاق الحسنة، والآداب العملية... وغيرها من الأهداف التي تحقق معنى العبودية لله.

والمحتوى الأساس في الحلقات: كتاب الله، وهو الكتاب المحكم المفصل، لا يأتيه الباطل، معصوم.. لا أقول معصوماً من النقص فحسب، بل هو معصوم من شوائب الكمال والجمال والجلال. والتربية على منهج يستمد أصوله وفروعه من القرآن: منهجٌ معصوم يقي التلميذ من كل عقيدة فاسدة أو فكرة هدامة أو سلوك منحرف {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].

إنها فرصة المربين في الحلقات أن يستقوا من هذا المعين لينشئوا الأجيال الصاعدة على فهم كتاب الله تعالى والعمل بأحكامه والتأدب بآدابه، وهم آمنون من زلل المنهج واضطراب الفكر.

والوسيلة المتبعة هي تعليم القرآن تلقيناً وتسميعاً وتوجيهاً.. كل حرف له به حسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.. وثبت في الدراسات والأبحاث المتعددة أن ملازمي القرآن هم الأوفر تحصيلاً والأكثر ذكاء والأقوى في مهارات التفكير، وهذا سيكون له الأثر الكبير في غرس المفاهيم والقيم والتربية عليهم.

سادساً: ما يترتب على خلو الجو القرآني من الجانب التربوي

في البناء هناك عناصر تصل به إلى الجودة وعناصر تصل به إلى ما فوق الجودة: الإبداع. وبفقد شيء من عناصر الجودة يصبح البناء مشوهاً فيه ضعف ونتوء. هكذا الجانب التربوي؛ فهو عنصر جودة للحلقة القرآنية، وبفقده تفقد الحلقة جانباً رئيسياً من عناصرها. وعندما تفقد الحلقة أجزاء من بنائها، لا سيما التربوي، فإن عدداً من المفاسد والأمور السلبية ستنتج من جراء ذلك، منها:

• بناء منهجية غير صحيحة لحفظ القرآن، حيث يكتفي التلميذ بحفظ سور القرآن دون التربية على العمل بما فيها. هنا.. ستنشأ أجيال تعتقد أن طريق القرآن هكذا، وأن حفظه أولى من تدبره والعمل به.. وهذا أحد مسببات اختلال التوازن في بناء الفرد المسلم القارئ للقرآن.

• تنشأ صورة ذهنية لدى التلميذ بأن القرآن الكريم لا يمكن العمل به أو تحكيمه في شؤون الحياة، أو على الأقل أن ذلك غير مطلوب من المسلم، حيث تمرّ الكثير من الآيات التي تأمر وتنهى دون أن يكون لذلك أثر في حياته الخاصة، ودون أن يكون للمعلم تنزيل للآيات على واقع حياته. هذه الصورة الذهنية تتسع يوماً بعد يوم، وهذا منهج خفي غير مقصود، وهو الأخطر في تشكيل المفاهيم وتكوينها - على المدى البعيد -، حيث يضعف اليقين بما أنزل الله لدى الأجيال الناشئة.

• يتفاجأ المجتمع بين الفينة والأخرى بسلوك وأعمال تصدر من بعض طلاب الحلقات – أحياناً – لا تليق بأهل القرآن وطلابه، وهذا يلقي بظلاله في التنفير من كتاب الله ومن مجالس تعليم كتاب الله. وحين يشب التلاميذ ويكبرون وهم على هذا الحال، فسيكونون مثالاً سيئاً لحامل القرآن. وأذكر أنني وبعض زملائي ذات مرّة وبينما نحن نتنزه على شاطئ البحر الأحمر، رأينا مجموعة من الشباب من المرحلة المتوسطة والثانوية وما فوقها، يطبلون ويتمايلون رقصاً، فقدمنا إليهم منكرين ومبيّنين لهم حرمة ما يفعلون، وكانت المفاجأة أنهم طلاب حلقة قرآنية! ومعهم معلمهم!.. إنها الحلقات حين تخلو من الجانب التربوي.

لقد لمست، من خلال تتبّعي آثار السلف حول تعليم القرآن الكريم؛ تشديداً وحرصاً على ربط التحفيظ والتسميع بالتربية والتأديب والتعليم.. لقد كانوا أنفذ بصيرة في هذا الشأن، وفي كل شؤونهم.

سابعاً: التباين في المخرجات بين التلاميذ في الحلقات التي تربي والحلقات التي لا تربي

من واقع الخبرة في الإشراف على الحلقات، هناك فرقٌ كبير وواضح بين التلاميذ الذين تلقوا تربية في حلقاتهم، والتلاميذ الذين لم يتلقوا تربية بالقدر الكافي في حلقاتهم، من حيث الأدب، والسمت، والاستقامة على منهج القرآن، والمبادرة إلى الطاعات.. بل ثمة فرق أيضاً بينهم في الإبداع، والحفظ، وحسن الأداء، وغير ذلك.

