في عالم السياسة كل شيء ممكن؛ أعداء الأمس أصدقاء اليوم، وأصدقاء الأمس أعداء اليوم.. هكذا يراد لنا ترجمة ما حدث من تقارب واتفاق بين إيران وعدوتها اللدود أمريكا، التي ما برئ شعار “الشيطان الأكبر” وأخوه “الموت لأمريكا” يغادر حناجر القوم في إيران حتى قبيل الاتفاق بأيام.

بعدما توصّلت إيران مع وزراء خارجية دول مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا)، إلى اتفاق في يوم الأحد 24 أكتوبر 2013م؛ اشتعلت المنطقة بالتكهنات والتحليلات التي شرّقت وغرّبت لسبر غور حقيقة الاتفاق والعلاقة بين أمريكا - راعية الاتفاق - وإيران، وهل هي تطور بُني على أنقاض صراع وخلاف، أم أنهم أظهروا جزءاً مما يُطبخ في السر لأهداف سياسية تخصّ التطورات في المنطقة، لا سيما ما يحدث في سورية ومصر؟

وبموجب الاتفاق تخفف العقوبات الاقتصادية على إيران تدريجياً، ويفرج عن جزء من أموالها المجمدة لدى أمريكا وبعض الدول، وحصولها على عائدات تبلغ 1.5 مليار دولار من التجارة بالذهب والمعادن النفيسة، كما سيتم رفع الحظر عن البنك المركزي الإيراني وصادرات النفط والتكنولوجيا المدنية، والسماح باستخدام الودائع الإيرانية في عمليات شراء قطع غيار للطائرات المدنية وغيرها، وتعليق بعض العقوبات على قطاع السيارات الإيراني وصادرات إيران من البتروكيماويات، وأيضاً السماح ببقاء مشتريات النفط الإيراني عند مستوياتها الحالية المخفّضة بشكل كبير، وسيسمح بتحويل 4.2 مليار دولار من هذه المبيعات على أقساط، وأيضاً سيكون هناك اعتراف بدور ونفوذ إيران الإقليمي في المنطقة إذا نفذت التزاماتها.

هذا مقابل عدم زيادة النشاط النووي الإيراني عن الحد الحالي. كما وافقت إيران على منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الحق في زيارة منشآتها النووية على نحو أفضل، ووقف بعض نشاطاتها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم 20% لمدة ثلاث سنوات.. لكن المفاوضين الإيرانيين أصروا على أن لبلادهم الحق في الحصول على الطاقة النووية.

بعض التحليلات تبرهن على هذه التطورات بأنها ناتجة عن شعور أمريكا بالضعف بعد التراجعات الاقتصادية بدءاً من العام 2008 مع بروز المشكلة الاقتصادية العالمية، وتأثرها الشديد بها، وما تبعها من زلازل اقتصادية خطيرة، واستنزاف الاقتصاد الأمريكي في حروب خارجية في أفغانستان والعراق وغيرهما، تزامن ذلك مع تهاوي قبضة أمريكا على بعض دول المنطقة، ومحاولة بعض الدول - كروسيا - أن تكون لها قدم في المنطقة، واستغلال الصراعات للدخول بقوة في المنطقة، ما شجع أمريكا على محاولة التركيز وإطفاء بعض بؤر الصراع للتفرغ لأخرى، لا سيما مصر، الكنز الاستراتيجي لأمريكا.

كما تخمّن بعض التحليلات أننا أمام استحقاقات لسايكس بيكو جديد، يتم فيه تقسيم دول المنطقة بشكل جديد، توزع فيه على بعض القوى في حدود السيطرة والهيمنة الغربية والأمريكية.

وعموماً، تتفق كل من إيران والغرب بصفة عامة، وأمريكا بصفة خاصة، على أن العدو المشترك بينهما هو الجماعات السنية المسلحة، وقد تعاونا من قبل ضد هذه الجماعات، ولعل القادم سيحمل مزيداً من التعاون بينهما لمواجهة الحركات الجهادية في المنطقة، لا سيما أنها تمثل أكبر تهديد وعائق أمام سعي كل منهما لبسط سيطرته على المنطقة.

كثرة التحليلات والتخمينات جاءت بعد أن فوجئ الكثيرون بهذه التحولات في العلاقة الأمريكية - الإيرانية.

