«نَفْسِي نَفْسِي».. عبارة يرددها الناس - بلسان الحال أو المقال - في الدنيا والآخرة:

- فيرددونها في الآخرة حين يطول بهم المقام ويشتد بهم القلق ويُلْجِمُهُمُ العرق، فيلتمسون الشفاعة في أَنْ يَفْصِل الله بينهم، فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم - عليهم السلام -، وكلهم يقول «نَفْسِي نَفْسِي»، إلى أَنْ ينتهوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها، أنا لها»، فيقول له الله: قُلْ تُسْمَع، وسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّع. فيقول: (يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي) - والخبر مُفَصَّلٌ في الصحيحين وغيرهما -.

- وحين يشاهد القريب قريبه، فلا يبقى في قلبه مُتَّسَعٌ لسؤاله عن حاله، ولا فيما يتعلق بعشرتهم ومودتهم في الأيام الخوالي، ولا يَهُمُّهُ إلا نفسه، كما أشار إليه قوله تعالى: {وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً 10 يُبَصَّرُونَهُمْ} [المعارج: ١٠، ١١]. وعدم السؤال ليس ناتجاً عن عدم المعرفة، لا، بل يُبَصِّرُهُمْ ربهم بهم، فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، لكن اشتغاله بنفسه يحول دون سؤال غيره، وهذا معنى {يُبَصَّرُونَهُمْ}.

- وفي ساعة الحساب {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} [النحل: ١١١]، أي تعتذر وتخاصم عن نفسها، لا تتفرغ لغيرها، ولو كان أقرب قريب، وهذا من شدة الهول، قال ابن عباس في هذه الآية: لا تزال الخصومة بالناس يوم القيامة حتى تخاصم الروح الجسد، وليس أحد بِمَلُومٍ في هذه المواقف على قول نفسي نفسي، فالأمر شديد والموقف رهيب.

- أَمَّا في الدنيا فيرددها المصلحون حين يتخلى غيرهم عن مسيرة الإصلاح، ويسلكها هم - بعزم وإصرار وثقة وثبات -، وشعارهم حينئذ {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْـمُؤْمِنِينَ} [النساء: ٨٤]. وهذه الحال أفضل أحوال العبد؛ أنْ يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله، ويحث غيره عليه، ويستمر على ذلك حتى إِنْ أوشكت الدنيا على الفناء ولم يبقَ منها إِلَّا سُوَيْعَات: «إنْ قامَتِ السّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ – نخلة صغيرة - فإِنْ استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها».

- كما يرددونها في مقام الضعف والخضوع والذُّلِّ لله رب العالمين، حين يُقِرُّونَ بأَنَّ نفوسهم كنفوس غيرهم: أمّارة بالسوء، ميالة إلى الشهوات واللذات الفانية. وحين ينسبون التقصير إلى نفوسهم إِقْرَاراً منهم بضعف الإنسان، وشدة افتقاره إلى مولاه وخالقه في إصلاح شؤونه واستقامة أموره، وأَنَّه لا غنى له عن ربه وسيده؛ لذا يجأر كل واحد منهم إلى ربه: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي»، «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ، أصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ».

- لَكِنَّ هذه المعاني النبيلة تكاد تتلاشى أمام «نَفْسِي نَفْسِي» بمعناها السلبي المظلم، الذي يردده المفسدون والأنانيون حين يتخلون عن إِصلاح المجتمع، ليرفعوا شعار «نَفْسِي ومِنْ بعدها الطوفان»، وحين يضعون لأنفسهم قاعدة: «هذه لي وهذه أيضاً، أَمَّا أنتم فلا أدري عنكم شيئاً».

ولَمَّا كان هذا السلوك عَرَضاً لواحد أو أكثر من مجموعة أمراض فَتَّاكة - كالغل والغش والحقد والحسد والأنانية وحب الذات واتباع الهوى -، فقد حرصت الشريعة أشد الحرص على علاجه بأساليب وصُوَرٍ شتى، منها قَصُّ القصص كما في قصة أصحاب الجنة الذين صمّموا وعزموا ألا يمكّنوا مسكيناً واحداً من دخولها، وقصة أصحاب السبت حين لام الساكتون الواعظين وقالوا لهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} [الأعراف: ١٦٤]، ومنها ضرب الأمثلة كما في حديث السفينة الذي أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه: وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعاً.

