لا أحد ينكر الدور الذي لعبه الإعلام في التقلبات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية وما زالت، وربما كانت منظومات التواصل الجماهيري (تلفزيون، وإنترنت) الأكثر تأثيراً في صناعة الرأي العام وتغيير المزاج الجماهيري وقولبته على النحو الذي يسعى إليه مستخدمو هذه الأجهزة، أو بصورة أدق المسيطرون عليها ومالكوها.. لقد أصبحت الشاشة أداة مركزية تتجاوز كونها وسيلة اتصال أو تواصل أو تختزل في مجرد قنوات تقدم برامج للتسلية والتثقيف لتصبح أدوات للضبط والتحكم السياسي والاجتماعي تؤثر في الأفراد والجماعات وتزيّف وعيهم وسلوكهم.. لقد تحولت الصورة إلى سلطة حقيقية من يملكها يصبح السيد الحقيقي، أو كما يقول ريجيس دوبراي «فإن سيد الصورة هو سيد البلاد».. ومثلما كان للصورة التي روّجها الإعلام البديل (الإنترنت) دور مركزي في خلخلة منظومات استبدادية والإطاحة بها أحياناً، فقد لعبت أدوات الاتصال الجماهيري دوراً مركزياً في خدمة القوى الاجتماعية والمالية المهيمنة من أجل إعادة السيطرة على العقول واستعادة السيطرة على البلد في لحظة موالية، وهو أمر يمكن أن نلاحظه من خلال الدور الذي لعبته أجهزة الإعلام في التهيئة للانقلاب المصري، أو في إثارة الاضطراب في تونس، وقبلها كان لها دور مماثل في التحريض على الانتفاضات والثورات.

تاريخياً ومنذ ظهور التلفزيون أدرك أصحاب السلطان والنفوذ أهميته ودوره بوصفه وسيطاً قادراً على الإقناع والإيهام والخداع، وتكمن قوته في أنه يسبك الرأي ويقولبه حسب صياغة خاصة، وهو ما جعل الأنظمة الشمولية تحرص على السيطرة على هذه الأجهزة، غير أن الثورة التقنية الحديثة جعلت من إمكانية السيطرة على الدفق الإعلامي المتواصل أمراً مستحيلاً، وهو الأمر الذي دفع القوى المتنفّذة إلى وضع استراتيجيات جديدة للسيطرة والتلاعب بالعقول وإبقائها تحت حالة من التلقي السلبي والخضوع للتوجيه بحسب مصالح وإرادة أصحاب النفوذ والسيطرة.

دور الإعلام في الثورة والثورة المضادة

يؤكد ريجيس دوبراي أننا نعيش عصر الشاشة، حيث أصبحت الصورة متداولة، فضلاً عن اكتسابها سمة جديدة هي الحركة باختراع التلفزيون والحاسوب والأقمار الصناعية، وأصبح تأثيرها أعمق وأشد؛ فهي تفرض إيماناً مطلقاً بحقيقة خطابها، فقد تحولت الصورة إلى كيان مرجعي قائم الذات يستمد قيمته من ذاته ولا يحيل إلى شيء آخر، فلا أحد ينكر مثلاً الدور الذي لعبته صور ضحايا الاستبداد في التحريض على الثورة ضد الأنظمة (صورة البوعزيزي وهو يحترق بنار الاحتجاج على المظلمة، أو صورة خالد سعيد الذي تحمّل آثار التعذيب المعبّر عن طغيان السلطة ووحشيتها).. وأثناء الثورة كان للفيسبوك دوره المركزي في نشر الصور والفيديوهات التي تنقل معاناة جماهير الناس وتتابع تحركاتهم في الشارع، إضافة إلى الدور المركزي الذي لعبته قناة مثل الجزيرة في تغطية التحركات الشعبية والصدامات الدموية في الشوارع أثناء الثورات، وهو ما أفضى في النهاية إلى سقوط بعض الحكام بشكل أو بآخر.

إن الصورة خلافاً للكلمة لا تتطلب مجهوداً كبيراً في التلقي، فالصورة جذابة وساحرة ورسالتها متضمنة فيها، وهو ما حولها إلى أداة تعبئة وتحفيز؛ إما على الموت (فيديوهات القاعدة التي تروج لبطولات منتسبيها)، وهي المحرض الأكبر أيضا على الثورة (دور وسائل التواصل الجماهيري في الثورات العربية المجتزئة)؛ أو على الاستهلاك والمتعة (الإشهار) أو الأداة الكبرى للتخدير في كل بقاع العالم، بل تحولت بعض الشاشات إلى مصدر لنفوذ بعض الدول وسطوتها (مثال الجزيرة التي حوّلت قطر إلى فاعل مؤثر في المشهد الإقليمي والدولي، أو ما تلعبه قناة العربية في الترويج لرؤى أنظمة شمولية تتناسق مواقفها مع الرؤية الأمريكية إلى حد التطابق).

