إذاً انطلقت شرارة غضب أهل السنة والجماعة في العراق على الظلم والتهميش والإقصاء الحكومي.. ظلم تجاوز مداه كل الأعراف السماوية والوضعية، ووضع العراق بأسره على مفترق طرق، في ظل ظروف معقّدة تعصف بكل المحيط الإقليمي للعراق، وتنذر بمواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، لا تشمل العراق وحده، بل كل دول الجوار.. شرارة تقول كل المعطيات إنها ستتحوّل تدريجياً إلى حريق هائل يلتهم الأخضر واليابس، في ظل صمت عربي مريب وتعاون إيراني - أمريكي من تحت الطاولة لم يعد خافياً على أحد.

قد يبدو المشهد العراقي شديد التعقيد، لكن واقع الحال ينفي هذا التعقيد بعد أن انكشفت الوجوه وسقطت كل الأقنعة؛ فالحكومة التي يديرها نوري المالكي أثبتت بالدليل القاطع أنها طائفية حتى النخاع، تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر، وهي لسان حال سياسة إيران وأمريكا بعد اتفاقهما النووي المشبوه الذي قسَّم كعكة المنطقة بينهما بينما تغطّ دول عربية معوّل عليها في سبات عميق والنار تقترب منها رويداً رويداً.. وأما من يدَّعون أنهم ممثلون لأهل السنة في العملية السياسية، فظلوا على مواقفهم الهزيلة كعادتهم، وزادوا عليها هذه المرة أنهم وضعوا أيديهم في يد المالكي من أجل القضاء على ثورة أهلهم الكبرى، المتمثلة في انتفاضة المحافظات الست، وفي مقدمتها الأنبار «قاهرة الاحتلال البغيض».

لن تنتهي معركة الأنبار دون تحقيق مكاسب كبيرة لأهل السنة والجماعة، رغم شدة المؤامرات التي يتعرَّض لها ثوار العشائر الذين يخوضونها، سواء من سياسييهم المهووسين بالمناصب والمكاسب المادية، أو من أبناء جلدتهم ممن أصبحت الخيانة سلعتهم الرئيسة التي يجنون من ورائها المال؛ ورغم تفاوت ميزان القوة الذي يميل كثيراً إلى جانب جيش المالكي المدجّج بأنواع الأسلحة الفتاكة التي زاد عليها الأمريكان في الأيام الأخيرة بطائرات مسيرة وصواريخ شديدة الانفجار والتدمير؛ لأن العنصرين السابقين يتلاشيان أمام حقيقة أن المقاتلين من ثوار العشائر ومن يساندهم من مقاومي الاحتلال، يتسلحون بإيمان كبير وثقة لا حدَّ لها بأن الله سبحانه وتعالى لن يخذلهم وسيمدهم بالنصر والتمكين، وما حدث وما زال يحدث حتى الآن في الأنبار والموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى من مواجهات، دليلٌ على صدق ما نقول.

قد يتساءل أحد عن سر ذهابنا إلى هذا الحد من التفاؤل بأن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه قبل ثورة أهل الأنبار وباقي المحافظات السنية الأخرى، فنرد أن السبب الأول لهذا التفاؤل هو أنه رغم ضخامة التضليل الإعلامي الذي شهدناه وهو يحاول تشويه هذه الثورة المباركة، لم يفلح في الحدّ من تصاعد فورة الثورة وإصرار رجالها على الذهاب بها إلى آخر المطاف، وإن كثرت التضحيات. وهنا تستحضرني قصة أحد أبطال هذه المعركة وهو شاب في مقتبل العمر من أبناء مدينة الكرمة، والذي نفّذ عملية استشهادية من طراز خاص، حيث يقول أحد إخوته الذين كانوا معه إن الشاب عندما رأى رتلاً لدبابات جيش المالكي يتقدم باتجاه مدينته ولم تفلح الأسلحة المتوافرة بيد إخوته في إيقاف زحفه، أقدم على التسلل بين الدبابات المتقدمة وصعد على ظهر إحداهن ليرمي قنبلتين يدويتين داخل قمرة قيادة الدبابة، ووضع جسمه فوق فتحة القمرة ليضمن حصول الانفجار في الداخل وتدمير الدبابة، وهو ما حصل فعلاً، وقد نجحت هذه العملية في بثّ الرعب في صفوف القوة المهاجمة، حيث ترك جنود المالكي دباباتهم وفروا وتمكّن الثوار من اغتنامها بالكامل.

والسبب الثاني وبرأي كثير من المراقبين، أن الجيش الحكومي بات في وضع لا يحسد عليه، فقد استنفد قائده العام كل أوراقه في معركته مع الثوار ولم يتمكن من تحقيق أي تقدم عسكري، فقد استعان بقوات النخبة لديه وزج بكل أفواج الجنوب والوسط، لكن من دون جدوى، بل إن صور جنوده الذين يهربون وطائراته التي تساقطت الواحدة تلو الأخرى، بما فيها الطائرات الروسية التي راهن عليها كثيراً وقرر أخيراً الاستغناء عنها، بحسب مصادر مطلعة، فضلاً عن آلياته المختلفة؛ وهي تتناثر محترقة هنا وهناك؛ بات كل ذلك مادة دسمة لمواقع التواصل الاجتماعي يتندّر المشاركون بها.

إن الحقيقة التي لا غبار عليها أن أبناء أهل السنة والجماعة في العراق، ومن باب الإنصاف العدل، يؤدون ما عليهم بكل ثبات وتضحية، لكن الذي يفتقدونه، ليس الآن بل منذ بدء احتلال العراق حتى يومنا الحاضر، هو غياب الدعم العربي والإسلامي الرسمي لهم، فقد ترك العرب، لا سيما في الخليج العربي، إخوتهم في العقيدة في العراق يقاتلون لوحدهم الاحتلالين الأمريكي والإيراني، وبفضل من الله تمكّنوا من طرد الاحتلال الأمريكي، لكنهم يقاتلون اليوم احتلالاً إيرانياً هو أشد خطورة وأنكى، بينما يكتفي إخوتهم العرب بالتفرج عليهم في وقت رأينا فيه بأم أعيننا كيف أعلنت إيران وعلى الملأ أنها لن تترك نظام بشار الأسد يسقط، وأمدته بالمرتزقة والسلاح، وأوعزت إلى أدواتها في العراق ولبنان لمساندة قوات الأسد في حربها على أهل السنة والجماعة في سورية، ولا تزال تفعل ذلك.. والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا أنه إلى متى يبقى هذا الصمت العربي؟ لا سيما من الدول التي تمثل العمق الاستراتيجي، ليس لأهل السنة في العراق فحسب، بل لكل العالم العربي والإسلامي؟

وما الذي تنتظره لتقف بقوة إلى جانب أهل السنة والجماعة في العراق في مواجهتهم الكبرى التي إن لا قدر الله وخسروها، فإنها ستكون أول من يدفع ثمناً غالياً لتهاونها الذي استمر طويلاً، والحال ينطبق أيضاً على علماء الحرمين الذين لهم مكانة خاصة عند سنة العراق، فهؤلاء باستثناءات قليلة لم يرَ منهم أهل السنة والجماعة دوراً يعزز صمودهم بوجه الحرب التي تشنّها إيران وعملاؤها في الداخل عليهم بلا رحمة.

:: الـعـراق والإبـادة الـطـائـفـيـة – مـلـف خـاص

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.