- ومنها النصوص الصريحة المباشرة في مدح نقيضه، وهو الْإِيثَار وحب الخير للناس كما في الحديث الذي عده بعض العلماء واحداً من أربعة أحاديث يدور عليها الإسلام، وهو قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه». ولما استصعب الشيخ أبو عمرو بن الصَّلاح رحمه الله (المتوفى سنة 643 هـ)، هذا الأمر وعَدَّهُ من الصعب الممتنع بحجة (أَنَّ المرء مطبوع على حب الإيثار، فالتكليف بذلك مُفْضٍ إلى أَنْ لا يكمل إيمان أحد إلا نادراً في حيز المنع)؛ أجابه الأئمة بأَنَّ الأمر ليس كذلك، بل إنَّه سهل على القلب السليم، وإنَّما يعسر على القلب الذي امتلأ فَسَاداً وشَرّاً[1]، ذلك القلب الذي قال الشاعر في حق صاحبه:

ويُريك الرِّضا والغِلُّ حَشْو ردائه

وقد تنطق العينان والفمُ ساكِنُ

- ومن ذلك أيضاً تلك الوصايا النبوية الجامعة والقواعد المهمة كما في قوله: «أحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِماً»، وقوله: «من أحبّ أَنْ يُزَحْزَحَ عن النّار وَيُدْخَلَ الجنّة، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ»، أي يفعل معهم ما يحب أن يفعلوه هم معه. فبذلك تنتظم أحوال المجتمع ويرتفع الخلاف والنفور وتزول الضغائن من الصدور، وأساس كل هذا السلامة من الأدواء القلبية، ولفظ الناس يشمل الكفار، فينبغي لكل مسلم أن يحب للكافر الإسلام وما يتفرع عليه من الكمالات.

- كما لم تقتصر الشريعة في علاج هذا السلوك على الصورة النظرية المجردة فقط، بل اتَّخَذَ العلاج أشكالاً عملية تمتد لتشمل شتى مجالات الحياة، فنهى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن الإطالة في الصلاة مراعاةً لذوي الحاجات، ووصى أحد صحابته لما استعمله على الطائف بتخفيف الصلاة بالناس، قَائِلاً له: (اقتد بأضعفهم)، أي: راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك، فصل صلاة لا تشق عليهم.

بل كان - وهو إِمَامُ العابدين بأبي هو وأمي - يدخل في الصلاة فيريد إطالتها فيسمع بُكاءَ الصَّبِيِّ فيتجوَّزُ فِي صَلاتِه رحمة بأمه.

وفي الزكاة بَيَّنَ الشرع أَنَّ المزكي ليس بأقل حاجة إلى التطهير والتزكية من المزكى إليه، بل ربما يكون هو المقصود بهما أصالة، وفي الدعاء أنكر صلى الله عليه وسلم على الأعرابي الذي بخل برحمة الله على خلقه حين دعا فقال «اللهمّ ارحمني ومحمّداً ولا ترحم معنا أحداً». فقال له النبي: «لقد حجّرت واسعاً». وقد أثنى الله تعالى على من فعل خلاف ذلك، حيث قال {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ} [الحشر: ١٠]، وفي دعاء التشهد: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).

- ومن أصول المعاملات في الشريعة: مَنعُ كل معاملة يسعى صاحبها لتحقيق مَصْلَحَة لنفسه سبقه إليها غيره، كالبيع على البيع، والسَّوْمِ على السَّوْمِ، والْخِطْبَة على الْخِطْبَة، ومَنعُ كل معاملة فيها مصلحة لفرد على حساب جماعة، كالاحتكار، وتلقي الركبان، وبيع الحاضر للباد؛ وكلها رسائل واضحة وصريحة لمريض «نفسي نفسي»، مفادها «لست وحدك الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فهناك آخرون يعيشون معك على الأرض».

ولم يكن الفقهاء - في القديم والحديث - بمنأى عن محاربة هذا السلوك البغيض، فقد وقفوا له بالمرصاد حين قرروا أَنَّ المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة عند التعارض، واعتبروا ذلك قاعدة وأصلاً شهدت له نصوص الشرع وقواعده العامة، كما أَنَّ في رعاية المصلحة العامة وتقديمها رعاية للمصلحة الخاصة ضِمْناً.

