مايوت هي الجزيرة القمرية الثالثة من حيث مساحتها البالغة 375 كم2 وعدد سكانها المقدّر بنحو 190 ألف نسمة، وتقع في المدخل الشمالي لقناة موزمبيق في المحيط الهندي على بُعد 30 كم عن شقيقتها أنجوان، وبنحو 9000 كم عن فرنسا.

وقد حكم هذه الجزيرة سلاطين عرب مسلمون من الأسرة النبهانية لمدة 105 سنوات، ممتدة من 1595 حتى العام 1790، ثم انتقل الحكم بعدها إلى المناذرة، وهم عرب عمان، الذين حكموا - بدورهم - الجزيرة حتى العام 1807م.

وفي العام 1836 استولى “أندريان تسولي”، وهو ملك مخلوع من بلاده مدغشقر، على مقاليد الحكم في الجزيرة - بالقوة -، وقام بالتنازل عنها لفرنسا بموجب اتفاقية تم توقيعها في العام 1841م مقابل مبلغ مالي زهيد قدره خمسة آلاف فرنك، وكفالة تدريس اثنين من أبنائه في جزيرة “بوربون”، المستعمرة الفرنسية الواقعة في المحيط الهندي، والمعروفة حاليا بـ ”رينيون”.

وإثر ذلك، قام السيد سعيد بن سلطان، سلطان عمان وزنجبار (1806-1856م)، بتقديم احتجاج لدى حلفائه الإنجليز على توقيع فرنسا على هذه الاتفاقية، ودخولها مايوت، وهي جزء من دولته التي ورثها عن أسلافه، وسعيها لتفكيك إمبراطوريته على مرأى ومسمع منهم.

من جانبه، قام السيد حمزة بن عبد الله، نجل السلطان عبد الله، سلطان أنجوان، نيابة عن والده؛ بتسليم رسالة احتجاج تحمل اسمه وتوقيعه، مؤرخة في 9 مارس 1843م، إلى الحكومة الفرنسية، بواسطة القنصل الفرنسي في جزيرة موريتشيوس، لتوقيعها على تلك الاتفاقية مع هذا الملغاشي المغتصب، إلا أن فرنسا لم تعر أي اهتمام لهذه الاحتجاجات، فمضت في تنفيذ مطامعها، وبسط نفوذها وسيطرتها على مايوت، وعلى شقيقاتها الثلاث الأخرى.

ومنذ ذلك الوقت جثم الاستعمار الفرنسي بكلكله على هذا الأرخبيل المسلم، الذي منحه حكماً ذاتياً منذ بداية ستينيات القرن المنصرم.. وفي 22 ديسمبر 1974 تم تنظيم استفتاء تقرير المصير، صوّت فيه الشعب القمري بـ 95% لصالح الاستقلال، و5% ضده، إلا أن فرنسا التي كانت قد دقت إسفين الفتنة ورتبت أوراق انفصال مايوت، اعتمدت نتيجة الاستفتاء لكل جزيرة على حدة، معتبرة أن 5% ممن صوتوا ضد الاستقلال هي لجزيرة مايوت، ما يعني أن أكثر من 60% ممن يحق لهم التصويت في الجزيرة اختاروا البقاء تحت الإدارة الفرنسية. ووسط هذا الجدل المحتدم حول اعتماد النتائج، أقدم رئيس مجلس الحكومة أحمد عبد الله بن عبد الرحمن، في 6 يوليو 1975، على إعلان استقلال البلاد بجزرها الأربع من جانب واحد، ومن ثم أصبحت الدولة القمرية الوليدة عضواً في الأمم المتحدة في 12 نوفمبر من العام ذاته، بموجب القرار 3385، حيث صوّتت دول العالم - بما فيها الدول الأوروبية - بالإجماع لهذه العضوية، ما عدا فرنسا التي امتنعت عن التصويت.

