الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وبعد:

فها هي ذي مجلة البيان تدخل عامها الثلاثين، فنحمد الله – عز وجل – على فضله وإحسانه وتوفيقه، نحمده حمد الشاكرين المعترفين بمنَّته وفضله، ونثني عليه الخير كله، ثناء المفتقرين لعونه وتأييده؛ فكل صواب وتوفيق وسداد فمنه وحده – سبحانه وتعالى -، وكل تقصير وخطأ وزلل فمن أنفسنا ونستغفر الله – عز وجل – ونتوب إليه. ونسأله ألَّا يكلنا إلى أنفسنا أو إلى أحد من خلقه طرفة عين.

ثلاثون عاماً من العطاء الفكري والدعوي والتربوي الذي بلغت آثاره ورسالته آفاقاً واسعة من المعمورة، خطت فيها البيان منهجاً عدلاً وسطاً، ملتزماً بثوابت الدين، معتزاً بمحكماته وهداياته، معتصمة فيه بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم.

كان المحفز الأساس لتأسيس البيان في عام (1406هـ) إحساسنا بالفراغ الفكري والتحديات التربوية والمنهجية الكثيرة التي كانت تواجه المصلحين والدعاة في ذلك الوقت، ونرجو أنَّ مجلة البيان كانت إضافة نوعية أسهمت في بناء الوعي وترشيد المسيرة الدعوية وتجديد الرسالة. ولعلَّ مراجعة أعداد المجلة السابقة تعطي تصوراً عن طبيعة وعمق العطاء والإنجاز الذي تحقق في ميادين التأصيل والبناء الفكري والدعوي والتربوي.

وها نحن بعد ثلاثة عقود نرى تحديات حضارية وفكرية كبيرة ما زالت تؤثر تأثيراً بالغاً في محاضن التربية والدعوة في أنحاء العالم الإسلامي المختلفة، ويتطلع المخلصون والمشفقون على هذه الأمة إلى البحث عن إجابات شافية لكثير من المفاصل والمعتركات الفكرية، وهذا يحملنا مسؤوليات متجددة تؤكد لنا أنَّ مسوِّغ الاستمرار ما زال حاضراً بقوة في الواقع الإسلامي.

لقد حرصت البيان منذ نشأتها على أن تكون منبراً حراً مستقلاً، لا يعبر خطابها عن دعوة حزبية أو عصبية إقليمية، وإنما اجتهدنا أن تكون لساناً معبراً عن الحقّ والسبيل الذي نعتقد صوابه، ومعيارنا في ذلك الاعتصام بالكتاب والسنَّة ومنهج السلف الصالح علماً وعملاً. ولذا اتسعت دائرة خطاب المجلة لتستقطب كل قلم جاد ملتزم بالموضوعية العلمية أياً كان اتجاهه أو ميدانه، ما دام يخدم هذا الدين ويحقق رسالته الجامعة.

وفي هذا السياق نأت البيان بنفسها عن المماحكات الحزبية والعصبيات الدعوية والفقهية، والصراعات الجانبية، ونرجو أننا كنا حُداة للاجتماع والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف؛ نجمع ولا نفرق، ونؤلف ولا نشتت. صدورنا متسعة للاجتهادات الدعوية والفكرية السائغة، وأكنافنا مواطئة لكل صوت اجتهد في الذبِّ عن الدين وبيان منهج إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم، ونسأل الله – عز وجل – أن يغفر لنا ما يزل به القلم وما يقصر عنه اجتهادنا.

إنَّ الإصلاح الفكري والدعوي الذي حملت المجلة لواءه لم يكن ردَّة فعل عابرة، أو حماسة آنية متآكلة، بل هو رسالة ومشروع واضح الأهداف والمعالم، آمنا به واجتهدنا في الانطلاق به، برؤى راسخة تستوعب الواقع وتقرؤه بوعي، وتستشرف المستقبل وتدرسه بعمق، وطريق النهضة الذي تتطلع له الأمة إنما يبدأ ببناء الوعي وتعزيزه وترسيخه.

والإصلاح الفكري والدعوي طريق شاق وطويل، ومحفوف بكثير من العوائق والتحديات، لا تظهر ثمراته بشكل سريع، وإنما يحتاج إلى طول نفس وصبر وتؤدة، خاصة أنَّ البيان اختارت أن تكون عالمية الرسالة، لا تختزل اهتمامها في بلد واحد ولا منطقة محدودة. وحمل رسالة الإصلاح في هذا الأفق الواسع ألقى على المجلة أعباء ومسؤوليات كبيرة جداً.

