الكتب المفيدة كثيرة، وتوجد كتب تقصد إمتاع القارئ وتسليته فحسب، مثل: كتاب الأذكياء، وكتاب الحمقى والمغفلين لابن الجوزي.. وتوجد كتب تجمع بين المتعة والفائدة، من أمثال: يتيمة الدهر للثعالبي، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وأدب الدنيا والدين للماوردي.

ومن المعاصرين المعروفين لدينا، تعدّ كتب الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - من النوع الثالث المفيد الممتع بتفرّد أسلوبه، وسعة اطلاعه، وتنوّع موضوعاته.

وأصنف كتاب (أحاديث وأسمار) لمؤلفه الدكتور عبد القدوس أبو صالح، من هذا النوع المفيد الممتع؛ فقد جاء خفيف الظل في إيجاز موضوعاته وتنوّعها شكلاً ومضموناً، وعلى الطريقة الجاحظية في الانتقال من موضوع إلى آخر يبعد السآمة عن القارئ، ويتجول به بين القديم والحديث، وبين الفكر والقلب؛ فهو يقدم صوراً بصرية مرة من خلال مشاهدات المؤلف الكثيرة في العالم، ويخاطب العقل من خلال اطلاعاته وقراءاته الواسعة مرة أخرى.. ويتحدث في الشعر تارة، وفي النثر أخرى، ويقدم لنا نماذج من الشخصيات العلمية والأدبية في القديم والحديث، وأخرى نماذج من الشخصيات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.

وقد جاء عنوان الكتاب (أحاديث وأسمار) هادفاً إلى الفائدة في لفظه الأول، وإلى الإمتاع في لفظه الثاني.. وهو يقرب في عنوانه من كتاب (أباطيل وأسمار) للعلامة الكبير محمود محمد شاكر، وهو الذي يفتخر الدكتور عبد القدوس بالتتلمذ عليه.

ضمَّ كتاب أحاديث وأسمار بين دفتيه 221 مقالة، وهو عدد كبير نسبياً جعل صفحات الكتاب تتجاوز 550 صفحة. وجاءت المقالات في محورين رئيسيين، هما: التراث، والمعاصرة. وتفرع كل منهما إلى دوائر جمعت موضوعات متماثلة في مضمونها، متنوعة في مفرداتها.

ففي محور التراث تحدث د. عبد القدوس عن التراث نفسه؛ أهميته وضرورة الحفاظ عليه من المخاطر التي تتناوشه، فكتب عن تراثنا الإسلامي في تركيا، ومن كنوز تراثنا المخطوط، وسلبيات نشر التراث. وكتب عن بعض الذين عنوا بالتراث من المعاصرين، مثل: محمود محمد شاكر، وفؤاد سزكين، وكلاهما من الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية، التي تناولها بمقال خاص.

وتشكَّلت المقالات في محور التراث بعد ذلك في دائرتين: الأولى عن القضايا الأدبية والنقدية، والأخرى عن الشخصيات الأدبية والنقدية.. فكتب في الأولى عن مكانة الشعر الحماسي، وشعر الرثاء الذاتي، وشعر الحنين في الأدب العربي، والحنين إلى الأوطان، وشعر الحنين إلى نجد، متدرجاً من العام إلى الخاص. وكتب عن تطور الخطابة وأسلوبها، وبين البداوة والحضارة، وأدب المواعظ، وشعر الدعاء والمناجاة، وأدب الاعتذار في النثر الفني.. وغير ذلك مما يعد قضايا موضوعية.

أما الدائرة الثانية فجمعت الحديث عن شخصيات أدبية ونقدية واجتماعية في تراثنا، منهم: أبو العباس المبرد، وأسماء بن خارجة الفزاري، وعمارة بن حمزة الكاتب، والجاحظ المتهم، والتوحيدي وحرفة الأدب، والعرجي الشاعر المضيع، والحكم بن عبدل الأسدي وهو شاعر مقل، وشاعر الثمانين عوف بن محلم الخزاعي، وشاعر قريش عبد الله بن قيس الرقيات، والبحتري الناقد، والمتنبي في تعاظمه، وأسامة بن منقذ وكاتب الاعتبار، وغير ذلك من الأسماء التي توزعت على العصور الأدبية.