ومضت هذه الدولة الكبرى، ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، والتي تعطي دروساً في الديمقراطية والقانون الدولي؛ تحتل هذه الجزيرة القمرية، وتفصلها عن شقيقاتها، في خرقٍ سافر للقانون الدولي وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة بهذه القضية، والتي تربو على 20 قراراً، وتضاف إلى ذلك مئات القرارات الأخرى الصادرة عن الاتحاد الإفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، والجامعة العربية، ودول عدم الانحياز، التي - بدورها - تدين هذا الاحتلال، وتؤكد السيادة القمرية على تلك الجزيرة، وتطالب فرنسا بإعادتها واحترام وحدة جزر القمر وسلامة أراضيها ضمن الحدود المعترف بها دولياً، وإعادة مايوت إلى وضعها الطبيعي.

ورغم هذا الكم الهائل من قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بهذا النزاع، إلا أن فرنسا - بيمينها ويسارها - ما زالت تضربها عرض الحائط، فأقدمت بشكل غير قانوني، للبحث عن شرعية مفقودة لهذا الاحتلال القسري؛ على إجراء سلسلة من الاستفتاءات في الجزيرة، والتي لفظها تباعاً المجتمع الدولي، بل رفضها وأدانها - بشدة - بقرارات الأمم المتحدة، منها القرار رقم 31/4 الصادر في 21 أكتوبر 1976م.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الفرنسية برئاسة الوزير الأول “أدوار بالادير”، فرضت على المواطنين القمريين من الجزر الثلاث المستقلة، تأشيرة دخول إلى أرضهم (مايوت)، ما عمق هوة الانفصال. وفي هذا السياق نشير إلى بعض الخسائر البشرية التي تمخّضت عن هذه الفيزا الملعونة، إذ وقع أكثر من عشرة آلاف قتيل ممن يحاولون على زوارق صيد اختراق جدار “بالادير”، ويوصفون في أرضهم بالمتسللين والمهاجرين غير الشرعيين، الأمر الذي جعل بعض المنظمات الحقوقية، لهول المآسي المتكررة وبشاعتها وفداحتها، ترفع صوتها أمام السلطات الفرنسية التي تتعامى - قصداً - عما يجري، تحت بصرها وسمعها، فيما يسمى مركز الاحتجاز الإداري، من انتهاكات لحقوق القمريين الموقوفين، من الرجال والنساء والأطفال الرضع، الذين لا يحملون رخص الإقامة.

وللتذكير فإن هذه الجزيرة أصبحت بدءاً من أبريل 2011 المقاطعة الفرنسية 101، ما يخالف القانون الدولي والدستور الفرنسي ذاته، ويصادم إرادة الشعب الفرنسي الذي لم يستفتَعلى الإطلاق - عن رأيه في هذا النمط الاستعماري القديم الجديد.

وفي الوقت الحاضر، تسعى باريس، التي تدخّلت عسكرياًمؤخراً - في جمهورية مالي لأجل الحفاظحسب قولها - على وحدة هذه الدولة المسلمة الإفريقية؛ أمام الاتحاد الأوروبيلأوربنةمايوت القمرية، التي تبعد عن القارة العجوز بأكثر من 8000 كم، بجعل هذه الجزيرة إقليماًأوروبياًخارج الحدود من بداية العام القادم.

ومن هذا المنطلق، ثمة تساؤلات عدة تطرح نفسها بقوة: ماذا سيكون موقف الدول الأوروبية إزاء هذا الطلب الفرنسي، والتي كانت قد صوّتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح القرار الأممي المشار إليه أعلاه، والخاص بالاعتراف باستقلال جزر القمر بجزرها الأربع، وبقبول عضويتها في الأمم المتحدة؟ وهل ستتراجع تلك الدول عن مواقفها السيادية بشأن استقلال جزر القمر ووحدة ترابها وسلامة أراضيها؟

إننا في حالة انجرار دول الاتحاد الأوروبي وراء فرنسا لإرضاء مطامعها الاستعمارية في تفكيك وبلقنةدولة مستقلة ذات سيادة، سنكونفي تقديري - أمام سابقة خطيرة في القانون الدولي، الذي تحوَّل إلى سيف مسلط على رقاب الصغار دون الكبار. لكن ثمة تساؤل آخر يبدو لي أنه أكثر وجاهة وإلحاحاً: ما الذي يجعل فرنسا تضحّي بسمعتها على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وتدوس بأقدامها على الشرعية الدولية التي هي من حُماتها، وتناقض مبادئ ثورتها ودستورها وقوانينها لأجل الاحتفاظ بهذه الجزيرة الصغيرة؟