لقد استهدفت البيان منذ نشأتها النخبة المثقفة من الدعاة، إيماناً منها بالدور المؤثر الذي يمكن أن يصنعه هؤلاء الروَّاد، فهي تخاطب النخبة ليس من أجل أن تبقى في أكنافها، بل لكي تنطلق رسالتها لتبني الوعي وتصنع التغيير في جميع شرائح الأمة؛ فرسالة البيان ليست رسالة ثقافية نظرية تبدد فيها الأوقات، بل نرجو أن تكون روحاً متدفقة، تسري بالعمل والإصلاح. وكل نشاط علمي وفكري يقتصر على التنظير والخطاب الفوقي يفقد فاعليته وحيويته بلا شك.

إنَّ قوة الانطلاق التي تصاحب البدايات عادة، لا بد أن يتبعها قوة في الحركة والتجديد والإبداع، ولكل مرحلة متطلباتها، والوقوف عند منجزات التأسيس تفقد المشروع فاعليته، وتجعله يتآكل من داخله، حتى يضمر وينتهي أثره. ومن أكبر التحديات التي نرى أنها تؤثر علينا: انحسار تأثير الصحافة الورقية خاصة في العقد الأخير، وكان من الضروري جداً أن تتجدد البيان في إطار تخصصها ورسالتها، إيماناً منا بمركزية الفكر في التأثير والإصلاح، وبضرورة التجديد في الوسائل والآليات.

ولذا تطورت البيان لتصبح مؤسسة فكرية متعددة الاهتمامات، تفتح آفاقاً جديدة في العطاء. ومن المسارات التي نشطت فيها المؤسسة:

أولاً: أنشأت البيان موقعاً إلكترونياً شاملاً يعتني بأمرين رئيسين:

أحدهما: متابعة أخبار العالم، وخاصة شؤون العالم الإسلامي، يتواصل مع القراء من خلال زوايا ونوافذ إعلامية متعددة.

والثاني: موقع للبحوث والدراسات المتخصصة.

ثانياً: اعتنت المجلة بتطبيقات الهواتف الذكية والنشر الإلكتروني،

 حيث انتظمت في إصدار المجلة إلكترونياً على تطبيق زاوية الأخبار (News-stand) للأجهزة اللوحية والهواتف، كأول مجلة إسلامية في العالم على منصة آبل ومتاجرها. وقد أسهم ذلك في انتشار المجلة جغرافياً لأماكن يتعذر وصول المطبوعة إليها.

ثالثاً: التقرير الارتيادي السنوي

بدأت البيان منذ عام (1424هـ) بإصدار تقرير ارتيادي سنوي يشارك فيه ثلة من الخبراء والباحثين، ليكون أداة علمية معينة لصانعي القرار، والنخب السياسية والثقافية، صدر منه حتى الآن أحد عشر إصداراً بحمد الله تعالى.

رابعاً: مركز الدراسات والبحوث

أنشأت البيان منذ عام (1427هـ) مركزاً بحثياً متخصصاً يهدف إلى تأصيل وترشيد الرؤى الإسلامية المعاصرة في القضايا الشرعية والفكرية والسياسية وقضايا العالم الإسلامي، وبلغت إصدارت المركز قريباً من مائتي إصدار.

خامساً: المؤتمرات والندوات

تعتني البيان بإقامة المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش والبحث والحوار، التي تهدف إلى ترشيد الرؤى الإسلامية، وتوظيف الخبرات العلمية لدراسة الواقع الإسلامي، وها نحن الآن نستعد بعون الله – عز وجل – لعقد مؤتمر في العاصمة الماليزية بعنوان: (المشروع الليبرالي .. أبعاده وآلياته)، ستنطلق فعالياته في الشهر القادم بإذن الله تعالى.

إننا ندرك أنَّ قيمة أي مشروع أو مؤسسة لا يقاس بعدد السنين والشهور من أعمارها، ولا بعدد الأنشطة والبرامج التي تقدمها، وإنما بقيمة الثمار التي أنتجتها، وبقدر الإصلاح الذي تحقق في برامجها، وهذه عملية تراكمية متصاعدة تؤتي أكلها عبر السنين، ونرجو أننا حققنا فيها ما يرضي الله – عز وجل – ويرفعنا عنده في عداد أوليائه الصالحين.. ومهمتنا الأولى التي بدأت بها البيان، ونرجو أننا لازلنا عاضّين عليها بالنواجذ: بيان المنهاج القويم والسبيل المستقيم الذي أتى به النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحرص على تجديده وتنقيحه من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

ومن حقنا على قرائنا الكرام التعاون معنا على البر والتقوى، ومحض النصيحة لنا بالمعروف، امتثالاً لقول الله – عز وجل -: {وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: ٣].

{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: ٨] .

:: مجلة البيان العدد  329 محرّم  1436هـ، أكتوبر  - نوفمبر  2014م.