إنه القرآن الكريم، حين تصنع آياته النفس البشرية، فإنها تصهرها وتزكيها، ولا يحتاج إلى شيء إلا إلى معلّم ماهر ومؤدب بارع.. هو من يقوم بصهر التبر ليصنع منه سبائك ذهب تبهج الناظرين.

وقد شهد المجتمع بهذا التباين، وشهدت المدارس بوجوده، وأصبح شيئاً ظاهراً.

ثامناً: حاجتنا في هذا الزمن إلى التربية أشد من ذي قبل

إذا كان السلف الصالح - رحمهم الله ورضي عنهم - قد حرصوا أشد الحرص على المنهجية المتكاملة في تعليم القرآن، والتي تجمع بين الحفظ والفهم والعمل، لما لها من أثر، ولما في التفريط فيها من خطورة.. فإننا في هذا الوقت أشد حاجة، بل الحاجة ملحّة، حيث كثرت وتنوعت قنوات التواصل مع التلميذ، وكثيرها غير منضبط، واتسعت رقعة التوجيه السلبي، فأصبح لزاماً على كل المحاضن الشبابية أن تقدم دوراً تربوياً وجهداً قيميّاً يحفر في النشء مفاهيم الإسلام ويربيهم عليها.

ثم إن هذا النشء أحوج ما يكون إلى أن يتلقى توجيهاً سلفياً على منهاج النبوة، يتحرزون به من الفكر الغالي، ويتحصنون به من الأفكار الهدامة والمذاهب الإباحية.

ضخٌّ هائل، على مدار الساعة، مليء بالشبه والأفكار الدخيلة والثقافات الأجنبية، يراد منه صياغة جيل لا يحمل من الإسلام إلا اسمه، ولا يعرف من القرآن إلا رسمه، يزيح الدين عن شؤون الحياة ويقترف الآثام بحجة (إن الله غفور رحيم).. وعلى معلمي الحلقات – كغيرهم – أن يكونوا سداً منيعاً ضد هذا الوافد، وجبهة مقاومة وممانعة ضد هذا الدخيل.

وإن تأصيل مبدأ الاسترشاد بالقرآن وجعله مصدر هداية في نفوس الناشئة، لمن أهم الواجبات المحتمات على الحلقات القرآنية في هذا الزمان.

تاسعاً: المرحلة العمرية مرحلة تعلّم وتلقي

الأغلبية العظمى من التلاميذ الذين التحقوا بالحلقات القرآنية، هم في مرحلة تعلّم.. في مرحلة تكوين الشخصية وبنائها.. الطفولة والمراهقة.. هذا باب خير ومفتاح خير، وفرصة ثمينة، حيث التربية على كتاب الله في هذه المرحلة أسهل وأعمق من التربية في غيرها من المراحل العمرية.

وإذا كانت المؤسسات الرسمية في الدول تعتني بتطوير تعليمها لهذه المرحلة، وتصرف لأجل ذلك الكثير من المال، وتتيح لتحقيق أهدافها الكثير من الموارد.. فإن معلمي الحلقات والمشرفين عليها هم أولى بهذا التطوير والتجويد؛ لأن بين أيديهم أعظم منهج.

يجب على معلمي القرآن ومشرفي الحلقات أن يطوروا أساليب ومقررات تربيتهم لتلاميذهم على كتاب الله، وألا يأخذوا المسألة على أنها ثانوية.. بل هي أساس.

وإذا أوجدنا المنهج الرائع، وقدمناه للتلاميذ المتهيّئين، فإن الأمل كبير بأن تكون مخرجاتنا جواهر آدمية، وجديرة بأن تكون قرآناً يمشي على الأرض.

عاشراً: التربية على القرآن لها دورها الكبير في وحدة المجتمع وانسجامه

التربية على هدي القرآن أعظم مؤثر في وحدة المجتمع، "فالتربية على الأخلاق الإسلامية والآداب القرآنية في بيئات الحلقات القرآنية، تقوي انتماء الفرد لمجتمعه وتحقق له الأمن والأمان والطمأنينة النفسية في الحلقات القرآنية، حيث يتعلّم الأخوّة والإيثار والعدل والأمانة وغير ذلك من القيم الإسلامية التي يشعر معها بالأمان، وهذا يجعله يعمم هذا الشعور الإيجابي لدى الناس، فيحب لهم ما يحب لنفسه، ومن ثم يتعاون معهم، ويكون عطوفاً على الآخرين.

إن التربية في الحلقات القرآنية تقوي التواصل بين طلابها والمجتمع؛ لأن تعاليم القرآن تؤكد التواصل بين الناس وتوثيق الروابط بينهم وإشاعة المودّة والحب والتعاون وإبعاد عوامل الشقاق والتقاطع والتدابر، وهذا ما يحتاج إليه المجتمع البشري في كل زمان ومكان، وتزداد الحاجة إليه في واقعنا المعاصر الذي سادت فيه قيم الحضارة الغربية وطغيان المادة في حياة الناس، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103][16].