لكن المتابع والمدقق والمتفحص في طبيعة العلاقة بين الغرب بصفة عامة وأمريكا بصفة خاصة، مع إيران؛ يعرف أن العلاقات بينهما لم تنقطع على مدار التاريخ من صراع نفوذ إلى توافق في الأهداف والطموحات والتوسع.

فلم تنقطع العلاقة بين الشيعة والغرب حتى قبل ميلاد “أمريكا”، وتحول “بلاد فارس” إلى العقيدة الشيعية، ثم تسميتها “إيران”، حيث تطورت العلاقة بتحالف الشيعة مع الصليبيين زمن الحروب الصليبية، ثم تحالف الدولة الصفوية مع الدول الأوروبية التي كانت في صراع مع الدولة العثمانية، مثل المجر والنمسا ثم فرنسا وبريطانيا، وفي عهد الدولة البهلوية في بداية القرن الماضي قويت العلاقة بينها وبين بريطانيا، القوة العظمى في ذلك الوقت، وكان لهذه الدولة دور في إسقاط الخلافة العثمانية، وكان الشاه محمد رضا بهلوي – الذي تلقى تعليمه في سويسرا – على علاقة قوية بالمخابرات البريطانية عن طريق العميل “مسيو براون“.

كما ساعدت بريطانيا الشاه على استلام الحكم من والده في السنة 1941، وبعد أن استلمت أمريكا الراية من بريطانيا أكملت معه المسيرة، حيث ساعدته على العودة إلى الحكم مرة أخرى بعد ثورة مصدق 1963، وأصبح بعدها عضواً فاعلاً في نادي العمالة الأمريكية، واتخذ الأمريكان إيران مسرحاً لتحقيق مصالحهم في المنطقة بأسرها، وبدأت بينهما علاقة لم تنتهِ إلى اليوم، وبعد أن أدى الشاه دوره وانتهت صلاحيته رأت أمريكا أنه لم يعد أهلاً لشرف العمالة، في حين بدأت معارضة الملالي تأخذ وضعها من الشارع الإيراني أعطت لها أمريكا الضوء الأخضر في المضي نحو الثورة[1].

وهذا ما صرح به أبو الحسن بني الصدر - أول رئيس لإيران بعد الثورة الخمينية مباشرة - في برنامج “زيارة خاصة” على قناة الجزيرة الفضائية في الأول من ديسمبر عام 2000[2]، حيث قال: (جاء موفدون من البيت الأبيض للقاء الخميني في (مافلي شاتو) منفاه في فرنسا، واستقبلهم آنذاك إبراهيم يزدي، الذي كان وزيراً للخارجية في حكومة مهدي بازاكان. في طهران عقد اجتماع ضم السفير الأمريكي في طهران من جهة، ومهدي بازاكان الذي أصبح رئيساً للوزراء، و(موسوي أردافيلي) أحد الملالي الذي أصبح بدوره رئيساً لمجلس القضاء الأعلى؛ خرج المجتمعون باتفاق يقضي بأن يتحالف رجال الدين والجيش من أجل إقامة نظام سياسي مستقر في طهران).

وفي تصريح لآية الله روحاني الذي كان ممثلاً للخميني في واشنطن، عندما كان الأخير في فرنسا، يقول: (أنا مقتنع بأن أمريكا أعطتنا الضوء الأخضر).. مقابلة مع صحيفة باري ماتش، نقلاً عن ويل للعرب لعبد المنعم شفيق.

وعندما سئل أبو الحسن بني الصدر في نفس البرنامج: هل كانت هناك محادثات كثيرة بين الملالي والأمريكيين سرياً؟ قال: (نعم، نعم، كانت هناك لقاءات كثيرة أشهرها لقاء أكتوبر المفاجئ، والذي جرى هنا في باريس، ووقعت اتفاقات بين جماعة (ريغان) و(بوش) وجماعة الخميني).
وقال في نفس المقابلة: (عقد اجتماع بين جماعة (ريغان - بوش) وجماعة الخميني، عقد ذلك في باريس، وكان هناك اتفاق... بعدها كتبت للخميني لإطلاعه على هذه المعلومات، ولم أكن أصدق أنه كان على علم بذلك، كنت أظن أنه خارج اللعبة، إذن كيف تفسرون إطلاق الرهائن عشية أداء الرئيس (ريغان) اليمين الدستورية؟!).

