استيقظ أحمد ليلاً كعادته قبيل الفجر متوجهاً إلى حقله الذي يبعد عن منزله قرابة الساعة كي يصلي الفجر هناك ثم يباشر عمله، لكن هذه الليلة لم تكن كغيرها من الليالي، ففي أثناء الطريق سمع صوتاً خفياً يصدر من منزل مهجور يقع في منتصف الطريق بين منزله والحقل.. اقترب أحمد من المنزل،  وفجأة إذا به يواجه رجلاً قد بلغ من الكبر عتياً.. له لحية بيضاء كثة طويلة.. وشعر أشعث.. ملابسه رثة قد أكل عليها الدهر وشرب.. وجهه قد امتلأ بالتجاعيد.. نظر إليه أحمد طويلاً وقد عقدت لسانه المفاجأة عن الحديث.. ابتسم الشيخ الطاعن لأحمد وقال له: أهلاً وسهلاً بك يا بني.. يسعدني أن ألتقي بك.. مع إني لم أكن لأرغب أن يعرف أحد مكاني.. يبدو أنك تريد أن تعرف قصتي.. أليس كذلك؟! أجابه أحمد وهو يرتعد خوفاً من منظر الشيخ: آآآ.. نعم نعم.. ما قصتك؟!.. تنهّد الشيخ واستند إلى صخرة كانت بجانبه وبدأ يسرد قصته..

عندما كنت يا بني شاباً في سنك.. قد أنعم الله عليَّ بنعمه التي لا تعدُّ ولا تحصى.. من صحة وعافية وغنى وزوجة وأولاد وقصور وبساتين وغيرها.. لكن مع الأسف كنت متّبعاً هواي.. وأستخدم نعمه تلك في معصيته.. هو يأتيني بنعمة وأنا آتيه بمعصية... وهكذا الحال.. أتعامل بالربا وأشرب الخمر وألعب القمار.. وغيرها، إلى أن أتى ذلك اليوم المشهود.. الذي غيَّر مجرى حياتي.. كنت قد اصطحبت زوجتي وأبنائي في نزهة إلى البحر.. وبدأنا باللهو واللعب.. ركبنا القارب.. وتغولنا في البحر قليلاً.. وفجأة.. هاج البحر وماج.. وبدأت أمواجه ترتفع وتأخذ بقاربنا كل مأخذ.. وبدأ الأولاد وأمهم بالصراخ والعويل.. حينها أيقنت بالهلاك.. حاولت أن أتماسك.. لكن البحر قد ازداد هيجانه وبدأ بانتشال أول أبنائي.. جعل يستغيث وأنا أحاول أن أنقذه.. إلى أن اختفى واختفى صوته معه.. دعوت الجميع إلى التمسّك بالقارب.. لكنه حتى هو بدأ بالتكسّر وأعلن ضعفه أمام زمجرة البحر.. وإذا به يتكسر.. وتفرقنا.. وكلٌّ منا ممسك بالقطعة التي كان متشبثاً بها..

حينها استيقظت من غفلتي وشعرت أنه ما من شيء ينفعني الآن إلا دعاء الله بنجاتنا ولمِّ شمل أسرتي مرة أخرى.. 

لعب بي موج البحر وجعلت أبحث عن أهلي وأبنائي.. لكن دون جدوى..

وبعد ساعات من الحرب المتواصلة بيني وبين البحر.. هدأت أنفاسه.. ورجع وكأن شيئاً لم يكن.. نظرت إلى صفحة البحر.. وجدت هناك قطعة من خشب القارب.. وهناك في الجهة المقابلة وجدت بعضاً من طعامنا.. أفقت على ما حدث وبدأت بالصراخ.. أين أبنائي؟! أين زوجتي؟! لكن لا مجيب.. تماسكت وبدأت السباحة إلى أن وصلت إلى الشاطئ.. جلست أبحث وأنظر علّي أرى جثة أحد من أهلي.. لكن باء بحثي بالفشل..
عدت إلى قصري وحيداً بعد أن أضناني التعب وذهبت في سبات عميق.. رأيت فيه أهلي وهم يستنجدون بي.. وفجأة سقطوا في هاوية وصراخهم يعلو.. استيقظت فزعاً.. وذهبت إلى البحر أنظر وأبحث.. لكن لم أجد شيئاً أيضاً.. عدت إلى قصري وأنا أنظر إلى غرف أبنائي وأبكي وأنتحب.. أسندت رأسي إلى أحد الكراسي وذهبت في النوم.. رأيت مرة أخرى في منامي رجلاً حَسن الهيئة والملبس.. جميل الرائحة.. هدَّأني ووضع يده على صدري ودعا لي بالصبر والهداية.. ونصحني بالتوبة والقرب من الله.. وذهب.. بعدها استيقظت من نومي ومن غفلتي التي عشت فيها طيلة أيام حياتي.. تبتُ إلى ربي.. عدت إلى ربي خالقي.. وجدت لذة حياتي في طاعته.. تذكرت أبنائي ودعوت لهم.. آآآه.. 
بعتُ قصري وبساتيني وجميع ما أملك وتصدقت بمالي.. وتركت مدينتي.. حتى أنسى كل ما حدث.. وأتيت إلى هنا.. وبنيت هذا البيت المتواضع بنفسي طوبة طوبة.. وزرعت بعض الثمار التي أعيش عليها.. ونذرت باقي عمري في طاعة الله.. حتى ألقى ربي.. علّ ذلك يكفر مما كان في سابق حياتي..

