تعيش حكومة المالكي في العراق على اختلاق الأزمات، أو إطالتها، أو التهوين منها سياسياً وإعلامياً، حتى تموت أو تنسى مع الوقت. فمن النمط الأخير تنصَّل المالكي من اتفاق أربيل الذي عقد بعيد إعلان نتائج الانتخابات العراقية، على أن يشغل إياد علاوي منصب رئيس مجلس السياسات العليا الذي لم يستحدث أصلاً، ووضع صاحب الأزمات قطناً صناعياً في أذنيه حتى بُحّ صوت «القائمة العراقية»، فتوقفت عن الصراخ، وجمّد برد كردستان وصقيعها الكلمات في أفواه الأكراد، فلم تعد تخرج الحروف، وماتت اعتراضاتهم هم أيضاً.

ومن النمط الثاني الذي تطيل فيه الحكومة العراقية عمر أزمة ما حتى تنيع الرؤوس ويحين قطافها كما فعل الحجاج سابقاً بأهل العراق؛ أزمة الاتهامات المتلاحقة التي لفّقتها مع أجهزتها الأمنية والاستخبارية ذات الصناعة الإيرانية والأمريكية ضد طارق الهاشمي، فأصبح الرجل بين اتهام وآخر المجرم الأول في العراق، وتصور بعض الناس أنه إذا غاب عن الأوضاع سيتوقف التردي الأمني في هذا البلد المنكوب، فاستمر الإعلام العراقي والأجهزة الأمنية والقضائية، بوحي من الحكومة، في إطالة أمد الأزمة وتعميق الاتهامات، وما زلنا بين فترة وأخرى نطّلع على آخر تلفيقات هذه القضية.

وفي الأزمتين معاً، كما في كثير من الأزمات، لا تتصرف الحكومة لوحدها ومن غير موافقة الأمريكان والإيرانيين، فهم أصحاب الكلمة الفصل في العراق المحتل حقيقة والمستقل كذباً وزوراً.

أما عن علاقة الحكومة العراقية بصناعة الأزمات واختلاقها، فهي علاقة وطيدة ووثيقة، لأسباب عدة:

1 - أن اختلاق الأزمة والنجاح في تحقيق أغراضها يجعل المستهدف في واجهة الأحداث، فلا ينسى بسهولة، ويقترن اسمه بالأزمة، فحين يذكر تذكر معه.

2 - اختلاق الأزمة يحقق نوعاً من تحويل الرأي العام عن قضيته الرئيسة، ففي الوقت الذي تثار فيه قضية الفساد الإداري والمالي في العراق، تصنع أزمة اتهام شخصيات معينة من غير أعضاء الائتلاف الحاكم طبعاً، فينشغل الناس بها وينسون الأهم.

3 - يتحقق مع اختلاق الأزمات والترويج لها الوصول إلى غايات معينة وأهداف محددة يريدها صانع الأزمات، وقد يصعب تحقيقها من غير اختلاق أزمة، ففي أزمة الاعتقال التي تعرّض لها النائب أحمد العلواني، وضعت الحكومة العراقية إطلاق سراحه مقابل إنهاء اعتصامات الأنبار، وهي مقايضة غير عادلة وتبعد عن المنطق كثيراً، إلا منطق الكيل بمكيالين واستثمار الأزمات وتحقيق الانتفاع منها.

وأزمتنا اليوم: هجوم الجيش العراقي على الأنبار بحجة مقاتلة فلول القاعدة في صحراء العراق الغربية، فقد رافقتها بوادر صناعة أزمة جديدة، منها: أن المالكي استغل تحشد الشيعة العراقيين في كربلاء ليلقي كلمة نارية من هناك يصور فيهم مقارنة مفترضة ستجري الآن في العراق بين معسكر الحسين ومعسكر بني أمية، في محاولة لاستغلال عواطف الجماهير الحاشدة، مبيناً لهم أنه الحامي لمذهبهم والمدافع عن وجودهم، كما أن أسطوانة مقاومة الإرهاب المشروخة والتي أصابت رؤوس العراقيين بالصداع، كان لها حضور فاعل ومؤثر في المشهد الملتهب، ثم انساق الكلام إلى أهم أسباب اختلاق أزمة الأنبار: قضية الاعتصامات التي مضى على اندلاعها أكثر من سنة، ونقول هي نوع من أزمة موجودة على أرض الواقع جرى تضخيمها، أو إضافة فروع أزمات لأزمة رئيسة موجودة؛ لأن حكومة بغداد لو كانت لا تريد إيقاع فتنة عبر موضوع فلول المسلحين في الصحراء، لخاطب المالكي نفسه أهل الأنبار خطاباً يعكس فيه ما يستحقونه من احترام وتقدير، ولأثنى على مطالب المعتصمين المشروعة ولو مجرد ثناء لفظي، أو مدح شيوخ عشائر المدينة ووجهاءها وعلماء الدين فيها، هذا إن لم نقل إنه يجب أن يظهر نفسه رئيساً لوزراء العراق كله، فيذهب لزيارة الأنبار كما يذهب لباقي مدن العراق، وبذلك يمكن أن ينزع فتيل الأزمة أو ربما لن تكون فتنة كما تحدث الآن، فضلاً عن أن قضية اعتقال العلواني ليست لها علاقة بمسلحي الصحراء، وكان من العقل والابتعاد عن إثارة الفتن تأجيلها إلى وقت آخر.

