مما لا شك فيه أنه عند البحث عن الجذور التاريخية لأصل الشيعة ونشأتهم، فهي كغيرها من الفرق التي خرجت على منهج أهل السنة والجماعة؛ خضعت لتأثيرات أجنبية مختلفة: مجوسية، ويهودية، ومسيحية، وغنوصية.

وبناء على ما تقدم من الضروري بمكان الاطلاع على أفكار المستشرقين فيما يخص النظريات التي قيلت حول أصل ونشأة التشيّع؛ لأن كتّاب الشيعة يعتقدون أن غالبية آراء المستشرقين عن الشيعة جاءت وَفق رؤية أهل السنة! دون الالتفات إلى مناهجهم وأساليبهم في دراسة الفرق والحركات المهرطقة (أصحاب البدع) استناداً إلى مصادر الملل والنحل لأهل السنة والشيعة على حد سواء، فضلاً عن التطور التاريخي في العقائد الشيعية وانتحالها الأفكار الوثنية الإغريقية والمجوسية، وهذا ما جعله يحمل بين ثناياه الكثير من الأفكار الشرقية القديمة التي حلّت محل بعض الأفكار الإسلامية، على حد تعبير المستشرق السويسري آدم ميتز.

ومن جانب آخر، فإن كتّاب الشيعة يثمنون عالياً كتابات بعض المستشرقين ويعدونهم رواداً في مجال التشيع والعرفان، أمثال الفرنسيين لويس ماسينيون وهنري كوربان؛ لأنهم عدوا ولاية علي وأبنائه هي النبوة الباطنية، بعكس النبوة الحقيقية على أنها ظاهرية فقط. في الوقت الذي يهاجمون فيه كتابات جوبينيو وفون كريمر وفريدلاندر وكولدزيهر ومارجليوث وبروكلمان؛ لأنهم شككوا في أهم سند يعتمدون عليه في الترويج لعقيدتهم، وهو الوصية المزعومة يوم (غدير خم)، أي أنهم انتقائيـون في اختيار المستشرقين الذين تروق كتاباتهم لما يعزز أركان عقيدتهم في الوصية والإمامة، دون الالتفات إلى كتابات المستشرقين الذين يهاجمون القرآن الكريم والسنة النبوية والتاريخ الإسلامي.

فقد كتب المستشرق النمساوي فون كريمر في عام 1868م عن التعصب المفرط للشيعة وعدم تحمّلهم لغيرهم من أتباع الطائفة المحمدية، وبالمثل اعتبر المستشرق المجري اليهودي كولدزيهر المتوفى سنة 1921م "حرص الشيعة على عدم الاحتكاك بالآخر المختلف ديناً وعقيدة خوفاً من نجاسته بمثابة استمرار للتقاليد الزرادشتية واليهودية".

ويضيف كولدزيهر في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام) بهذا الصدد: ”إن الشيعة كانت على وجه الدقة المنطقة التي نبتت فيها جراثيم السخافات التي حللَت وقضت على نظرية الألوهية في الإسلام”.

لذلك من الأهمية بمكان التطرق إلى هذه النظريات لمعرفة التطور التاريخي في نشأة التشيّع وتبلورها من فكرة إلى حزب سياسي وفرقة ومن ثم طائفة لها رؤيتها الخاصة تدريجياً لما حدث في التاريخ، وفي نظرهم أن التاريخ الخارجي للمسلمين تاريخ السلطة السياسية (= الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والعثمانيون) -؛ مختلف عن التاريخ الداخلي الحقيقي، الذي هو في نظر الشيعة المحافظة على الحقيقة التي كشف عنها الأئمة المتتابعون، وتم نقلها حسب نظرية الإمامة التي تطورت تدريجياً ابتداءً من القرن الثالث الهجري.. ومن هذه النظريات:

أولاً: القائلون بالأصل الفارسي

حاول عدد من المستشرقين الأوروبيين: جوبيينو الفرنسي، وإدوارد البريطاني، والفرنسي دار مستتر، والإيطالي جويدي، والهولنديون دوزي وأوجست ملّر وفون كريمر؛ ربط التشيع بأصل فارسي، فيذهب جوبينو ومعه براون إلى أن العقيدة المتعلقة بالحق الإلهي التي أودعت في الأسرة الساسانية، كانت ذا أثر عظيم في تاريخ الفرس والتشيع، فلقد جاءت فكرة انتخاب الخليفة متماشية مع ديمقراطية العرب، غير أنها لا يمكن أن تظهر في نظر الفرس إلا بمظهر ثوري غير مطابق لطبيعة الأشياء، ويبرر هذه النقطة المستشرق الدانماركي كريستنسن المتوفى سنة 1945م في كتابه القيّم (إيران في عهد الساسانيين)، بقوله: “إن الديمقراطية التي أدخلها الإسلام في إيران هي السبب في تدهور النظام الإيراني القديم (نظام الطبقات)، فقد أدت إلى القضاء تدريجياً ونهائياً على طبقات الأشراف، بعدها يعلق كريستنسن بأن طبقات الأشراف الإيرانيين كانت أساس الحضارة في العهد الساساني وضُيّعت الصفات التي كانت تميزهم عن غيرهم.

يقول الدبلوماسي الفرنسي جوزيف آرثر جوبينيو الذي خدم كدبلوماسي فرنسي في إيران منتصف القرن التاسع عشر: ”إن الملالي الفرس حاولوا من خلال التشيع الاحتفاظ بصور القديسين في الديانات الفارسية القديمة؛ حتى لا يفقدوا امتيازاتهم، لأنهم الورثة الشرعيون للكهنة الزرادشتيين، وأن كافة المنظومة الشيعية ليست سوى تلفيقاً جيد التنظيم لاستعادة نفوذهم، وشكلاً من أشكال الاعتراض المبطن على الغزو العربي لأراضيهم“.

أما المستشرق الهولندي دوزي المتوفى سنة 1883م، فهو يذكر بهذا الصدد: “كانت الشيعة في حقيقتها فرقة فارسية، وفيها يظهر أجلى ما يظهر ذلك الفارق بين الجنس العربي الذي يحب الحرية، وبين الجنس الفارسي الذي اعتاد الخضوع كالعبيد. كان مبدأ انتخاب خليفة للنبي أمراً غير معهود ولا مفهوم؛ لأنهم لم يعرفوا غير مبدأ الوراثة في الحكم، لهذا اعتقدوا أنه ما دام محمد لم يترك ولداً يرثه، فإن عليّاً هو الذي كان يَجب أن يخلفه، وأن الخلافة يجب أن تكون وراثية في آل علي.. ومن هنا، فإن جميع الخلفاء ما عدا عليّاً كانوا في نظرهم مغتصبين للحكم لا تجب لهم طاعة. وقوّى هذا الاعتقاد عندهم كراهيتهم للحكومة وللسيطرة العربية، فكانوا في الوقت نفسه يلقون بأنظارهم النهمة إلى ثروات سادتهم، وهم قد اعتادوا أيضاً أن يروا في ملوكهم أحفاداً منحدرين من أصلاب الآلهة الدنيا، فنقلوا هذا التوقير الوثني إلى علي بن أبي طالب وذريته. فالطاعة المطلقة للإمام الذي من نسل علي، كانت في نظرهم الواجب الأعلى حتى إذا ما رأى المرء هذا الواجب استطاع بعد ذلك بغير الأئمة أن يفسر سائر الواجبات والتكاليف تفسيراً رمزياً وأن يتجاوزها ويتعدّاها. لقد كان الإمام عندهم هو كل شيء، إنه الله قد صار بشراً، فالخضوع الأعمى المقرون بانتهاك الحرمات ذلك هو الأساس في مذهبهم“.

وعلى نحو مشابه يتحدث المستشرق الألماني أوجست ملر المتوفى سنة 1892م، ويضيف إلى هذا القول: “بأن الفرس كانوا تحت تأثير الأفكار الهندية قبل الإسلام بعهد طويل ويميلون إلى القول بأن الشاهنشاه (= ملك الملوك) هو تجسيد لروح الله التي تنتقل في أصلاب الملوك من الآباء إلى الأبناء“.

