مصدر عسكري في غزة أبلغ كاتب السطور أن إسرائيل تعدّ العدة لحملة عسكرية كبيرة ضد القطاع، بعد فشل سياستها الردعية منذ الحرب الأخيرة في نوفمبر 2012، وظهور بعض النشاط الميداني للأجنحة المسلحة الفلسطينية، لا سيما اكتشاف النفق الأخير في خان يونس جنوب القطاع، بجانب ما تعانيه حماس من ضغوط جمّة بسبب الممارسات المصريّة ضدّها، وإحكام الإغلاق والحصار، ومواصلة هدم الأنفاق، وخشية تل أبيب أن تقوم الحركة بالمواجهة معها في محاولة للخروج من العزلة السياسيّة التي تُواجهها.

وأضاف: حماس قد تعتبر أن المواجهة المسلحة مع إسرائيل هي الخيار الأخير، بحيث تفتح جبهة قتالية معها إذا شعرت أنها ستفقد الحكم في غزة بسبب الوضع الاقتصادي أو الأمني، مؤكداً أن وقف إطلاق النار الأخير بين الجانبين لن يستمر وقتاً طويلاً.

ورغم التهديدات التي أطلقها رئيس الحكومة الإسرائيلية «بنيامين نتنياهو» ضد حماس، لكن ضابطاً إسرائيلياً رفيع المستوى في قيادة المنطقة الجنوبية قال إن الجيش يعمل على احتواء الموقف في غزة، والحيلولة دون تدهور الأوضاع على امتداد الحدود الشرقية الشمالية لها، بعد أن قام بتدمير مواقع للمراقبة تابعة للحركة على حدود القطاع خلال جولة القصف الأخيرة.

وأشار إلى أنّ الجيش قرر إنهاء التصعيد الحالي ومحاصرته، تخوفاً من جولة عنف غير محسوبة، وتفويت الفرصة على حماس لاستغلال الأحداث، وتوسيع دائرة العنف، والتأثير على حياة مئات آلاف الإسرائيليين، لكنه سيرد بصورة أقسى خلال أي خرق قادم للهدوء.

لكن كاتب السطور قام بجولة ميدانية في المواقع التي قصفها الجيش الإسرائيلي خلال الجولة الأخيرة، واتضح له أنها مواقع فارغة من العناصر المسلحة، ولم تسفر جميع الغارات الجوية سوى عن مقتل طفلة لم تكمل 3 سنوات من عمرها، فيما نتجت باقي عمليات القصف عن أضرار مادية فقط، ما يفسّر عدم توفر نوايا إسرائيلية بإيقاع خسائر بشرية فلسطينية تجبر حماس على رد قوي ضد الإسرائيليين.

الفلسطينيون في غزة تساءلوا عن غياب حماس في الجولة الأخيرة مع الجيش الإسرائيلي، بعد إعلان «ألوية صلاح الدين - الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية»، مسؤوليتها عن قنص العامل الإسرائيلي، ولم تعلن كتائب القسام التابعة لحماس مسؤوليتها عن قصفها مواقع إسرائيلية خلال الفترة الماضية.

حملتُ هذا التساؤل إلى قيادي كبير في حماس، رفض الإفصاح عن هويته، فقال: عدم رد الحركة على القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، ليس بسبب عدم قدرتها على الرد، وهذا ما تعلمه إسرائيل جيداً، لكن من الواضح أن الجهات المختصة في جناحها العسكري في طور استعدادات يجريها في قطاع غزة، تحسباً لحدوث أي مواجهة كبيرة مع إسرائيل، ولذلك فإن الحركة غير معنية الآن بإطلاق الصواريخ هنا وهناك، بل تبذل جهودها من أجل تطوير قدراتها، وهذا ما لم يعد سراً.

وأضاف: من الواضح أن إسرائيل تدرس توجهاً جديداً تجاه غزة يستبدل توسيع دائرة المواجهة العسكرية بتشديد الضغط الاقتصادي، بعد أن دمرت مصر الأنفاق الحدوديّة، ولذلك جاء قرار إغلاق معبر «كرم أبو سالم» التجاري للضغط على حماس لتعود للالتزام بشروط التهدئة التي أعقبت الحرب الأخيرة، ما سيشكل أزمة حقيقية للفلسطينيين، تمهيداً لتطبيق معادلة إسرائيلية تجاه غزة اسمها «الأمن مقابل الخبز»!