- ولو أَنَّ المعنى السلبي لـ «نَفْسِي نَفْسِي» تَمَكَّنَ مِنْ نفوس السابقين الْأَوَّلِينَ مِن المهاجرين والأنصار في بداية الدعوة، لكانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في خطر، وقد حدثنا القرآن عن هؤلاء الكرام وبيّن أَنَّهم ما صاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين، وما حازوا من السوابق والفضائل والمناقب؛ إِلَّا بعد أَنْ تخلوا عن المعنى السلبي وعانقوا المعنى الإيجابي بكل ترحاب وقوة، فالمهاجرون هجروا الديار والأوطان والأحباب والْخِلَّان والأموال، رغبة في الله، ونصرة لدينه، ومحبة لرسوله، أَمَّا الأنصار فقد آوَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعوه من الأحمر والأسود، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام، ولم يكن ذلك من فراغ، بل لأَنَّهم اتصفوا بجملة من الأوصاف الجميلة، منها:

أَنَّهُمْ {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} [الحشر: ٩]، أي: لا يحسدون غيرهم على ما آتاهم الله من فضله، وهذا يدل على سلامة صدورهم وخُلُوِّهَا مِنَ الْغِلِّ والحقد والحسد.

ومنها أيضاً أَنَّهُمْ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: ٩]، والْخَصَاصَة هي الْفقر وَالْحَاجة، أي: يقدمون حاجة الناس على حاجة أنفسهم، وفي السيرة من عجيب إيثارهم الْعَجَبُ الْعُجَابُ، حتى انطبق على كل واحد منهم الْمَثَلُ القائل: «لَك مَا أبكى وَلَا عِبْرَة بِي»، أَي أبْكِي من أَجلك وَلَا حزن لي فِي خَاصَّة نَفسِي، وهو مَثَل يضْرب لمن يشْتَد اهتمامه بشأن أَخِيه.

وفي الذين جاؤوا من بعدهم نماذج يحسبها الجاهل بحالهم ضرباً من الخيال، وينقل الإمام المناوي عن أحدهم قوله: (لي 30 سنة في الاستغفار عن قولي الحمد لله، وذلك أنه وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل فقال نجا حانوتك، فقلت الحمد لله. فمذ قلتها وأنا نادم، حيث أردت لنفسي خيراً دون المسلمين)[2]، والحانوت: مَحل التِّجَارَة.

- والعجيب أَنَّ كثيراً من الآدميين في عصرنا لم يستطيعوا حتى اللحظة أَنْ يرتقوا إلى أخلاق أمة النمل التي شعارها المرفوع دائماً: «لا قيمة لحياتي عند تعرض سلامة الجماعة للخطر». وقد سجل القرآن موقف النملة التي نادت في قومها: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل: ١٨]، فَحَذَّرَت وأَمَرت بما يقي من الخطر، واعتذرت عن سليمان وجنوده؛ فلهذا ابتسم ضاحكاً من قولها. لقد فعلت هذا رحمة وشفقة على بنات جنسها، وحتى تُعَلِّم البشرية الرحمة والشفقة والنصح لبني جنسهم لو كانو يعلمون! فما استحق أَنْ يولد من عاش لنفسه فقط، وقد مات قوم وهم في الناس أحياء.

- فليجتهد كل مِنَّا لأَنْ يعالج هذا المرض في نفسه ومَنْ حوله، وأَنْ يغرس في الناس والنفس خلق الإِيثار والتضحية والبذل، وأَنْ يُغَلّب مصلحة مجتمعه على مصلحة نفسه، فهذا رصيد المستقبل له ولذريته مِنْ بعده، وهذا المعنى متضمن في دعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} [الشعراء: ٨٤]، أي: واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، فذلكم هي الحياة الثانية. كما قيل:

«فَارفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها

فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني»

- وأخيراً: لأَنْ يعيش الْإِنْسانُ فقيراً متعففاً في مجتمع آمِن مُؤْتَلِف مُتَحَابّ يعرف الإِيثار، خير له مِنْ أَنْ يعيش غنياً في مجتمع شعاره الجانب المظلم من «نَفْسِي نَفْسِي»، عافانا الله وإِيَّاكُمْ أجمعين مِنْ هذا الداء العضال، آمين.

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.


[1] بمعناه من «شرح النووي على مسلم» (2/ 17)، «فيض القدير» (6/ 442)، (1/ 176).

[2] «فيض القدير» (1/ 124).