إن منهج اختلاق الأزمات وصناعتها وتضخيمها الذي تعمل به الحكومة العراقية، تستهدف منه ما يلي:

أ - إعلامياً: يمثل الهجوم على الأنبار نوعاً من الدعاية الانتخابية التي لم يرفض فيها قانونياً حتى الآن ترشح أي فرد لرئاسة الوزراء أكثر من ولايتين، وهذا يعني إمكانية أن تكون الحكومة الحالية في العراق هي الحاكمة أيضاً لأربع سنوات قادمة، طالما ارتبط الأمر بوجود (رجل) المرحلة وبطل الساحة الذي يمكنه أن يذلل العقبات ويستتب الأمن في عهده. ومن الإعلام أيضاً مرافقة الحملة لأكبر حشد إعلامي لتغطيتها، مع الأخذ في الحسبان مقدار الفائدة والمنفعة المتحقق لبعض وسائل الإعلام ولبعض الإعلاميين ممن يعرضون أقلامهم وذممهم للبيع مقابل مكاسب دنيوية، كما تعد وسائل الإعلام أوعية جاهزة لإطلاق الشعارات الزائفة وتشويه الحقائق وتوظيف الخطاب الإعلامي لمصلحة مطلق الحملة أو صاحب الأزمة، ومن هذه الشعارات التي شاعت إعلامياً: (الهجوم هو لتخليص أبناء الأنبار من القاعدة.. إن مطاردة المسلحين جاءت بطلب من أهالي الأنبار.. إن اعتصام الأنبار ضمّ مطلوبين للدولة لا بد من القبض عليهم... وغيرها من الشعارات التي كان أغربها وأطرفها: إن الحكومة العراقية قدمت للأنبار في هذا الهجوم هدية بمناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة).

  ب - سياسياً: إن ساسة العراق يدركون تماماً أن الكتل السياسية وشخصياتها ورموزها قد وقّعت أو أوقعت نفسها منذ احتلال العراق في العام 2003 تحت طائلة التأثير الطائفي، وكشفت أكثر من انتخابات في السنوات الماضية أن القوائم ذات البعد الطائفي ناجحة على حساب غيرها، بعد غياب الصوت الوطني الحقيقي لأسباب لسنا بصددها الآن؛ ولهذا يمثل الهجوم على الأنبار محاولة لإعادة الطائفية السياسية إلى أرض الواقع، ولتعود من جديد مرجحة كفة ميزان الانتخابات القادمة لمن ينادي بها، وقد أدركت حكومة العراق الحالية ذلك، كما أدرك غيرها، نتيجة تعالي بعض الأصوات والدعوات إلى ضرورة إيجاد قوائم انتخابية لا تعتمد الخطاب الطائفي.

ومن ألاعيب السياسة أيضاً أن يستمر تشويه سمعة الخصوم ومكانتهم، ورغم أن ممثلي السنة السياسيين إمكاناتهم وصلاحياتهم محدودة ونسبة ما سيشغلونه في الحكومة أو البرلمان غير مؤثرة جداً في الأحداث، إلا أن التحالف الوطني الذي يهيمن على الحكومة الحالية يرى في بروز أسماء ورموز لها ولاء حقيقي لقضايا السنة ومطالب الاعتصامات، ما يشكل قلقاً لها إذا ما فازت هذه الأسماء وقويت الرموز، وهذا يعني أن من أهداف عملية الأنبار هو قلب الطاولة على رموز وأسماء من ترشحوا من هذا المكون للانتخابات القادمة لكي تكون الخسارة عنواناً لهم، أو ربما تقوم الحكومة العراقية أو الائتلاف الوطني بترشيح من ينضوي تحت لوائها ولا تشعر معه بالقلق، كما أظهرت خالد الملا ومهدي الصميدعي ممثلين عن السنة في المجال الديني، مع أنهم يفتقدون أي رصيد شعبي أو شرعي.