لقد تفطن أصحاب المصالح ممن تضرر من الثورات العربية الحاصلة، إلى أهمية الصورة وسلطة الشاشات، فالأزمنة المعاصرة هي زمن حكم الصورة أو سلطة الشاشة، ومن هنا كانت الحملات المنظمة للتهيئة للإطاحة بالأوضاع الناشئة إثر التحولات السياسية الجزئية في بعض الدول العربية؛ تعتمد القنوات التلفزيونية أداة لتزييف الوعي وقولبة العقول، فهناك نسبة مهمة من الأفراد ممن لا يقرؤون الصحف أولئك الذين وهبوا أنفسهم جسداً وروحاً للتلفزيون كمصدر وحيد للمعلومات؛ كانوا هم الهدف المركزي لعملية إعادة تشكيل الوعي، وكما يقول بيار بورديو «إن التلفزيون يمارس نوعاً من العنف الرمزي، وهو عنف يمارس بتواطؤ ضمني من قبل هؤلاء الذين يخضعون له وأولئك الذين يمارسونه بالقدر الذي يكون فيه أولئك كما هؤلاء غير واعين بممارسة هذا العنف أو الخضوع له».

ويمكن في هذا المجال إيراد جملة من النماذج للتلاعب الإعلامي الذي تعرض له المتلقي في دول الثورات العربية، وتخصيصاً مصر وتونس، (بوصفهما النموذج الأولي للتحولات الطارئة):

سعت القنوات التلفزيونية في إطار حربها على الأوضاع الجديدة (حكم مرسي في مصر والترويكا في تونس)؛ إلى دفع الأمور نحو إضفاء طابع الدراما بمعنى مزدوج، حيث تضع في المشهد واقعة أو حدثاً ثم تقوم بالمبالغة في أهميتها وفي صفاتها الدرامية (حادثة حمادة المسحول كما تناولها الإعلام المصري من أجل شيطنة نظام حكم مرسي، حيث تحول الشخص موضوع الحدث إلى صورة إعلامية متكررة تحمل مواصفات الحدث الدرامي الذي يستفز وجدان المتلقي ويثير خيالاته في العودة إلى زمن الاستبداد، وهو ذات ما عمدت إليه قناة التونسية مثلاً في حديثها عن الظاهرة السلفية والترويج لخرافات إعلامية من قبيل إمارة سجنان (مدينة تونسية)، حيث تم تصوير الأمر على أنه يشكل لحظة فارقة في دخول البلاد التونسية زمن الفوضى والإرهاب).

استخدام السخرية من النظام الناشئ، ورغم أن البرامج الساخرة ليست أمراً جديداً في الدول الديمقراطية العريقة، غير أنها في دول مثل تونس ومصر مثلت لحظة للإطاحة بهيبة الحاكم الجديد، خاصة ونحن أمام مجتمع ما زال قسم كبير منه يؤمن بهيبة صاحب السلطة. ويمكن في هذا الإطار ذكر برنامج باسم يوسف الذي تفنّن في السخرية من الرئيس إلى حد الابتذال والإطاحة بمنظومة القيم التي جعلت المتلقي العادي لا يرى في الحاكم الجديد سوى دمية لا يمكنها إدارة البلد، (والغريب هو توقف البرنامج بعد الانقلاب)، وهو أمر له شبيه في تونس من خلال فقرة كوميدية عُرفت باسم «اللوجيك السياسي»، والتي جعلت هدفها استصغار الحكام الجدد وتحويلهم إلى مادة للتندر والسخرية خارج ضوابط السياسة، بمعنى أن تكون السخرية تتعلق بذات الشخص وهيئته قبل السخرية من نمط ممارسته الحكم.

الندوات الزائفة، وهي برامج حوارية تضم ضيوفاً دائمين، والواقع أن مثل هذه البرامج التي تضم المدعوين الدائمين، هي عالم مغلق على الذين يعرف بعضهم بعضاً، عالم يعمل وفق منطق «الدعم الذاتي» المستمر، حيث تبدو هذه الندوات في ظاهرها ندوات حقيقية، لكنها حقيقية بطريقة زائفة، ومن أبرز نماذجها في تونس: برنامج «ناس نسمة نيوز»، أو البرامج التي يقدمها عمرو أديب أو خيري رمضان أو وائل الإبراشي في مصر، حيث يتحدث مقدمو البرامج بخفة دون مراعاة لخطورة ما يقدمونه ولا عن المسؤوليات التي يتحمّلونها نتيجة ما يقدمونه للآلاف من المشاهدين دون فهم، (أحد المقدمين تحدث عن دور الإخوان المسلمين في سقوط الأندلس على سبيل الذكر، أو الحديث عن آلاف الجثث تحت ميدان رابعة اغتالهم المعتصمون)، ومثل هذه الكلمات تخلق الأشياء وتخلق التصورات والتخيلات الخادعة، وتحدِث الخوف، وتؤدي إلى الهلع والرهبة. وهذه القدرة على الاستدعاء لمعان خطيرة لها تأثيرات ونتائج تعبوية، (بالطبع استعداداً للحظة إثارة الناس ضد الحكم القائم، وهو ما سيتجلى فيما بعد الانقلاب عندما تم فض الاعتصام بدموية غاية في الوحشية).

