يصف علماء الاجتماع القبائل العربية بأنها «قبائل حرة ألفت عيش الكفاف للحفاظ على حريتها وكرامتها، وكرهت التذلل للسلطان، وتتصف بصفاء النفس والعقل من المكر والخديعة، كما ألفت الغزو والحروب، وهم أهل لذلك، لا تحدهم أرض، فقد ألفوا الترحال ليكونوا أسياد أنفسهم أو أحلافاً لندهم، وعقائدهم تتصف بالبساطة»[1].

تدور أحداث العبرة التاريخية عن قصة قبائل طيء وزبيد التي استوطنت بادية الجزيرة الفراتية أيام الاحتلال المغولي للعراق، وقد عُرفت هذه القبائل بقطعها للطريق ونهبها أموال التجار، وتسليبها حتى جيوش المسلمين العائدة من حرب المغول على طول الشريط الحدودي بين العراق وبلاد الشام، وبلغ الأمر بالسلطان المملوكي المسلم حاكم مصر والشام تجهيز قرابة (14000) جندي في كل حملة تأديبية لهذه العشائر يذهب فيها عشرات القتلى من الطرفين وملايين القطع الفضية والذهبية من بيت مال المسلمين لتجهيز هذا الجيش، وما كان من تلك القبائل إلا أن تنسحب في عمقها الصحراوي في حال سماع وصول حملة السلطان، وترجع في حال رجوعه؛ لتمارس ما كانت تفعله، حتى أعيا هذا الحال المجتمع الإسلامي، وكسدت التجارة، وفضت الأسواق من البضائع، وتجاسر المغول على الحدود[2]، والحال كان من فقه السلطان للواقع المسلم، حينها انبرى شيخ الإسلام ابن تيمية متولياً زمام المبادرة دون استئذان من أحد، متنقلاً بين تلك القبائل، حاملاً لهم عقيدة التوحيد، محرماً عليهم ما حرم الله، ومحللاً لهم ما أحله، حتى أحبوه وسمعوا له وأطاعوا، فأمرهم بالكف عن قطع طريق تجارة المسلمين[3]، فشكت له القبائل جوعها من قحط الصحراء وعزوف السلطان عن إطعامهم في مواسم القحط ولا طريق لهم إلا السلب وأن يغير بعضهم على بعض، فحمل شيخ الإسلام همّ هذه القبائل إلى السلطان، وتفاوض معه، واتفقوا على أن:

1 - يوقف السلطان حملاته العسكرية على تلك القبائل (وبهذا حفظت أرواح المسلمين).

2 - تحمي تلك القبائل العربية طرق القوافل التجارية لقاء أجور معينة تدفع من جيب تجار القوافل (وهذا ما وفّر لبيت مال المسلمين تكاليف الحملات ضد تلك القبائل المسلمة).

3 - تسهم القبائل المسلمة بجيش يمثلها في حرب المسلمين ضد المغول.

4 - يحرم غزو القبائل بعضها لبعض من باب الأخوّة الإسلامية، ويحل لها الإغارة على أرض المغول ولها من الغنائم ما كفله لها الشرع؛ (كي لا تموت فيهم صفة الشجاعة)[4].

ثم يصف المؤرخون حال تلك القبائل بعد الاتفاق مع الإمام ابن تيمية، بأنها (صارت أحسن حالاً وأوفر طعاماً وآمن أرضاً وأعز جاراً وسوقاً للتجارة يقصده أهل الحواضر وأقوى جيشاً)، وظهر من حكمة الإمام في حلّ مشكلة القبائل أنه لما استنفر الإمام السلطان المملوكي لحرب المغول في معركة شقحب أرسل نجدة للشام قوامها بضعة آلاف مقاتل يفتقرون للسلاح، وأرسلت القبائل للإمام 70 ألف مقاتل بدروعهم وسلاحهم وخيولهم[5]، حتى قال المؤرخون في وصفهم (كأننا نصف جيشاً رومياً بهيبتهم)[6]، فكان النصر حليف المسلمين بفضل الله ثم بفضل تلك القبائل.

وهنا يتجلى السؤال: كيف كانت تلك القبائل وكيف أصبحت؟ فقد زرع الإمام مع الدين قضية في قلوبهم اسمها الإسلام، فضلاً عن إيجابيتهم التي صارت واضحة للمجتمع، وبلغ بهم من الشجاعة ما أذهل الإيلخان المغولي مكذباً خبر انكسارات جيوشه المتكررة على يد القبائل فقط من دون تدخل قادات المسلمين من المماليك أو سلطانهم، فقاد حملة قوامها (110000) مقاتل من خيرة فرسانه من بلاد منغوليا والصين وبلاد الفرس والهند... وغيرها، والتقى الجمعان في الأنبار على ضفاف نهر الفرات قرب مدينة (عنه)، ووحد القبائل صفوف قيادتهم بإمرة قبائل طيء، فرأى الإيلخان المغولي من هيبة قبائل الأنبار والشام ما هابه، واضطره إلى الهروب لما حمى الوطيس، وهو يقول: (ما رأيت كهذا الذي رأيته قط)[7]، فكانت قصيدة صفي الدين الحلي الطائي التي يتغنّى بها فرسان الميادين من القرن السابع الهجري إلى يومنا هذا، تخلّد انتصارات القبائل على أعتى جيوش عصرهم (المغولية)[8]:

