تشهد ليبيا حالياً نوعاً من صراع الإرادات مبنياً على تنازع الشرعيات بين أطراف المشهد السياسي الليبي، خاصة منذ أن تفجّرت ما يعرف بعملية الكرامة، إذ انتقل الصراع من تنازع سياسي يتوارى خلف التجمعات العسكرية، إلى صراع مسلح مبطن بخلفية سياسية. وإن ثمة تقدماً عسكرياً لفريق يهيمن عليه ثوار 17 فبراير والتيارات الإسلامية، إلا أن هذه الانتصارات العسكرية يعوقها العديد من الإشكاليات للوصول إلى وضع النصر التام المستقر.

أولاً: بداية الأزمة وطبيعتها

لقد أبرزت التطورات الأخيرة في ليبيا مدى ضعف المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة المنبثقة منه.. المؤتمر الوطني الذي هو أول هيئة منتخبة وكان يناط به العديد من المسؤوليات وتحقيق العديد من الأهداف وإعادة بناء الدولة الليبية، لكنه فشل إلى حد كبير في تحقيق تلك الأهداف، وتمظهر ضعف أدائه في عدم وجود دولة ومؤسسات، وعدم امتلاك رؤية لإدارة المرحلة الانتقالية، وزيادة معدّلات الفساد، وما زاد الأمور سوءاً تبلورُ خريطة سياسية جعلت من القوى المحلية والمناطقية لاعباً أول في المعادلة السياسية الجديدة. وتتمثّل هذه القوى في المجالس المحلية، والتجمعات القبلية، والميليشيات المسلحة؛ فتمكَّنت هذه القوى من زيادة نفوذها، ومن التأثير في الحياة السياسية الليبية.. هذا كله في غياب دور مؤسساتي حقيقي للدولة الليبية التي همّش القذافي في فترة حكمه مؤسساتها كافة، خاصة مؤسستي الجيش والشرطة.

في هذا السياق المؤسساتي الهش بادر اللواء خليفة حفتر، القائد السابق في جيش القذافي، إلى إصدار بيان يوم 14 شباط/ فبراير 2014، حيث أعلن في شريط مُصوَّر وُزِّع على وكالات الأنباء تجميد عمل المؤتمر الوطني العام والحكومة، إضافة إلى الإعلان الدستوري المؤقَّت، وتشكيل هيئة رئاسية تتولى حُكم البلاد حتى موعد إجراء انتخابات جديدة. ورغم مسارعة السلطات الليبية إلى نفي حصول انقلاب، وإصدارها مذكرة اعتقال بحق حفتر؛ إلا أن الحادثة أظهرت أنَّ أمراً ما يُبيَّت للمؤسسات الليبية المنتخبة، كما بيَّنت حجم التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة، وهي في حالة ليبيا تعني بناء دولة فعلاً؛ لأن القذافي حرص على إزالة أي شكل مؤسسي للدولة في فترة حكمه[1].

وتمظهرت الأزمة بصورة أخرى مع دعوة الدكتور أبو بكر بعيرة الأعضاء للحضور إلى مدينة طبرق، حيث حضر ما يزيد على 150 عضواً، وعقدوا جلسة «برلمانية»، وباشروا تشكيل هيئة برلمانية اتخذت قرارات مهمة، لترد رئاسة المؤتمر الوطني العام بأن الانعقاد باطل دستورياً؛ لمخالفة الأعضاء المجتمعين في طبرق الإعلان الدستوري فيما يتعلق بكيفية انعقاد البرلمان وزمان ومكان انعقاده. ولم يقف الخلاف بين الطرفين عند القول بمخالفة الإعلان الدستوري، بل فسّر بعض من امتنع عن المجيء لطبرق ما وقع بأنه محاولة لتجاوز التطورات الميدانية المتسارعة في طرابلس وبنغازي من جرّاء المواجهات العسكرية، التي أدت إلى دفع كتائب القعقاع والصواعق خارج طرابلس ليتركز القتال حول المطار الذي يبعد نحو 20 كيلو متراً جنوبي العاصمة، وكذلك هزيمة قوات الصاعقة في بنغازي في قتالها ضد أنصار الشريعة ومعهم بعض الثوار تسموا مجلس شورى ثوار بنغازي - على خلفية انضمام الصاعقة لعملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والصاعقة هي القوة العسكرية النظامية الوحيدة التي كانت إلى أسبوعين ماضيين تسيطر على 4 معسكرات حيوية في المدينة، سقط جميعها، وتم تدمير أبنيتها وأسوارها من قبل مجلس شورى ثوار بنغازي. بل إن الكثيرين ممن عارضوا انعقاد البرلمان ربطوا بين الذهاب إلى طبرق والنزاع المسلح بين اللواء حفتر وأنصار الشريعة ومن ساندهم، واعتبروا الإصرار على عقده في طبرق انحيازاً لحفتر. وأعلن النائب علي أبو زعكوك رفضه الذهاب لطبرق استنكاراً لخروج الطائرات التي تقصف بنغازي من قاعدتها الجوية.