وتنداح من هذه الدائرة دائرة أخرى في العناية بالإبداع الأدبي والتراث، وبخاصة الشعر؛ إذ كتب مقالات عديدة تربط إبداعاً متفرداً بشخصية مميزة، مثل: قصيدة أبي ذؤيب الهذلي، وقصيدة كعب بن سعد الغنوي، وعينية الصمة القشيري، وموعظة الجبل لابن خفاجة الأندلسي، ومقصورة ابن دريد، وقصيدة الغريب لجعفر بن بشار الأسدي، ولامية العرب للشنفري، ولامية العجم للطغرائي... وغير ذلك من أمهات القصائد التي بعضها لشعراء غير مشهورين، هادفاً لإظهار المغمور من كنوز الشعر التراثي. وتأتي بعض هذه الاختيارات موضوعية مقارنة، مثل: من مراثي الشعراء لأعينهم، ومن شعر السجن، وصور شعرية، والفرس وثلاثة شعراء، والأسد بين شاعرين.

وفي محور المعاصرة نجد عدة دوائر تجتذب الأحاديث في الأسمار، أهمها: قضية الأدب الإسلامي تعريفاً وتنظيراً ونقداً، وهي القضية التي فرّغ الكاتب د. عبد القدوس أبو صالح نفسه لها، وشغلته حتى عن متابعة كتاباته وإبداعاته الخاصة، ومن ذلك هذا الكتاب الذي رأى النور حديثاً.

وكتب في التنظير والتعريف بالأدب الإسلامي موضوعات عدة، منها: عالمية الأدب الإسلامي، ونحو أدب إسلامي ملتزم، وحدود الأدب الإسلامي، والأدب بين الإلزام والالتزام، وأدب الأطفال الإسلامي، ومسوغات الأدب الإسلامي، وشبهة المصطلح، وبين الأدب العربي والإسلامي. وما زالت هذه الموضوعات تتفاعل بين الداعين إلى الأدب الإسلامي والمعارضين على تفاوت في وجهات نظرهم التي تبدأ بمصطلح (الأدب الإسلامي) وتنتهي بوجوب التزام الأديب المسلم بما ألزمه الله به من الكلمة الطيبة!

وتحدث المؤلف عن جانب من آداب الشعوب الإسلامية، مثل: الأدب الكردي، ورواية صقور القوقاز، وعن بعض رموز الأدب الإسلامي المعاصرين، ومنهم: أبو الحسن الندوي، وعمر بهاء الدين الأميري، ومحمد عاكف، ومحمد إقبال، ومحمد التهامي، وعلية الجعار.. فقد دعا هؤلاء إلى الأدب الإسلامي بحالهم وقالهم، وقدموا نماذج إبداعية نثرية وشعرية تمثل هذا الأدب باللغات العربية والأوردية والتركية، وهم ليسوا إلا نماذج معاصرة رائدة لهذا الأدب تحدث عنهم المؤلف لشهرتهم وذيوع كتاباتهم من قبل أن تتحول دعوة الأدب الإسلامي إلى مرحلة تأسيس رابطة عالمية له.

وفي محور المعاصرة كتب المؤلف عن قضية الأدب غير الملتزم الذي تم استغلاله للتأثير في وجدان الأجيال الناشئة، فكتب عن لغة النقد الحديث، وعن نكسة الأدب، وفي موضوع ذي صلة كتب عن قصيدة سفر أيوب لبدر شاكر السياب. ويظهر لنا اهتمام المؤلف بالفن الروائي لدى نجيب محفوظ، إذ خصص له أربع مقالات، فكتب مقالتين حول نجيب محفوظ وجائزة نوبل، ونجيب محفوظ وسطوة الشهرة، ومع ثلاثية نجيب محفوظ، ومرد هذا التأثر والاهتمام لأمرين: الأول: ريادة نجيب محفوظ للرواية العربية فنياً، وحصوله على جائزة عالمية، وللتأثير الواسع لأدبه عربياً. والثاني: كون مضمون هذا الأدب في أغلبه غير ملتزم، مع ترويجه أحياناً قيماً مخالفة للإسلام. وزاد من هذا الاهتمام تحويل أعماله من أدب مقروء إلى أدب منظور عبر السينما، ما اجتذب الجموع الغفيرة من المشاهدين في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي.