وقال أيضاً: (كان رضا باسنديدي ابن أخ الخميني جاء إلى (مدريد) للقاء مسؤولين أمريكيين، ثم عاد إلى إيران وطلب مقابلتي، وقال لي إنه كان في (مدريد)، وطلب الأمريكيون لقاءه، وأعطوه اقتراحات مشروع جماعة (ريغان – بوش)، وقال لي: إذا قبلتها سيلبي (ريغان) جميع طلبات إيران عندما يصلون إلى السلطة، وهددني إذا رفضتها بالتعامل مع خصومي السياسيين، هل تتصوّرون أن ابن أخ الخميني يخرج من إيران دون إذن عمه؟! لم يقل لي إنه خرج من إيران للقائهم، قلت: ربما كان في زيارة إلى أوروبا، وبعدها قرأنا في الكتاب أنه كان مدعواً لذلك).

وقال عن الخميني: (كان يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة على ضفتي العالم الإسلامي، كان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسورية ولبنان، وعندما يصبح سيداً لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج الفارسي للسيطرة على بقية العالم الإسلامي. كان الخميني مقتنعاً بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ ذلك، قلت له: إن الأمريكيين يخدعونك، ورغم نصائحي له ونصائح الرئيس عرفات - الذي جاء يحذره من نوايا الأمريكيين- فإنه لم يكن يريد الاقتناع)[3].

وقال مصطفى العاني، وهو محلل عراقي مقيم في دبي: حقق الأمريكيون حلم آية الله الخميني، الزعيم الأعلى الإيراني الراحل، مجاناً. لم تحقق ثماني سنوات من الحرب مع إيران شيئاً[4].

لقد أعطى الخميني في العام 1984 الضوء الأخضر لإجراء محادثات سرية مع الولايات المتحدة بواسطة إسرائيل، وأوضحت التقارير الصادرة حول (إيران جيت) المدى الذي وصل إليه الخميني من الاتفاقيات السرية مع الأمريكيين، لقد انهار المشروع بأكمله عندما قرر آية الله حسين علي منتظري إدانة الاتصالات السرية بين طهران وواشنطن لتنتهي المسألة بإبعاد منتظري من طهران[5].

وفي العام 1986م قام مستشار الأمن القومي الأمريكي “بد مكفارلن” بزيارة سرية لطهران، وحضر والوفد المرافق له على متن طائرة تحمل معدات عسكرية لإيران، وجلب الوفد معه كعكة صنعت على شكل مفتاح كرمز لمفتاح الصداقة بين البلدين، كما قدموا إنجيلاً يحمل توقيع الرئيس ريغان، وكان الكشف عن هذه الزيارة هو ما أثار القضية التي عرفت وقتها بـ ”إيران جيت“[6].

قضية “إيران جيت” أو “إيران كونترا” هي التي عقدت بموجبها إدارة الرئيس الأمريكي ريغان اتفاقاً مع إيران 1985م، يقضي ببيع إيران وعن طريق إسرائيل ما يقارب 3000 صاروخ “تاو” مضادة للدروع، واستعمال أموال الصفقة لتمويل حركات “الكونترا” المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا.

التنسيق بين الأمريكان وإيران لم ينقطع يوماً ما، واستمرت العلاقات السرية مع أمريكا - الشيطان الأكبر - بعد موت الخميني، في عهد رفسنجاني، حيث تم التنسيق بينهما خلال حرب الخليج الثانية، وكانت الفرصة مواتية للقضاء على العراق العدو اللدود لإيران.

ثم كان الانفتاح الأكبر في عهد محمد خاتمي، حيث تحولت العلاقات بينهما من السر إلى العلن لأول مرة منذ قيام الثورة الخمينية.

قال السفير الأمريكي السابق في قطر “جوزيف جوجاسيان”: (إن الرئيس الأمريكي سيلغي قرار حظر تعامل الشركات الأمريكية مع طهران قبل نهاية العام المقبل 1999. ولفت إلى أن كلينتون وضع على الرف قراراً كان أصدره الكونجرس يمنع تعامل شركات غربية مع إيران، مشيراً إلى أن هذا القرار سينتهي تلقائياً عام 2001. وأعرب عن اعتقاده بأنه لن يتم تجديده. وقال إن الشركات الأمريكية ستعود قريباً للعمل في إيران)[7].

أعقب ذلك تقديم الرئيس الأمريكي بل كلينتون اعتذاراً لإيران في أبريل عام 1999م من ظلم السياسات الأمريكية تجاهها.