هنا بدا في الأفق انقسام سياسي بين جناحين للسلطة في ليبيا لكل منهما مؤسساته، الأول: البرلمان الجديد المنعقد في مدينة طبرق وحكومة «عبد الله الثني» ورئيس أركان الجيش «عبد الرزاق الناظوري»، والآخر: المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق الذي استأنف عقد جلساته) ومعه رئيس الحكومة «عمر الحاسي» ورئيس أركان الجيش «جاد الله العبيدي».

ورغم أن فريق عملية فجر ليبيا أحرز العديد من النجاحات على المستوى العسكري باستيلائه على مطار طرابلس والعديد من المناطق الأخرى، إلا أن هناك إشكاليات تحول دون قطف ثمار تلك التضحيات.

ثانياً: وصف القوى الإسلامية والتيارات المتحالفة معها

يضمُّ هذا المعسكر طيفاً متنوعاً من القوى، على رأسها المؤتمر الوطني العام والحكومة الانتقالية، ويشمل عدداً من الكتائب الإسلامية، وكذلك جماعة الإخوان المسلمين، ومدن جبل نفوسة، خصوصاً المناطق الأمازيغية منها، إضافة إلى كتائب مدينة مصراتة.

أ. المؤتمر الوطني العام: يتكون من 200 عضو منتخبين مباشرة من الشعب.

ب. غرفة ثوار ليبيا: تضمُّ في عضويتها كلاً من كتائب راف الله السحاتي، و17 فبراير، وشهداء الزنتان، وعمر المختار، وشهداء ليبيا الحرَّة. وهذه الكتائب الخمس من الكتائب الكبرى التي قامت بدور رئيس في هزيمة قوات القذافي، وتحرير المنطقة الشرقية، وتحقيق النصر على جبهة سرت، وهي آخر المعارك الكبرى ضدّ قوات القذافي. وتوجد بين هذه الكتائب كتيبة واحدة محسوبة على الإخوان، وهي كتيبة راف الله السحاتي. وتتَّسم هذه الكتائب بإمكانياتها القتالية الكبيرة، وتسليحها الجيد، وبوجود أعداد كبيرة من المقاتلين المنضوين تحت لوائها. وقد توحَّدت تلك الكتائب تحت قيادة زياد بلعم، وهو أحد أهمّ قيادات الثوار، وذو حظوة واحترام كبيرين بين المقاتلين كافة.

ج. ثوار جبل نفوسة: أعلنت مجموعات من ثوار جبل نفوسة - وعلى رأسها مدينة نالوت، وغريان، وعدد من المناطق الأمازيغية مثل القلعة ويفرن وجادو - دعمها المؤتمر الوطني العام والشرعية في مواجهة انقلاب حفتر.