ويرى المستشرق الفرنسي دار مستتر: ”أن العناصر الفارسية التي اعتنقت الإسلام ظاهرياً أدخلت في الإسلام الفكرة الهندية الآرية التي تقول بالعائلة الإلهية المختارة، التي تنقل في أصلابها النور الإلهي جيلاً بعد جيل منتهية بـ (الساوسخايانت)، هذه الفكرة أدخلت في الإسلام وتبلورت في آل البيت وشخص علي“.

أما المستشرق الإيطالي جويدي المتوفى سنة 1935م، فيضيف إلى رأي سابقيه القول بأن: “انتشار هذه الأفكار الغالية كان نتيجة حملة دعاية إيرانية ثنوية (= مجوسية) منظمة لهدم الإسلام“.

وبخصوص المستشرق السويدي نيبرغ المتوفى سنة 1974م، فإنه يقول في مقدمة كتابه (الانتصار): ”إن الشيعة كانت محل امتزاج الثنوية بالإسلام خاصة، إذ إن أفكارها من المناسبة لآراء الثنوية ما لا يخفى، مثال ذلك قولها في أئمتها وتجسيمها الذي هو أقرب شيء إلى تجسيم الثنوية، ثم ثبت على كثير من رجالها أنهم جمعوا بين الرفض والزندقة“.

فيما يحاول المستشرق الفرنسي هنري ماسيه المتوفى سنة 1969م، إمساك العصا من الوسط بقوله: “قد يكون هناك فائدة في التذكير بأن المذهب الشيعي ذو أصل عربي (وليس إيرانياً) من الناحية السياسية... دون أن نتكلم عن التفاصيل التي تجعلنا نقبل بوجود تأثيرات زرادشتية وأفلاطونية حديثة ومانوية، الأمر الذي نسب أحياناً إلى المذهب الشيعي أصلاً إيرانياً، وعدا ذلك... فهناك حيث انتشر في تلك البلاد (= إيران) ولم يكن دون تأثير في تجمع الفرس حول المذهب الشيعي، وهو أن الحسين بن علي (شهيد كربلاء) كان قد تزوج ابنة آخر ملك ساساني فارسي (= يزدكرد الثالث)، وكانت قد أسرت أثناء الفتح، وبهذا الحديث استفاد أعقاب علي من شرعية مزدوجة (من بيت الرسالة ومن أسرة ساسان)“.

والظاهر في هذه النظرية أنها اعتمدت على أقوال بعض كتّاب المقالات (الملل والنِحل) ممن صوروا حركات الإيرانيين والشيعة الغلاة (= الذين ألّهوا علياً)، على أنها محاولات احتمت بآل البيت لهدم الإسلام من الداخل، وذلك عن طريق تقويض عقيدته، فيروي المقريزي المتوفى سنة 845 هـ أن: “السبب في خروج أكثر الطوائف عن ديانة الإسلام، أن الفرس كانت من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم (= الدولة الفارسية الساسانية) على أيدي العرب (= المسلمين)، وكانت العرب عند الفرس أقل الأمم خطراً؛ تعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يُظهر الله الحق...“، فرأوا أن كيدهم على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل البيت واستبشاع ظلم علي، ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى. وهذا الرأي أورده ابن حزم من قبل، فقال: “رأوا أن الكيد للمسلمين على الحيلة أنجح، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة آل بيت رسول الله واستشناع ظلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسلكوا بهم مسالك مختلفة حتى أخرجوهم عن الإسلام“.

ثانياً: القائلون بالأصل اليهودي

ومن أشهر القائلين به المستشرق الألماني فلهوزن المتوفى سنة 1918م، الذي بنى نظريته على رواية وردت في الطبري، ويرى لها أصحابها سنداً فيما جاء في كتب المقالات، خاصة ما جاء على لسان الشَّعبي المتوفى سنة 104هـ، وما ذكره الإسفراييني المتوفى سنة 418هـ، وابن حزم المتوفى سنة 456هـ، والشهرستاني المتوفى سنة 548هـ، نقلاً عن الشعبي في قوله: “أحذرك الأهواء المضلة، شرّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة؛ يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، لكن مقتاً بأهل الإسلام وبغياً عليهم، وقد حرقهم علي بن أبي طالب ونفاهم إلى البلدان... ذلك أن محبة الرافضة محبة اليهود. قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يكون الملك إلا في علي بن أبي طالب، وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر وينادي منادٍ من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينزل سبب من السماء. واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة... إلخ“.

