لستُ هنا بصدد بيان مفهوم الليبرالية أو تحديد أُطرها الأيديولوجية بقدر ما سأعنى بتقييم واقعها الفعلي في مصر فيما بعد ثورة يناير ثم فيما بعد الانقلاب العسكري؛ لأن الأمر لا يستحق الإيغال في هذه الجدالات اللفظية العقيمة إذا كان الواقع قد فرض نفسه على نحو معين يستحق التأمل والدراسة والنقد والكشف عن الأوهام المؤسسة لهذا الواقع.

فقد انطلق الليبراليون في مصر بعد انتصار ثورة يناير من مبادئ وتصورات تقوم على عدة مضامين، أهمها: حماية حريات المواطنين بجميع أشكالها العقدية والاجتماعية والجنسية، كفالة العدل الاجتماعي القائم على توزيع الثروة توزيعاً عادلاً، تمكين الكفاءات العلمية والعملية من المناصب، واحترام القانون وأحكام القضاء.

انطلقوا يؤصّلون لهذه المبادئ والتصورات في مناظراتهم ومحاضراتهم ومقالاتهم في الصحافة والإعلام على نطاق واسع لم يكن ليُسمح لهم بالتمدد فيه ولا في شبر منه على مدار تاريخ الدولة المصرية، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حين اعتبروا ناقديهم ومخالفيهم أعداء التحرر ودعاة الاستبداد، مناهضي العدل ودعاة الظلم والجور ومنتهكي القانون.

حقاً استطاع الليبراليون تسويق رؤيتهم وخداع جموع الشعب المصري بالمُثل العليا التي ما برحوا يروجون لها ويزينونها للناس ويدافعون عنها، زاعمين أن الليبرالية هي الأفق النظري والفلسفي الذي طالما نزعت البشرية نحوه والذي لا يوجد بديل عنه في أي نظام ديمقراطي، وقد حدث هذا بمساعدة عاملين:

الأول: الآلة الإعلامية التي ساعدتهم على الترويج لأفكارهم وتعظيم رموزهم مع النيل من مخالفيهم والتشنيع عليهم بالشائعات وتعظيم الأخطاء.

الثاني: النظام الحاكم نفسه الذي كان مارس الليبرالية معهم، فحررهم من كل قيد، وأطلق لهم عنان الحركة والمعارضة بكل الوسائل مهما كانت خستها ودناءتها ومهما انطوت استهزاء وسخرية ومخالفة للقانون، بل سعى جاهداً للتعاون معهم وهم الذين دأبوا على التخريب والتأليب.

حتى وقع ما خططوا له مع أصحاب المصالح من الفاسدين والمنحرفين أتباع النظام القديم “الفلول”، فحدث الانقلاب العسكري ووقع المحظور، وقتل المصريون مصريين آخرين بأبشع الوسائل وأدوات القتل بلا أدنى رحمة، وتلوثت الأيدي بالدماء الكثيرة حتى أصبح من العسير حصر أعداد الضحايا وأعداد الأسر التي فقدت إما أباً لها أو أماً أو ابناً أو ابنةً.

ورغم ما لحق بالإسلاميين من خسائر في الأرواح والأموال والحقوق والحريات ومكتسبات ثورة يناير، إلا أن خسائر الليبرالية كانت أعظم وأفدح؛ فقد سقطت الليبرالية كليةً، وكان سقوطها سقوطاً مخزياً، فقد انكشفت مبادئها المضطربة، وانكشفت تصوراتها الخاطئة، وأيديولوجيتها المعيبة المشوهة.. عشرات الأخطاء وعشرات الانحرافات الخطيرة في شتى ممارساتها ومساحات عملها ونشاطها فيما بعد الانقلاب العسكري، لا في الحياة السياسية فحسب، بل تجاه الإنسان ومعالجة وجوده، وتجاه مصيره وصياغة هذا المصير بما ينسجم وإنسانيته وآدميته.

يمكننا أن نبرز أهم مظاهر سقوط الليبرالية في مصر في النقاط التالية:

- تبيّن للعالم والشعوب المحايدة الفرق بين حكم الإسلاميين الذين يجتهدون في رعاية الحريات وصيانتها ويحترمون الآراء المخالفة ويسعون جاهدين لاحتوائها، والحكم الليبرالي المزعوم الذي ينتهك الحقوق ويُهدر الحريات ويقمع الآراء المخالفة بالقتل والاعتقال وتلفيق الاتهامات، بل لا يجد أي غضاضة أو حرج في تبرير ممارسته القمعية غير الآدمية.