حادي عشر: التربية على القرآن لها دورها الكبير في تنمية الطاقات وعمارة الأرض

حيث التوجيهات الربانية التي حثت على عمارة الأرض واستثمار الطاقات بما ينفع عند الله في الدارين. ولا أدلّ على ذلك من التغيّر الهائل الذي أحدثه القرآن في نفوس تلك الثلة المؤمنة التي صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فتحوّلت من عبّاد للأصنام مختلي التفكير محبطي الهمم، إلى قادة للأمم تصنع الممالك والأمصار، وتنشر العدل، وتبعث الحياة في الناس.. ربع قرن من الزمان، هو الوقت الذي استغرقته التربية القرآنية لصناعة حضارة تهتم بالإنسان وتصنعه وترفعه.

إن التوجيهات القرآنية إذا تلقاها التلميذ عبر منهج تربوي مقصود، تبعث الطاقات المتنوعة والتي أوجدها الله في كل إنسان، بما يناسبه، وكل ميسّر لما خُلق له، حيث حثت على العمل الصالح بمعناه العام، وحثت على فعل الخير بمعناه الشامل.. فتُبنى شخصية التلميذ على العمل والمبادرة والمثابرة واستثمار الوقت، ما سيؤثر على مستوى النهوض بالأفراد والأمة.

إن التوجيهات القرآنية إذا تلقاها التلميذ عبر منهج تربوي مقصود، تفتح عقله، وتنمي فيه كل أساليب التفكير الإيجابي وأنماطه، وتكسبه منهجية علمية سليمة، فهو ناقد ومبدع ومحلل.. تنمي فيه مهارة الاستذكار والحفظ، فهو حافظ متقن.

إن التوجيهات القرآنية إذا تلقاها التلميذ عبر منهج تربوي مقصود، تحثه على الإسهام في بناء الحضارة، وتبني فيه حسّ المسؤولية الحضارية وعمارة الأرض ورفاهية الناس الروحية، فيصبح بانياً للإنسان وحضارته.

ثاني عشر: التربية على هدي القرآن لها أثرها في حماية المجتمع

التربية على هدي القرآن في الحلقات القرآنية لها أثرها في حماية المجتمع من الجنوح والجريمة، "وبهذا يتحقق القول: افتح حلقة قرآنية تغلق سجناً. ولو تتبعنا السيرة الذاتية للجانحين والمجرمين في دور الرعاية الاجتماعية والسجون فسنجد أن الملتحقين بالحلقات القرآنية لا وجود لهم غالباً ضمن قائمتهم"[17].

وفي دراسة ميدانية حول أثر حلقات القرآن الكريم في تقويم سلوك السجناء، أعدها الباحث: سليمان العقيل 1422هـ؛ خرج الباحث بعدة نتائج، منها:

- أن 82% من المنتمين للحلقات وجدوا أن الحلقات غيّرت مواقفهم من أشياء معيّنة وأعادت تصحيح مسار حياتهم.

- أن 91.6% من المنتمين للحلقات واظبوا على قراءة القرآن واستغلال وقت الفراغ، بل إن 89.2% يرغبون حفظ القرآن كاملاً[18].

والتربية على هدي القرآن في الحلقات القرآنية لها أثرها في حماية المجتمع من العدو الأجنبي، حيث تنص تعاليم القرآن على ضرورة الاجتماع وعدم التفرق، وتوفّر منهجاً سليماً في التعامل مع الأعداء يتفق الجميع عليه، وبالتالي سيكون هذا المجتمع الذي تربى على هدي القرآن وتعاليمه صفاً واحداً لا يستطيع العدو اختراقه، لا فكرياً ولا عسكرياً.

 

:: مجلة البيان العدد 316 ذو الحجة 1434هـ، أكتوبر – نوفمبر  2013م.


[1] سير أعلام النبلاء 4/269.

[2] تفسير ابن كثير 1/226.

[3] مجموع الفتاوى 7/167.

[4] أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، 1/554، رقم 805.

[5] الجامع لأحكام القرآن 18/62 .

[6] أخرجه البخاري، كتاب التعبير، 4/310، رقم 7047.

[7] أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، 1/426، رقم 1386.

[8] تفسير ابن كثير 1/166.

[9] أخلاق حملة القرآن، الآجري، ص 37.

[10] الزهد لابن المبارك ص 276 .

[11] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/39 .

[12] صحيح الترغيب والترهيب 1/248 رقم 325.

[13] صحيح الترغيب والترهيب 1/248 رقم 322.

[14] صحيح الترغيب والترهيب 1/ 251 رقم 327.

[15] أخرجه مسلم 4/2047 رقم 2699 باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.

[16] أثر الحلقات القرآنية في تحقيق الأمن الاجتماعي ص 14.

[17] أثر الحلقات القرآنية في تحقيق الأمن الاجتماعي ص 13.

[18] انظر: علاقة التحاق الطالب بحلقة تحفيظ القرآن الكريم ببعض المتغيرات التربوية، دراسة ميدانية، ص 82.