وهذا ما دعا المستشرق فريدلاندر إلى سوق العديد من الحجج في دراسته المشهورة بعنوان (عبد الله بن سبأ، مؤسس الشيعة، وأصله اليهودي)، والفكرة قائمة على أن دور عبد الله بن سبأ الرئيسي لم يكن في تأليه علي، بل في إنكار موته قائلاً "إنه لم يمت في الحقيقة، وإنما شبه للناس ذلك، وإنه سيرجع من السحاب". والفكرة أصلها ترجع إلى يهود اليمن وما يقوله الفلاشا في الحبشة من اليهود الذين تصوروا المسيح المنتظر هكذا.

ويؤكد هذا القول (النوبختي الشيعي) المتوفى سنة 310هـ في كتابه (فرق الشيعة) عن أخبار عبد الله بن سبأ بقوله: “وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي عليه السلام أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً عليه السلام وكان يقول على يهوديته في (يوشع بن نون) وصي موسى على نبينا وآله وعليهما السلام بالغلو فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام بمثل ذلك، وهو أول من أشهر القول بفرض إمامة علي عليه السلام وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه". يقول النوبختي: فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهود.

ويتفق معه ابن حزم فيذكر أن: “هؤلاء (الكيسانية) صاروا في سبيل اليهود القائلين بأن ملكي صادق بن عامر.. والعبد الذي وجهه إبراهيم (عليه السلام) ليخطب ريقا بنت بنؤال.. وإلياس (عليه السلام) وفنحاص بن العازار بن هارون (عليه السلام) أحياء إلى اليوم، وهو بهذا يشير إلى العقيدة المشتركة عند الغلاة القائلين بأن الإمام ما مات ولن يموت ولا بد له أن يظهر ليملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً“.

ثالثاً: نظرية الأصل اليهودي - المسيحي المشترك

والقائلون بهذه النظرية جمع من المستشرقين، من أشهرهم: المجري كولدزيهر، والبريطاني فريدلاندر؛ فيرى كولدزيهر أن فكرة الرجعة تسربت إلى الإسلام عن طريق المؤثرات اليهودية - المسيحية، فعند اليهود والنصارى أن النبي إيليا قد رفع إلى السماء وأنه لا بد أن يعود إلى الأرض في آخر الزمان لإقامة دعائم الحق والعدل، ولا شك أن إيليا هو الأنموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين الذين يحيون لا يراهم أحد والذين سيعودون يوماً كمهديين منقذين للعالم“.

أما المستشرق البريطاني فريدلاندر فيرى أن التشيع قد استمد أفكاره الرئيسة من اليهودية من حيث استمد منها فكرة المهدية، واستمد من المسيحية فكرة الموت الظاهري (الدوسيتزم) التي دخلت إلى الدوائر الإسلامية! (= التشيع والتصوف الغالي) بتأثير الديانة المانوية التي نادى بها النبي الإيراني ماني المقتول سنة 276م، الذي مزج بين المجوسية والمسيحية وأعطى هذه الهرطقة (= البدعة) الجديدة شكلاً محدوداً، فالمسيح في هذه العقيدة المانوية ليس له حقيقة واقعة، فحياته كلها ومماته وتعميده وآلامه من أجل التكفير عن خطايا البشر، كل ذلك كان قضية ظاهرية لا حقيقة لها، فالشخص الذي ربط على الصليب في رأيهم لم يكن المسيح بعينه، وإنما كان عميلاً للشيطان الذي أراد أن يوقف نشاط المسيح فربطه المسيح على الصليب عقاباً له على سوء سلوكه، أما المسيح فإنه اختفى وسيعود في المستقبل. وهذا شبيه بما كان يراه الشيعة الغلاة من أن الإمام لم يمت وإنما بدا للناس ذلك، وأنه اختفى وسيعود في الوقت المناسب قبل يوم القيامة؛ لإعادة العدل إلى الأرض بعد أن ملئت جوراً، وإن من مات كان شيطاناً تصور بصورة الإمام.