ج - طائفياً: لم يعد البعد الطائفي خافياً على أحد، مع أن الكثير من أهل السياسة وقادة الرأي العراقي ينكرون أن يكون لإيران سطوة أو نفوذ واضح على الحكومة العراقية، متجاهلين حقائق ملموسة واعترافات مختلفة بوجود ما يشبه التبعية للقرار الإيراني، وما دامت إيران ماضية منذ ثمانينيات القرن الميلادي الماضي في (تصدير الثورة) إلى دول الجوار، يشهد لذلك تدخلهم القوي ومنح التنازلات مقابل عدم سقوط حكومة بشار الأسد في سورية، ويتضح تدخّلهم القوي أيضاً في اليمن والبحرين ولبنان... وغيرها، ما يوحي بعدم معقولية أن لا تسعى إيران للهيمنة على العراق سياسياً ودينياً واقتصادياً، لا سيما بعد أن أصبح العراق يدار من قبل حكومات تنتمي لنفس المذهب السائد فيها، بل إن معظم الأحزاب والتيارات الدينية العراقية الشيعية تؤمن بنظرية ولاية الفقيه التي تنادي بها إيران، وترى التجربة الإيرانية في مجالات السياسة والدين يمكن أن تطبق في العراق، وهذا قطعاً مما لا يختلف فيه اثنان!

ومن هنا نستطيع القول إن هجوم الجيش العراقي على الأنبار يأتي لتحقيق كثير من الأهداف الطائفية والمذهبية؛ فالأنبار محافظة سنية، وإذلال أهلها إذلال لسنة العراق جميعاً، مع إدراكنا أن معظم القوات المسلحة المشاركة في الهجوم هي قطعات يغلب على عناصرها الشيعة، إذ إن معظم منتسبي القوات المسلحة من هذا المكون، وبعضهم معبّأ لتنفيذ مفردات الخطاب الطائفي على الواقع متأثراً بقادة الرأي من السياسيين وشيوخ البدع والفتن، والأمر واضح بين هذا الهدف وهدف إعادة الطائفية السياسية في الانتخابات القادمة، فإذا تم سحق أو إضعاف الفئة المكونة لمحافظة الأنبار، ستتسع دائرة الموافقين والمؤيدين لكل من قام بهذا الفعل.

أخيراً، نستطيع القول إن أزمة (الأنبار) الحالية أفرزت حتى الآن بعض النقاط التي يمكن الإشارة إليها:

1 - إنها محاولة لخلط الأوراق ومزج القضايا في واحدة متعددة الألوان والأهداف، والتي في مقدمتها: إلغاء الاعتصامات السلمية التي كانت من العلامات البارزة في شيوع الوحدة والتآلف وسط مكون مضطهد يطالب بحقوق مشروعة، وربما هناك من الخشية ما يكفي للقول إن المحافظات المنتفضة ضد سياسة الحكومة الطائفية ستندم على موافقتها بفض هذه الاعتصامات.

2 - إن قضية اعتقال العلواني تحقق أهدافاً عدة، منها: استمرار خلط الأوراق، وإذابة الأهم في المهم، مع أن اعتقال الرموز والأسماء التي تحظى بشعبية كبيرة كان متبعاً من قبل الاحتلال الأمريكي، وكان من المرشح أن تعتقل أسماء أخرى أكثر حضوراً؛ كرافع العيساوي، أو أحمد أبو ريشة، أو عبد الرزاق الشمري، أو علي حاتم سليمان، إلا أن اختيار العلواني بالذات جاء لتحقيق أغراض طائفية؛ كونه أدلى بتصريحات تمسّ الشيعة وتربطهم بإيران.

3 - للأكراد حصة مهمة وموقع مؤثر في ظلال هذا النوع من الأزمات، فوافقت الحكومة العراقية على استئناف تصدير النفط من كردستان، وأعلنت موافقتها على جعل (حلبجة) محافظة رابعة للأكراد، في محاولة لجذب الجانب الكردي وتأمين عدم مساندته أو تعاطفه مع العرب السنة في قضيتهم.

4 - تطورات الأحداث التي ستأتي لاحقاً تشير إلى احتمال وقوع صراع مسلح أو نزاع عشائري أو خلافات سياسية تقلل من شأن المشاركة في الانتخابات، التي من المفترض إجراؤها في العام 2014، رغم إيمان أغلبية أهل السنة في العراق بأنها لن تأتي بجديد لهم على صعيد مكاسبهم أو تمثيلهم البرلماني، وقد تؤجّل أو ترتب بشكل ما كما حدث في الانتخابات السابقة في بعض المحافظات السنية.

5 - في ضوء تطورات الأحداث وما سينجم عنها، فقد يتم تجاهل مطالب الاعتصامات وقضية المعتصمين أو نسيانها بالكامل بعد أن تصبح ترفاً أو بطراً لا يمكن النقاش عنه بجدية، في ظل ولادة أزمة بعد أخرى، ويصبح تذكّرها أزمة بحد ذاته.

:: الـعـراق والإبـادة الـطـائـفـيـة – مـلـف خـاص

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.