وهو ما دفع الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة للتحذير من وصول المقاومة لما أسماها مرحلة الانفجار إذا استمر الحصار الخانق على قطاع غزة، معلناً أن حماس تتعامل مع التهدئة مع إسرائيل بتأهب وإعداد واستعداد، وليست استراحة مقاتل، ولا تعمل بالضرورة بردّات الأفعال الآنية، وبالتالي فلا يستطيع العدو أو الصديق التنبّؤ بردها زماناً ومكاناً.

ومع ذلك، فإن رغبة حماس هذه بعدم التصعيد مع إسرائيل لا يمكن تعميمها على باقي الأجنحة المسلحة الفلسطينية، الأقل وزناً والأصغر حجماً من كتائب القسام، ولذلك يتم الإعلان أحياناً عن وضع عبوة ناسفة، أو تسلل إلى الجدار الحدودي مع إسرائيل، دون علم حماس بذلك.

وهو ما يفسره أحد المسؤولين الحكوميين في غزة بقوله: معظم الكادر البشري والعناصر الميدانية لحماس انشغل في الآونة الأخيرة بعلاج آثار الفيضانات وأضرار المنخفض الجوي الأخير الذي ضرب قطاع غزة، لمساعدة المواطنين، والتخفيف من خسائرهم، بحيث انخفض مقدار رقابتها على الجدار الحدودي.

وأضاف: حركة حماس غير معنية حالياً بتصعيد عسكري، ولها من المبررات ما يجعل من الصعب عليها التورط في مواجهة قتالية جديدة، كون الحكومة تمر بضائقة اقتصادية في القطاع تشكل ضغطاً عليها، وترى أن هذا التوقيت ليس في صالحها، كما أنه ليس من مصلحتها أن تمنح الجيش الإسرائيلي فرصة لهدم ما تقوم به من استعدادات ميدانية، ما يعني أن ذلك قد يفضي لأن تخفَّ جولة إطلاق النار الحالية رويداً رويداً.

أخيراً.. فإن توقف التصعيد الإسرائيلي ضد غزة، وامتناع حماس عن إطلاق صواريخ تجاه جنوب إسرائيل؛ ليس سوى قراراً آنياً مؤقتاً من قبل الجانبين، مرتبطاً باعتبارات تخصهما، داخلية وخارجية، لكن قرار المواجهة الكبرى يحتفظان به إلى إشعار آخر، إذا ما تيسَّرت الظروف الميدانية العملياتية واستعدادات القوات العسكرية لديهما من جهة، والأوضاع الإقليمية المتعلقة بأحداث مصر والملف الإيراني من جهة أخرى.

وبالتالي، فإن الهدوء الحالي في غزة من شأنه أن ينتهي في أي لحظة، لأن المعركة الأخيرة علّمت حماس وإسرائيل أنهما لا تعلمان متى ستضطران للدخول في المعركة، ولذلك تم الإعلان بصورة مفاجئة أن فرقة غزة في قيادة المنطقة الجنوبية التابعة للجيش، أجرت لأول مرة في تاريخها تدريباً شاملاً بمشاركة 7 ألوية، وعلى جدول أعمالها محاكاة حرب شوارع في غزة.

وإذا اعتقدت إسرائيل أن حماس في غزة مُنشغلة بالعِبر والدروس من الحرب الأخيرة كي تفهم ما الذي أضر بخططها في المرة الماضية، وما الذي بإمكانهم فعله لتجنب ذلك في المرة القادمة، فإنّها تجري تدريباتها، وتُطور وسائلها، وتستعد لساعة الصفر، لأنّ هذه لعبة عقول، وفيها يتعلم كل طرف ما الذي يدور في عقل الطرف الآخر، بما في ذلك من أخطاء، مع تعهدها بأنّها ستفاجئ العدو في المرة القادمة!

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.