ويؤكد هذا المفهوم المستشرق هنري ماسيه بقوله: ”... بعض عناصر المذهب الديني الشيعي، وخصوصاً قاعدته الثيوقراطية والاعتقاد برجعة الإمام المختبئ (= المهدي المنتظر)؛ يبدو أنها يهودية مسيحية“.

وما له صلة بالموضوع، أو ربما، اطلع المستشرق (فريدلندر) على ما رواه العالم الأشعري عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ في كتابه (الفرق بين الفرق) عن السبئية قوله: فلما قتل علي رضي الله عنه زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن علياً، وإنما كان شيطاناً تصور للناس في صورة علي، وأن علياً صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم عليه السلام. قال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى، كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبّهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلاً يشبه علياً، فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه.

رابعاً: القائلون بالأصل العربي

ومن أشهر الداعين له المستشرق البريطاني (مونتكمري واط)، الذي يرى أن حركة الفتوحات الكبرى سبّبت نوعاً من القلق الروحي والمادي، ما أدى إلى أن يفكر البعض في (الخلاص) من الوضع الراهن الذي كان الناس يقاسون منه عن طريق توقع زعيم أو قائد سياسي له من القدرات الروحية الفائقة ما يتمكّن معها من تخليص البشر مما يعانونه منها. ويؤيد نظريته هذه بدليلين، هما:

1ـ إن الدوائر الشيعية على اختلاف فيما بينها نظرت إلى الإمامة باعتبارها قضية دينية، وليست من المصالح العامة التي تفوض إلى الناس، وإن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فالإمامة وراثة روحية.

2ـ إن رجال الشيعة الأوائل كانوا من عرب اليمن الجنوبيين، وكانت اليمن أرض سلالات الملوك الذين يتوارثون الحكم، وكانوا يتصفون بصفات روحية تجعلهم رأس السلطتين الروحية والزمنية (مِزوَد). ثم يقول: “ومع أن الإسلام لا يشجع الملكية الوراثية؛ إلا أن كون هؤلاء من عرب الجنوب ممن اعتادوا تقديس الملوك يحملنا على الاعتقاد بتأثرهم بماضيهم التاريخي في هذا الخصوص“.

خامساً: النظرية الغنوصية

الغنوص لفظة يونانية تعني المعرفة، والغنوصية هي مذهب العرفان الذي يضم خليطاً من المذاهب الفلسفية: الهرمسية الإسكندرية، والفلسفة الأفلاطونية المحدثة، والفيثاغورية، والرواقية، والقبالة اليهودية، والأفكار الثنوية المجوسية، وطروحات فلاسفة حران، إضافة إلى الميراث الهندوسي - البوذي. ومن أشهر القائلين بهذه النظرية: المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون المتوفى سنة 1962م، والمستشرق الفرنسي الآخر هنري كوربان المتوفى سنة 1978م؛ وقد توصل الاثنان إلى نفس النتيجة؛ الأول عن طريق اطلاعه وتمرسه في ظاهرة التصوف والحلول عند الحلاج المقتول سنة 309هـ على يد الخلافة العباسية بتهمة القرمطية والتجسس لصالح الدولة العبيدية (الفاطمية)؛ والثاني عن طريق دراسته التصوف الإشراقي عند السهروردي المقتول عام 587هـ على يد الأيوبيين بتهمة الزندقة، فضلاً عن التشيع الإيراني، ومكوثه من أجل ذلك عدة سنوات في إيران، حيث ترأس معهد الدراسات الإيرانية خلفا لماسينيون من 1954 لغاية 1973م، فضلاً عن إقامة علاقات صداقة وزمالة مع عديد من رجال الدين الشيعة والفكر في إيران، حتى يقال إنه تقمص التشيع. وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى قول الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي بحق كوربان عند تناوله كتاب الأخير (تاريخ الفلسفة الإسلامية): ”وفي هذا الفصل (= الكتاب) بالغ مبالغة شديدة في إبراز نصيب الفكر الشيعي، وأجحف بالفكر السني إجحافاً غريباً“.

:: مجلة البيان العدد 316 ذو الحجة 1434هـ، أكتوبر – نوفمبر  2013م.