ونجد المؤلف بعد ذلك يعالج عدداً من القضايا الأدبية والنقدية العامة، وبعضها تربوية وتعليمية رافدة، ومن أمثلة هذه الموضوعات: خواطر جديدة حول محو الأمية، والأخطاء الشائعة، وأمية المثقفين، وكيف نقرأ كتاباً؟، والذوق الأدبي، وحرفة الأدب، وعلاقة الميول بالمهنة، ولماذا لا يقرأ العرب؟، والهزة الشعورية، وهجرة العقول المسلمة، وماذا يقرأ أولادنا؟، وفي كل بيت مكتبة، والفن بين التعاون والاستواء.. وغيرها من المقالات التي تخدم الثقافة العامة وتصحح مسارها ومسار الأدب والنقد المبنيّين على هذه الثقافة.

ومن أبرز محاور المعاصرة في مقالات هذا الكتاب، ما كتبه المؤلف في أدب الرحلات، فقد سجل مشاهداته في رحلاته إلى دول ومناطق عديدة، ومن أبرز هذه المقالات: بانوراما على البوسفور، ووداعاً يا كيرالا، ورحلة إلى تاج محل، ومصنع الشاي، وعلى سور برلين، وبحيرة أنترلاكن، ودعوة سياحية، وحنين النواعير، ووداعاً يا جاميلجا، وفي ربوع كيليوس، وأجواء أندلسية، وعلى ضفاف بحيرة كومو، وأيام في ماليزيا، ورحلة بحرية، وجنان الدنيا الأربع، وغابة السلطان محمد الفاتح، ومرض الطيران البعيد... وغيرها.

ولعل ما كتبه في مقالتيه: كتب المذكرات، وذكريات لا مذكرات؛ يعد إطاراً تنظيرياً لهذا النوع من الأدب الذي قدمه في لوحات جميلة مما اختزنته ذاكرته الأدبية، وباح به قلمه المعبر.. وهي في الحقيقة تمثل نماذج من الأدب الإسلامي الذي يدعو إليه الكاتب، جاءت مرسومة فيما سماه (حدود الأدب الإسلامي)، إذ عندما يقدم كاتب غير ملتزم مشاهداته من تلك الأماكن فإننا نتوقع أن ينقل صوراً غير التي نقلها د. عبد القدوس أبو صالح، ويتوصل إلى نتائج غير التي توصل إليها.

وفضلاً عما استعرضته؛ تناول المؤلف بعضاً من نماذج الأدب العالمي، مثل: رواية الساعة 25، ورواية الجذور، ومغامرات مارتن توين، ومجلة المختار؛ فوصل بذلك دائرة الحديث عن الأدب والنقد قديمه وحديثه، وعربيه وإسلاميه، ومحليه وعالميه، ليشبه الكتاب بذلك مناظر الطبيعة الجميلة بألوانها التي وصفها في عدد من مقالاته.

وقبل الختام أشير إلى بعض مقالاته التربوية التي كتبها بعناوين مثل: ويلك آمن.. ومن النماذج الإنسانية في القرآن الكريم: مريم البتول، وعباد الرحمن، وصفات المؤمنين، وأخلاقنا وأخلاقهم، وكيف تقرأ القرآن؟.. وغير ذلك من المقالات التي تعبر عن التكامل المنهجي في الرؤية التربوية والتعليمية لدى الدكتور عبد القدوس أبو صالح.

وأقول أخيراً: إذا كان الكاتب قد حثَّ على القراءة، ودعا إلى العناية بها، بإنشاء مكتبة في كل بيت؛ فإن كتاب (أحاديث وأسمار) يستحق أن يكون في مكتبة كل بيت.

:: مجلة البيان العدد 316 ذو الحجة 1434هـ، أكتوبر – نوفمبر  2013م.