الدور الذي يلعبه مقدم البرنامج وهو دور يصدم مشاهد التلفزيون دوماً، حيث يقوم المقدم بتدخلات حاسمة يفرض من خلالها الموضوع ويفرض الإشكالية، وهي في غالب الوقت إشكالية بلا معنى، وهو من يفرض قواعد اللعبة، وهي قواعد ذات أشكال متغيرة، فهي ليست القواعد نفسها عندما يكون المتحدث من الطرف الآخر الذي يريد المقدم تقزيمه، ومثالها في برنامج التاسعة مساء بقناة التونسية تم استدعاء أحد الأشخاص حاملاً كفنه مهدداً وزير الداخلية (المنتمي لحركة النهضة) على المباشر، إضافة إلى طريقة التأثير الضمني (الحديث بلا كلمات) الذي يتم أثناء الحوار عن طريق النظرات، الصمت، الإشارات، الإيماءات، وحركات العيون، وصولاً إلى نبرات الصوت، (جافة مع الخصوم ولينة مع الطرف الذي يريد المقدم الانتصار له).. ويذكر الجميع طريقة الحوار غير اللائقة التي حاور بها مذيعو التلفزيون المصري الرئيس محمد مرسي في حينه، أو حالة الخضوع والتذلل التي أبداها مقدم برنامج التاسعة مساء وهو يتحدث مع الباجي قايد السبسي، وهو يقول «حاضر سي الباجي»، والتي تحولت فيما بعد إلى نكتة على صفحات التواصل الاجتماعي.

يقدم بعض المذيعين أنفسهم بوصفهم متحدثين باسم الجمهور لمخاطبة الطرف الآخر بنوع من الاستخفاف وصولاً إلى الوقاحة، (إلى الحد الذي وصل فيه عمرو أديب إلى توجيه الخطاب للرئيس مرسي بالقول «يا كافر»، أو تلك المبالغة في الإيحاءات غير الأخلاقية التي قام بها بعض مقدمي البرامج في القنوات المصرية تعليقاً على حديث الرئيس مرسي عن الأصابع التي تتلاعب بالأمن القومي المصري).

إن كل هذه الملامح العامة للخطاب الإعلامي في تونس ومصر تكشف أن الهدف منها لم يكن بريئاً ولا محايداً، وإنما كان تحريضياً يستهدف التلاعب بعقول المشاهدين وصولاً إلى تعبئتهم للتمرد والخروج للإطاحة بأسس النظام الديمقراطي الناشئ. وما ينبغي ملاحظته أخيراً أن النقد الموجه للأطراف الإعلامية المناوئة للتحول الديمقراطي الحاصل في تونس ومصر؛ لا يعني براءة الطرف الآخر أو غياب وسائله الإعلامية عن لعبة التعبئة والتأثير، لكن التركيز على الطرف الأول ناجم عن كونه يقدم خطاباً سعى من خلاله إلى تقويض التجربة الديمقراطية الناشئة، وانتهى بانقلاب دموي في مصر وبالتحريض على الفوضى في تونس وبصمت مطلق على جرائم حاصلة كان قد قدم لها الإعلام تبريراً، مواصلاً تلاعبه بالعقول، مستغلاً سيطرته على الشاشات، وكما يقول ريجيس دوبراي «إن عصر الشاشة حين يغدو مسيطراً أينما كنا ستكون فضيلته الفساد ومنطلقه الامتثالية وأفقه عدمية مكتملة».

:: مجلة البيان العدد 316 ذو الحجة 1434هـ، أكتوبر – نوفمبر  2013م.


[1] «المتلاعبون بالعقول» عنوان كتاب صدر عن طريق سلسلة عالم المعرفة عدد 243 التي تصدر من الكويت، وهو ترجمة لكتاب (Mind Managers) من تأليف هربرت شيللر، ونشر عام 1973م. يتكلم الكتاب عن التضليل الإعلامي والوعي المعلب وصناعة المعرفة في الولايات المتحدة الأمريكية وكيف يتم التحكم في الرأي العام. يعتقد شيللر أن صناعة التلاعب بالعقول تتم عن طريق خمس أساطير جرى ترويجها بعناية وذكاء، حتى باتت تلك الأساطير تشكل الإطار التضليلي الذي يوهم عقولنا بادعاء الحقيقة، وتتمثل هذه الأساطير التي تسيطر على الساحة الإعلامية بوصفها حقائق في (الفردية والاختيار الشخصي، الحياد، الطبيعة الإنسانية الثابتة، غياب الصراع الاجتماعي، والتعددية الإعلامية) (مجلة البيان).