سل الرماح العوالي عن معالينا

واستشهد البيض هل خاب الرجا فينا

وسائل العرب والأتراك ما فعلت

في أرض قبر عبيد الله أيدينا

لقد مضينا فلم تضعف عزائمنا

عما نروم ولا خابت مساعينا

بيوم وقعة زوراء العراق وقد

دِنّا الأعادي بما كانوا يدينونا

بــضُمُر ما ربطناهـا مسومـة

إلا لنغزو بها من بات يغزونا

وفتية إن نقل ألقوا مسامعهم

لــقولنا أو دعوناهم أجابونا

قوم إذا خاصموا كانوا فـراعنة

يوماً وإن حكموا كانوا موازينا

تدرعوا العقل جلباباً فإن حميت

نار الوغى خلتم فيها مجانينا

إن الزرازير لما قام قائمهـا

توهمت أنها صارت شواهينا

أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا

حتى حملنا فأخلينا الدواوينا

ثم انثنينا وقد ظلت صوارمنا

تسمو عجاباً وتهتز القنا لينا

وللدماء على أثوابنا علق

بنشره عن عبير المسك يغنينا

إنا لقوم أبت أخلاقنا شرفاً

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا خضر مرابعنا

سود وقائعنا حمر مواضينا

لا يظهر العجز منا دون نيل منى

ولو رأينا المنايا في أمانينا

من هذا الشاهد التاريخي الذي جمع بين السياسة الشرعية التي سلكها العالم الرباني الحافظ للنصوص الشرعية، والمدرك لمقاصد الشريعة، والمتعمق بفهم الواقع الذي يعيشه، وقوة القبائل العربية الأصيلة، لتقدم أنموذجاً أسهم في مواجهة إحدى صور الاحتلال التي شهدتها الدولة الإسلامية، وليحرر الأرض بعد أن حرر الإنسان من تيهه وغطرسته.

من هذا الأنموذج علينا أن ننطلق في تحليل الواقع في الأنبار، لنجدد الأنموذج التاريخي في واقعنا المعاصر، ومن هنا نتقدم برسائل نرسلها لأهل السنة والجماعة في العراق:

1 - دور العالم العامل في إصلاح حال أهله حين يريد ذلك.

2 - إعطاء فقه الأولويات والمرحلة دوره في بناء الفقه السياسي.

3 - تفعيل فقه الواقع بأسلوب أقرب إلى عقول العوام، لغرض فهم خطاب النخب العلمية؛ لأن أصحابه هم أقدر على تحشيد الشارع السني بيسر.

4 - رأينا خلال القصة كيف كان حال القبائل المسلمة في ظل حاكم مسلم قبل ظهور الإمام، فكيف اليوم وهم في ظل حاكم ظالم طائفي، إيراني الانتماء.

5 - العامل الرئيس للدور الريادي للقبائل العربية السنية يتجلى في صفاء العقيدة السنية وابتعادها عن ذل السؤال لغير الله، وهذا ينبغي تعزيزه في شخصية القبائل العربية في العراق.

6 - يد الله مع الجماعة، فبعد أن كانت تلك القبائل محط سخرية الدولة، صارت بمجلسها العسكري بعد توحدها بإمرة قبائل طيء سبباً لعز المسلمين.

7 - كل مسلم يقف اليوم على ثغر من ثغور الإسلام إذا كان مقاتلاً بدمه أو إعلامياً بلسانه من خلال مساندته ونصرته قضيته وهويته، لا سيما على شبكات التواصل الاجتماعي، كما قال رسول الله #: «اهجهم يا حسان، والله إن شعرك عليهم أجزل من رمي السهام».

وأخيراً، كما خلد شاعرنا صفي الدين الحلي انتصار قبائل المسلمين على جيش المغول في أرض الأنبار، أسأل الله عز وجل أن يكتب لعشائرنا نصرها الذي يعيد للأذهان صوت الرماح العوالي وشهادة البيض، لكن بلون معاصر عراقي خالص.

:: الـعـراق والإبـادة الـطـائـفـيـة – مـلـف خـاص

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.


[1] علي الوردي (طبيعة المجتمع العراقي).

[2] عندما رحل ابن مهنا، أمير العرب في الشام، ووقعت الجفوة بينه وبين السلطان المملوكي، قال له ابن مهنا: (إن قبلتنا أقمنا، وإن تكره جوارنا رحلنا عنك، فالبر للبدو متسع). ينظر: اليوسفي، موسى بن محمد بن يحيى، نزهة الناظر في سيرة الملك الناصر، ص 201.

[3] النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، نهاية الأرب، ج 32، ص 252؛ ابن الوردي، تاريخ ابن الوردي، ج 2، ص 301؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج 14، ص 170؛ ابن خلدون، التاريخ، ج 5، ص 498؛ ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة، ج 6، ص 133.

[4] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، شرح العمدة في الفقه، ج 2، ص 157؛ محمود السيد، تاريخ القبائل العربية في عهد الدولتين الأيوبية والمملوكية، ص 219؛ محمد، سالم يونس، العراق في السياسة المملوكية، ص 42.

[5] ابن كثير، البداية والنهاية، ج 14، ص 16.

[6] النويري، نهاية الأرب، ج 33، ص 41؛ القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 216؛ المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك، ج 2، ص 144.

[7] المنصوري، بيبرس، مختار الأخبار، ص 52؛ النويري، نهاية الأرب، ج 30، ص 216؛ المقريزي، السلوك، ج 1، ص 206.

[8] صفي الدين الحلي، الديوان، ص 95؛ رشيد، ناظم، الأدب العربي في العصر الوسيط من زوال الدولة العباسية حتى النهضة الحديثة، ص 41.