سأله أحمد: وكم لك يا عم هنا؟.. 

رد عليه الشيخ بابتسامته التي لا تفارقه: لي هنا 35 سنة.. 

اندهش أحمد وفغر فاه عندما سمع ما قاله العم..

وقال: لكني لم أرك في حياتي أبداً؟.. أنا أمشي في هذا الطريق يومياً ذهاباً وإياباً إلى حقلي..

ابتسم العم وأجاب: كنت أراك وأنت في طريقك إلى عملك.. وكنت أحاول التخفي منك حتى لا تشعر بي..

أريد أن أعيش بخفاء.. لا أحد يعلم عني.. أعبد ربي وأناجيه وحدي.. وشرع الشيخ الكبير في البكاء.. ربت أحمد على كتفه وجعل يهدّئه.. 

شعر أحمد بتأخره عن عمله وعن أداء فريضة الفجر.. انتظر إلى أن هدأ الشيخ، ثم استأذن منه ووعده بأن يكون هناك لقاء آخر سيجمع بينهما..

وذهب أحمد يحث الخطى إلى حقله.. وباله مشغول بما سمع من الشيخ.

-----

وفي طريق العودة.. أحس أحمد أن الوقت قد تأخر ولم يشأ أن يزعج الشيخ.. وهو أيضاً كان متعباً من العمل اليوم.. فاستحسن الذهاب لمنزله، على أن يلتقيه غداً بإذن الله..

وقبيل الفجر استيقظ أحمد متكاسلاً.. تذكر لقاءه بالشيخ.. فقفز من سريره وتجهز وأخذ أدوات العمل.. ويمّم وجهه شطر منزل الشيخ.. وقبيل وصوله نودي لصلاة الفجر.. طرق أحمد الأرض بصخرة حتى يشعر الشيخ بمجيئه.. لكن دون فائدة.. أراد أن ينادي عليه بصوت عالٍ لكنه خاف أن يشعر أحد بهما.. اقترب من المنزل فسمع صوتاً غريباً.. دخله بسرعة فوجد الشيخ ساجداً وهو يبكي ويبكي وينتحب.. وفجأة سكت.. انتظر أحمد أن يرتفع من السجود.. لكن طال انتظاره.. وفجأة مال الشيخ على جنبه جثة هامدة.. صرخ أحمد.. فمشهد موت الشيخ أمامه هزّ كيانه.. صرخ أحمد فيه علّه يفيق.. لكن فات الفوت وفارق الحياة.. أراد أن يعمل له جنازة مشهودة.. لكنه تذكر أن الشيخ لم يكن ليريد أن يعرف أحد عنه شيئاً.. صلى أحمد الفجر ثم صلى عليه ودفنه حيث كان ساجداً.

-----

هذا هو كل ما حدث يا أبنائي مع الشيخ الذي لا أعرف اسمه..

هذا هو ما خبّأته عنكم طيلة السنين الماضية..

حدثٌ لن أنساه ولن يفارق مخيلتي ما حييت..

قلّب أحمد نظره بين أبنائه فوجد وجوههم قد بللتها الدموع..

رافعين أيديهم داعين الله سبحانه أن يغفر للشيخ ما قدم وما أخّر.

-----

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).. أحـمـــــــد.

:: مجلة البيان العدد  320 ربيع الثاني 1435هـ، فبراير  2014م.