وبلغ التنسيق قمته بعد أحداث سبتمبر ومساعدة إيران أمريكا على احتلال أفغانستان 2001م، والعراق 2003.. (لولا مساعدة إيران لما نجحت أمريكا في احتلال العراق وأفغانستان). كما اعترف بذلك قادة إيران، وفي مقدمتهم خاتمي، حينما كان رئيساً في نهاية عام 2004، وقاله قبله نائبه محمد علي أبطحي في مطلع عام 2004 في ندوة دولية بدبي، وقاله بعدهما هاشمي رفسنجاني أثناء حملته الانتخابية في عام 2005.

تم تقسيم العراق بين أمريكا وإيران، حيث حازت إيران كامل النفوذ داخل العراق الذي لم تكن تحلم بالحصول عليه يوماً ما، مقابل النفط والنفوذ السياسي الأمريكي في العراق والخليج.. وتمت الصفقة بين الحكومة العراقية الشيعية وأربع شركات نفط أمريكية، هي: “إكسون موبيل”، و”شل”، و”توتال”، و”بريتش بيتروليوم”، التي كانت تجمعها شراكة منذ عقود بـ ”شركة نفط العراق”، والتي انضمت إليها “شيفرون” وشركات نفط صغيرة أخرى، لتجدد امتياز النفط الذي خسرته عند التأميم أثناء الأعوام التي سيطر فيها منتجو النفط على مواردها الخاصة، وتمت السيطرة الكاملة للشركات الأمريكية، وتم استبعاد أكثر من 40 شركةً من دول أخرى مثل الصين والهند وروسيا، ما يعزز القول بأن احتلال العراق لم يكن إلا لالتهام ثروة العراق في صفقة استغلالية غير مسبوقة، وكل ما يهم الساسة الأمريكان أن يبقى العراق خاضعاً لأقصى حدّ ممكن للسيطرة الأمريكية بصفته دولة مطيعة تأوي كذلك قواعد عسكرية أمريكية كبرى في قلب أهمّ احتياطيات الطاقة في العالم، ولن يكون ذلك إلا بمساعدة إيران والشيعة العراقيين.

وطبقاً لوثيقة “إعلان المبادئ” التي وقعت بين البلدين والتي تضمّنت بنوداً صريحة لاستغلال ثروات العراق، فقد نصّت على أنّ اقتصاد العراق وموارده النفطية لا بد من أن تكون مفتوحة أمام الاستثمار الأجنبي، “خاصة الاستثمار الأمريكي”.

والسر في هذه العلاقة أن أمريكا تتفق مع الشيعة في أن عدوها الرئيسي هو الحركات الإسلامية السنية، التي تقف في وجه الإمبريالية الأمريكية في العالم الإسلامي بأسره، خاصة في أفغانستان والعراق وسورية ومصر، وغيرها.

فالوضع الجديد في المنطقة رُسم بعناية بعد أحداث 11 سبتمبر وبعد احتلال العراق، حيث تعطيهم أمريكا الضوء الأخضر لضرب الإسلام السني والحركات الإسلامية السنية في العراق وسورية، وتحقيق إيران حلمها بتصدير الثورة وأمة الحزام الشيعي ومحاصرة العالم الإسلامي السني، تمهيداً لقيام الإمبراطورية الفارسية من جديد لتحكم العالم الإسلامي، مع العلم أن أمريكا لا تسمح لأي دولة لها ميول توسعية بالتمدد خارج حدودها، كما فعلت مع صربيا ومع الهند وغيرهما، كذلك من الغريب أن تسمح أمريكا لدولة “إسلامية“ بأن تقيم نظام حكم إسلامي، فضلاً عن أن تقيم معها علاقات بهذه القوة، وهي التي بذلت كل ما في وسعها لإسقاط نظام طالبان الإسلامي السني[8].

نحن الآن على أعتاب مرحلة جديدة من العلاقات بين الدولتين، والتي ظلت تراوح مكانها بين شد وجذب طوال الأعوام الماضية، والحقيقة أن أمريكا لم تدخل مع إيران في صراع حقيقي، فبمجرد محاولة العراق إنشاء مفاعل نووي تم ضرب منشآته في 1981م، وهذا ما لم يحدث مع إيران، وغاية ما في الأمر أن العلاقات السرية بين البلدين تحولت للعلن، حتى تتم الاتفاقيات على مسمع ومرأى من العالم.