إن الإجابة الكلاسيكية كانت تعزو ذلك إلى أسباب جيو-ستراتيجية، تنبع من أهمية الموقع الجغرافي للأرخبيل.. ولعلَّ ما يعزز هذا الرأي احتضان مايوت مركزاً للتنصت الذي أقامته السلطات الفرنسية في العام 1990 لمراقبة وسائط الاتصالات في المنطقة، وصيرورة الجزيرة قاعدة خلفية للمرتزقين الفرنسيين، ينطلقون منها لزعزعة أمن واستقرار الجزر الثلاث المستقلة، لكي تظل ضعيفة متخلّفة منهارة، لا تقوى على المطالبة بحقها وسيادتها على مايوت، وتضطر في النهاية إلى التنازل عنها والرضوخ للأمر الواقع.. وهذا ما حدث ويحدث للأسف الشديد.. فسجل الانقلابات الناجحة والفاشلة في الجزر المستقلة، والتي اتهمت فيها فرنسا، ضرب الرقم القياسي عالمياً، كما طالت عليها - بحق أو دون حق - الاتهامات بالضلوع في اغتيال ثلاثة من رؤسائها على يد مرتزقين فرنسيين، ونفي رابع نهاراً جهاراً على متن طائرة عسكرية فرنسية إلى جزيرة رينيون الفرنسية.

ما حدا ببعض المتابعين للشأن القمري إلى القول: إن المحاولة الانقلابية الأخيرة التي تم إحباطها في 19 أبريل المنصرم، والتي كانت تهدف إلى اغتيال الرئيس إكليل ظنين؛ لم يخطط لها اعتباطاً، وإنما جاءت متزامنة مع وجود اتفاقية فرنسيةقمرية على طاولة الرئيس، في بيت السلام، يطلب منه الجانب الفرنسي التوقيع عليها بالأحرف الأولى تمهيداً للتوقيع النهائي عليها مع نظيره الفرنسي خلال زيارته المرتقبة لباريس.

ويذكر في هذا الصدد أن الدكتور إكليل صمد أمام الوعود والإغراءات - وما أكثرها - وامتنعحتى اللحظةعن توقيع الاتفاقية المذكورة، لكونها - حسب التسريبات - تتضمن الاعتراف الصريح والواضح بأن مايوت مقاطعة فرنسية، ويحق لها بالتالي أن تحتلكعضو كامل العضوية - مقعدها في لجنة المحيط الهندي، وهو تجمع إقليمي تأسس في العام 1984م، يضم موريتشيوس ورينيون (فرنسا) ومدغشقر وسيشيل وجزر القمر؛ لذا يرى المراقبون أن هذه الطبعة الحالية من الانقلاب صُمّمت لأجل الضغط على الرئيس، وثنيه عن موقفه الصامد، وحمله على القيام بما هو مطلوب منه فرنسياً، والله في عونه!

هذا وثمة معطيات جديدة تضاف إلى ذلك الرد الكلاسيكي المعهود على التشبث الفرنسي بمايوت القمرية، تتمثل في الجانب الاقتصادي، وليست في الزهور التي تصنع منها العطور البارسية فحسب، بل ما بدأ تناوله مؤخراً في المشهد الإعلامي من وجود مخزون كبير من الغاز والذهب الأسود في المياه القمرية أيضاً. وفي هذا السياق أشير إلى مقال ممتاز للكاتب الفرنسي ”رفائيل دي بينيتو” بعنوان: «قناة موزمبيق: مسألة استراتيجية بالنسبة لفرنسا»، مؤرخ في يونيو 2012، قال فيه: «إن أذرع المحيط الهندي التي تفصل مدغشقر وموزمبيق تأوي موارد كبيرة للطاقة، وتسعى فرنسا لوضع يدها على تلك المصادر الجديدة للبترول والغاز». ومن هنا يتجلى سبب المطامع الفرنسية في مايوت، وقديماً قيل: إذا عُرف السبب بطل العجب.

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.