قرن الله سبحانه وتعالى بين الهدى وربوبيَّته في مواضع كثيرة في كتابه، من ذلك: قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [البقرة: ٥]، وقوله: {وَادْعُ إلَى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 67]، وقوله تعالى في سورة لقمان: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [لقمان: ٥]، وقوله: {وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23].

هدى:

الهداية: دلالة بلطف. وهداية اللّه سبحانه وتعالى للإنسان على أربعة أوجه:

الأول: الهداية التي عمّ بجنسها كلّ مكلّف من العقل، والفطنة، والمعارف الضّروريّة التي أعمّ منها كلّ شيء بقدر فيه حسب احتماله، كما قال: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50].

الثاني: الهداية التي جعل للناس بدعائه إيّاهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 73].

الثالث: التّوفيق الذي يختصّ به من اهتدى، وهو المعنيّ بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: ٧١]، وقوله: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإيمَانِهِمْ} [يونس: ٩].

الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنّة المعنيّ بقوله: {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد: ٥].

وهذه الهدايات الأربع مترتّبة، فإنّ من لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثّانية، بل لا يصحّ تكليفه، ومن لم تحصل له الثّانية لا تحصل له الثّالثة والرّابعة، ومن حصل له الرّابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللّذان قبله، ثمّ ينعكس، فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا يحصل الثالث، والإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلّا بالدّعاء وتعريف الطّرق دون سائر أنواع الهدايات[1].

 الرب:

هو المربي لجميع العالمين - وهم من سوى الله - بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها لم يمكن لهم البقاء؛ فما بهم من نعمة فمنه سبحانه وتعالى.

وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.

فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربّيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر.. ولعل هذا هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيّته الخاصة[2].

ولعل هذا هو السر في اختصاص الرب بالهداية.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ»: أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم[3].

وأتى بـ «على» في هذا الموضع الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ «في» كما في قوله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)؛ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتقر[4].

(مِنْ رَبِّهِمْ) الذي لم يزل يربيهم بالنعم، ويدفع عنهم النقم، وهذا الهدى الذي أوصله إليهم من تربيته الخاصة بأوليائه، وهو أفضل أنواع التربية[5].

وَقَوْلُهُ (عَلَى هُدًى) تَعْبِيرٌ يُفِيدُ التَّمَكُّنَ مِنَ الشَّيْءِ كَتَمَكُّنِ الْمُسْتَقِرِّ عَلَيْهِ[6].

وإنما وصف الهدى بأنه من ربهم للتنويه بذلك الهدى وتشريفه، مع الإشارة إلى أنهم بمحل العناية من الله، وكذلك إضافة الرب إليهم هي إضافة تعظيم لشأن المضاف إليه بالقرينة[7].

وهنا تساؤل: ما الفائدة في ذكر «على» في الآية؟ وكيف يكون المؤمن مستعلياً على الهدى؟

قلت لما فيه من استعلائه وعلوه الهدى مع ثباته عليه واستقامته إليه، فكان في الإتيان بأداة «على» ما يدل على علوه وثبوته واستقامته، وهذا بخلاف الضلال والريب، فإنه يؤتى فيه بأداة «في» الدالة على انغماس صاحبه وانقماعه وتدسسه فيه، كقوله تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45]، وقوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 39]، وقوله: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 54].

وتأمل قوله تعالى: {وَإنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24].

فإن طريق الحق تأخذ علواً صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير، وطريق الضلال تأخذ سفلاً هاوية بسالكها في أسفل سافلين[8].

ولعلك تسأل فتقول: ما الفرق بين (هُدى من الله) و(هدى من ربهم)؟

الرب هو الذي ربَّاك، هو الذي أوجدك من عَدم، وأمدك من عُدْم، وأعطاك قبل أنْ تعرف السؤال، وتركك تربع في كونه وتتمتع بنعمه.

لذلك يُعلمك ربك: إياك أنْ تسألني عن رزق غدٍ؛ لأنني رزقْتُك قبل أنْ تعرف أن تسأل، ثم لم أطالبك بعبادة غدٍ، إذن: ليكُنْ العبد مؤدباً مع ربه عز وجل، وهكذا نتبين أن الربوبية عطاء، أما الألوهية فتكليف[9].

وقال: (من ربهم)، تذكيراً لهم بأنه لولا إحسانه ما وصلوا إلى شيء؛ ليلزموا تمزيع الجباه على الأعتاب، خوفاً من الإعجاب[10].

 المستنبَط من الاقتران:

- أن الهداية إحسان من الله للعبد، فهو سبحانه وتعالى الذي يربي أولياءه حتى يصلوا إلى أعلى درجات الهُدَى، فعلى العبد مقابلة إحسان الرب بإحسان العبادة له سبحانه وتعالى.

- أن الهداية تُطْلَب من الله سبحانه وتعالى، وكان من دعاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ)[11]، وكَانَ يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى)[12].

- أن الذي يأخذ بأسباب الهدى ييسّر الله سبحانه وتعالى له طريق الهدى، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، بل يزيده على ما طلب، ألم تر أنهم طلبوا الهدى فأعطاهم ما طلبوا وزاد عليها التقوى؟ فهكذا الكريم، يُعْطي فوق الطلب.

- أن الهُدَى يرفع العبد إلى العلي الكبير سبحانه وتعالى.


 

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.


[1] المفردات: 839.

[2] السعدي: 39.

[3] الطبري: 1/ 250.

[4] السعدي: 40.

[5] السعدي: 646.

[6] المنار: 1/ 115.

[7] تفسير الرازي: 1/ 243.

[8] التفسير القيم لابن القيم: 14.

[9] الشعراوي: 7235.

[10] نظم الدرر: 6/ 6.

[11] صحيح ابن حبان: باب: الورع والتوكل، (722). قال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح.

[12] صحيح مسلم: باب التَّعَوُّذِ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلَ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ، (7079).