في مايو 2003، وبعد وقت قصير من الغزو الأمريكي للعراق، قامت عناصر من الحكومة الإيرانية بقيادة محمد خاتمي بتقديم اقتراح سري عن “صفقة كبرى” من خلال القنوات الدبلوماسية السويسرية، وعرضت بشفافية كاملة برنامجها النووي الإيراني والانسحاب من دعم «حماس» و«حزب الله»، في مقابل حصولها على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، وقالت إن إدارة بوش لم تستجب لهذا الاقتراح، كما شكّك مسؤولون أمريكيون كبار في أصالتها، وبورك الاقتراح على نطاق واسع من قبل الحكومة الإيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى آية الله خامنئي[9].

لكن مع وصول الصراع في سورية لذروته وتدخّل إيران التي لم يكفها مؤازرة النظام السوري سياسياً بل تقف معه عسكرياً ليس بالسلاح فقط بل بالرجال أيضاً، وهي تهدد التدخل الأمريكي والضربات الأمريكية، وأوقفت بمساعدة روسيا سعي أمريكا لإنجاز ضربة عسكرية للنظام السوري بعد استخدامه الكيماوي؛ مع كل المقدمات السابقة وصل الصراع السياسي بين إيران وأمريكا إلى مرحلة جديدة يبدو فيها أن تجديد العرض الإيراني بامتلاك السلاح النووي مع تقديم التنازلات الاستراتيجية لأمريكا؛ هو الخيار وسيد الموقف، فحماس قد خرجت من سورية ويتم حصارها الآن في غزة بمساعدة الانقلابيين المصريين، وتوقف الدعم الإيراني لهم، وحزب الله متورط في سورية وزادت خسائره بطريقة ملحوظة ولم يستطع مساعدة النظام السوري الذي أصبحت أيامه معدودة.. وعموماً، فإن حزب الله في الاستحقاقات الجديدة أمام خيارين: إما يتم تحويله إلى حزب سياسي ونزع سلاحه، أو يصير معاوناً ومساعداً للتوجهات الجديدة لإيران وأمريكا في مواجهة الحركات الجهادية، سواء في سورية أو غيرها.

والبديل هو نظام خاضع لأمريكا وإسرائيل وبمساعدة بعض الدول العربية التي تسعى لتحجيم دور المجاهدين الإسلاميين على الأرض، بتكوين ميليشيات تابعة لها، يمكن أن تتحول إلى شوكة في ظهر المقاتلين السوريين في أي لحظة.

بعدما بدأ الحديث عن توافق بحق السلاح النووي الإيراني، وبروز العلاقات الإيرانية - الأمريكية إلى العلن ووصولها لأعلى درجات الانسجام ومباركة أوروبا لها؛ كل هذا يعني أن اتفاق تقسيم المنطقة بات واضحاً.. فإيران بسلاحها النووي ستلتهم مناطق خليجية بأكملها، مثل البحرين والكويت وأجزاء من الإمارات والسعودية (المنطقة الشرقية الغنية بالنفط) وقطر، ولن تستطيع قوة أن تقف بوجهها بعد تدمير الجيش العراقي، وإغراق الجيش المصري في البزنس وفي صراعات داخلية وانقلاب فاشل.

وتسيطر أمريكا على الدول الاستراتيجية، مثل سورية ومصر وليبيا وغيرها.

ولا يعدو كون الصراخ الإسرائيلي إلا تمثيلية مكشوفة، فهي التي ضربت الإنشاءات النووية العراقية دون استئذان أو تهديد، ولا تفتأ تهدد بضرب السلاح النووي الإيراني منذ سنوات ولا نرى طحيناً.. الموضوع هو توزيع أدوار حتى تعمق إسرائيل علاقاتها بالدول الخليجية المرعوبة من التقارب الأمريكي - الإيراني.

هذه التحولات في العلاقة أصابت بعض دول الجوار - وتحديداً دول الخليج – بالقلق البالغ، لتيقنها من سعي إيران للسيطرة على المنطقة ومدّ نفوذها خارج حدودها بعد سيطرتها على العراق، ودورها الخطير في مساندة نظام بشار ومشاركتها العسكرية له.

التقارب مع إسرائيل ليس حلاً، بل سيعمق المشكلة، وسيجعل دول الخليج تقع فريسة بين عدوّين يريدان التهامها.. ومن تاريخ العلاقة بين إيران وإسرائيل نعلم يقيناً أن إسرائيل ليست عدواً مباشراً لإيران والعكس.

كذلك البحث عن تحالفات دولية جديدة كروسيا مثلاً لن يكون مجدياً، فروسيا أضعف من أن تستطيع أن تحل محل أمريكا في المنطقة، قال روبرت جوردان، السفير الأمريكي لدى الرياض (من العام 2001 إلى 2003م): إن أي تحالفات سعودية مع قوى أخرى ستكون لها حدود.