-  تبيّن أن الليبراليين لا يجدون أي غضاضة أو حرج في التعاون مع أصحاب المصالح من الفاسدين والمنحرفين وظيفياًالفلولوالاستعانة بهم في الحكم على جميع المستويات الوظيفية، بما لا يُمكن معه بحال من الأحوال تحقيق العدل الاجتماعي المزعوم، إذ لا سبيل للعدل الاجتماعي القائم على توزيع الثروة توزيعاً عادلاً إلا بمكافحة الفساد والحد منه وتقليل فرص انتشاره.

وقد بدت أعظم مظاهر الزيجة بين الليبرالية وأصحاب المصالح في المجال الإعلامي الذي يسيطر عليه من الناحية المادية أصحاب المصالح من أتباع النظام القديمالفلول، بينما يُديره ويسيطر عليه من الناحية الفكرية بعض الإعلاميين الليبراليين الذين لم يجدوا أي غضاضة في استخدام الكذب والشائعات وشتى الوسائل الخسيسة والدنيئة لترويج فكرهم والنيل من مخالفيهم وتحويل الإنجازات إلى انتكاسات وتعظيم أخطائهم بل وتبرير قتلهم وانتهاك حقوقهم.

وقد تبيّن بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يوجد أبداً ما يسمى الإعلام المحايد، بل هو موجه دائماً وأبداً كسلاح للتأثير على الناس، وهو السلاح الأهم في المعركة الفكرية بين الإسلام والليبرالية.

انكشفت الازدواجية الخطيرة للزعامة الليبرالية، حيث تبيّن أن الذين يبلغون أعلى المناصب منهم غارقون - في الوقت ذاته - لأبعد حد في أدنى وأحطّ المستويات اللاأخلاقية واللاإنسانية، ومن ثمَّ فقد انقطعت الصلات العملية بين وجودهم الفعلي والتغيير الذي لطالما دعوا إليه، وأصبح وجودهم الفعلي محض وجود نفعي استغلالي يقربهم كثيراً جداً من الفاسدين والمنحرفينالفلول”.

أكثر منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان المزعومة التي كانت تقوم أنشطتها على أساس ليبرالي فيما تزعم؛ تبيّن أنها لا تعمل لصالح الشعب والمجتمع المدني، بل تعمل لحساب أجندات داخلية وخارجية بعينها، وليس لها أي علاقة بحريات المواطنين وبحقوق الإنسان إلا فيما يخدم مصالحها فحسب.

فشل النظام الليبرالي أو العلماني بصفة عامة في إقامة الديمقراطية، بل في مواجهة كل التحديات الحضارية التي واجهتها منذ ثورة يناير، وقد تأكد للجميع أن الديمقراطية - عند الليبراليين - ما هي إلا محض وسيلة يستخدمونها لخداع الشعوب للسيطرة على الحكم ومقاليد الأمور، حتى إذا جاءت بخسارتهم انقلبوا عليها وتمردوا؛ لأن الليبرالية السياسية في الحقيقة نظام ديكتاتوري إقصائي متعنّت غير قابل على التعايش مع الإسلاميين ولو كان الدين مطلباً شعبياً للجماهير، فإبعاد الدين والإسلاميين عن الحكم شرط أساسي لقبول الديمقراطية، بل الأمر أسوأ من ذلك، إذ لا يمكن القبول بالمعارضة الإسلامية ومشاركتها في العملية السياسية إلا بقبول الأخيرةروشتةالليبرالية السياسية ورضوخها لها تماماً، أي أن تكون مجرد معارضة شكلية لاستكمال الشكل الديمقراطي المزعوم.

وفي التاريخ شواهد كثيرة على ما ذكرت، فلم تكن مصر الدولة الوحيدة التي عانت الاضطهاد الديكتاتوري العلماني، بل سبقتها تركيا والجزائر، والحركة الإسلامية في تونس قديماً.

وعلى النقيض من ذلك فقد أكدت الحركة الإسلامية في خطها العريض أن لديها رؤية شاملة وقدرة فعلية على احتواء الآخر وقبول معارضة سياسية حقيقية.

هذه بعض مظاهر سقوط الليبرالية والعلمانية المصرية، وهي في ذات الوقت أهم فوائد الإسلاميين من الانقلاب العسكري، وهي غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير، وإذا صدق ظني فإن الجنوح العلماني الديكتاتوري الدموي الذي اجتاح مصر سيكون ذا تأثير كبير على هزيمة العلمانية العالمية في الجولة الثانية من معركتها مع الإسلام، بعدما نالت المادية منها ما نالت في الجولة الأولى من المعركة، حتى قال بعض الباحثين الغربيين بحتمية سقوطها.

::ملف خاص-  الإرادة المصرية... وحكم العسكر

:: مجلة البيان العدد 316 ذو الحجة 1434هـ، أكتوبر – نوفمبر  2013م.