وأضاف قائلاً لـ «رويترز»: “لا توجد دولة في العالم قادرة على توفير الحماية لحقولهم النفطية واقتصادهم أكثر من الولايات المتحدة، والسعوديون يدركون هذا. لن نراهم يخرجون من فلكها[10]”.

دول الخليج في أمسّ الحاجة لجيش قوي وتحديث اتفاقيات الدفاع المشترك، والوحدة في القرارات السياسية؛ فالعدو واحد، ولا يخفي أطماعه في الخليج العربي.

أنظمة الخليج في حاجة لرصّ صفوفها الداخلية وعدم الدخول في صراع مع بعض فئات الشعب، كما تصنع الإمارات مع «الإخوان المسلمين».

كما ينبغي الاهتمام بمشاكل اليمن، وهي جزء أصيل في الصراع مع إيران. وإهمال اليمن سيجعله الثغرة التي ستنفذ منها إيران لدول المنطقة، فالحوثيون في شمال اليمن يراد لهم لعب نفس دور حزب الله في جنوب لبنان، وترك مشاكل اليمن وعدم الحسم العسكري مع الحوثيين سيجعلهم خنجراً مسموماً في ظهر دول الخليج؛ لذا ينصح بإدخال اليمن في منظومة دول الخليج ومساعدتها اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، حتى تكون سنداً لدول الخليج. وأعتقد أن اليمن بهذا التعاون ستكون حصان الرهان الذي ستنكسر على صخرته أطماع إيران في المنطقة.

لكن تبقى هناك قوتان هما من سيكون عليهما العبء الأكبر في وقف هذه المهزلة بعد عون الله، هما: تركيا الناهضة والتي تسعى لتواجد إقليمي قوي لها يتصل به تاريخها بحاضرها الناهض، فالتقارب مع تركيا مهم في هذه المرحلة؛ لأن تركيا الأقرب لدول الخليج أيديولوجياً وسياسياً، وليست لها أطماع في المنطقة، وقدمت استعدادها للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، وإن كنت لا أعول كثيراً عليها؛ لأنها محجمة بالداخل التركي الذي لا يقف كله خلف نظامها الإسلامي. والقوة الثانية المجاهدون السوريون، فبعد اتحاد أكبر الفصائل المجاهدة في “الجبهة الإسلامية” أصبحت قوة لا يستهان بها، لا سيما أنها تسيطر على مساحة كبيرة من الأراضي السورية، ويزيد عدد قواتها المقاتلة على مائة ألف مقاتل؛ لذا يمكن أن تصير الجبهة حائط الصد في مواجهة هذه المخططات.

ما زالت الأيام حبلى بالمستجدات والمتغيّرات والمفاجآت، وما زال كثير من القوى المؤثرة لم تختبر بعد، وما زالت مصر غائبة عن الصراع، والذي نأمل مع انكسار الانقلاب أن تسترد قوتها وعافيتها مرة أخرى، وساعتها ستكون الرقم الصعب في الأحداث.

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.


[1] رأفت صلاح الدين، العلاقة بين العرب وإيران، موقع صيد الفوائد:

 http://www.saaid.net/Minute/138.htm .

 [2] http://www.aljazeera.net/programs/pages/a8ecee83-6b58-42ed-92b7-bf45820313f7 .

 [3] http://www.aljazeera.net/programs/pages/a8ecee83-6b58-42ed-92b7-bf45820313f7 .

[4] جريدة البيان الإماراتية، الأربعاء 19 يناير 2005، (الدول المجاورة للعراق تخشى شبح تولي الشيعة السلطة).

[5] نقلاً عن الصحفي الإيراني أمير طاهري، الشرق الأوسط، عدد (6986).

[6] مذكرات وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز، «نصر واضطراب»، (ص 275)، الأهلية للنشر، (ط/1، 1414هـ - 1994م).

[7] جريدة الحياة، العدد (13056)، (13/8/19هـ - 2/12/98م).

[8] رأفت صلاح الدين، العلاقة بين العرب وإيران، موقع صيد الفوائد،

 http://www.saaid.net/Minute/138.htm .

 [9] Valez، Ali (29 February 2012). «Why Iran Sanctions Won>t Work». CNN.com. اطلع عليه بتاريخ 12 March 2012

 [10] http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2NOJ20131202 .