د. كتائب مصراتة: وهي أكثر الكتائب انضباطاً وتنسيقاً في المنطقة الغربية، نظراً إلى وجود عناصر عسكرية بها تتَّسم بحنكة سياسية، مثل رئيس المجلس العسكري لمصراتة سالم جحا، فضلاً عن أن نشأة هذه الكتائب جاءت بتمويل من تجار مصراتة الأثرياء الذين موَّلوا شراء السلاح لها؛ لذلك تخضع هذه الكتائب لمجلس أعيان مصراتة. ويُقدَّر عدد المنتسبين إلى هذا المجلس العسكري بنحو 35 ألفاً في مدينة يبلغ عدد سكانها 300 ألف نسمة. وتملك كتائب مدينة مصراتة، فضلاً عن الأسلحة الخفيفة، دبابات يراوح عددها بين كتيبتي دبابات (26 دبابة) ولواء دبابات (39 دبابة)، ونظراً إلى امتلاكها مدرعات، فإنها تُحسب ضمن قوة الجيش الوطني الليبي. وقد أعلنت مصراتة رفضها انقلاب حفتر رغم أنها دعت إلى ضبط النفس خشية الدخول في حرب أهلية، لكن المجلس المحلي للمدينة أكد أنه سيتدخل إن اقتضت الضرورة ذلك.

هـ. قوات درع ليبيا في الجنوب: وتضمُّ هذه القوات خليطاً من سكان فزان وبرقة، وهي ذات تسليح جيد، وقد أعلنت رفضها انقلاب حفتر ومساندتها شرعية المؤتمر الوطني.

إضافة إلى قوى جهادية أخرى لا تعترف بشريعة المسار الديمقراطي، لكنها لم تتدخل عسكرياً إلا بعد محاولة الانقلاب العسكري الذي قام به اللواء حفتر، ويتركز أكثرها في الشرق الليبي، وكذلك في منطقة الجبل الأخضر، وعلى وجه الخصوص في مدينة درنة. وتقف القوى الجهادية طرفاً ثالثاً في الأزمة؛ لكنهم لا يعترفون بالمسار الديمقراطي ولا شرعيته. وأهم مكوناتها: جماعة أنصار الشريعة، وميليشيات درنة[2].

ثالثاً: الإشكاليات

1 - تشرذم القوى الإسلامية وقوى الثورة وفشلها في إيجاد إطار سياسي واحد يجمع الفرقاء، أو إطار عسكري واحد يجمع ميليشياتها المنتشرة في عموم المناطق الليبية. وربما دفعت عملية الكرامة إلى تجمع تلك الميليشيات على هدف واحد، وهو هزيمة قوات حفتر التي رأوا فيها خطراً على الثورة ونموذجاً يستشرف الواقع المصري، لكن هذا كله تم في إطار احتفاظ كل فريق بما تحت يده من أسلحة وعتاد، واقتصار الأمر على تعاون مؤقت بهدف قريب دون وجود إطار حقيقي يجمع شتات القوى الإسلامية والتيارات الثورية الداعمة لها في ضوء استراتيجية واحدة.

2 - الإشكالية الثانية تتجلى في ذلك الانفصال أو التباعد بين الجناح السياسي والأجنحة المسلحة التي من المفترض أنها في المربع نفسه، فرغم وجود اتفاق واضح على حماية ثورة 17 فبراير من الثورة المضادة، لكن العلاقات بين الأطراف السياسية والأجنحة المسلحة متباينة أحياناً وتدار بشكل شبه عشوائي.

تلك الإشكالية لدى الحركة الإسلامية تتجلى بشكل كبير في الحالة الليبية، فهناك:

1ـ المسار العسكري المسلح الذي لا يرى إلا السلاح لتحقيق أهدافه ويظل ممسكاً به ويرفض أي نكول عنه في أي مرحلة ويعتبره نوعاً من الخيانة.

2ـ أما المسار الآخر فقد استبعد العمل العسكري تماماً وأسقطه من حساباته مهما تعرض من تقتيل وذبح، حتى لو ضرب ظهره وأخذ ماله واغتصبت نساؤه وقتل أبناؤه، ولا يرى سبيلاً للتمكين للإسلام سوى بوسائل سلمية، والإطار السلمي لديه ينقصه كثير من التكتيكات السلمية المعروفة في العصر الحديث، فأغلق نفسه على تكتيكات قديمة توارثها عبر الأجيال ولا يمارس غيرها[3].

التخوف الأكبر هو عندما تعجز القوى الإقليمية والغربية عن القضاء على الإسلاميين في ليبيا فتلجأ إلى حيلتها المعروفة بإغراء طرف إسلامي ضد آخر بتسليم السلطة له على حساب تحجيم الطرف الآخر أو القضاء عليه، وهو النموذج الذي تم تطبيقه مع إسلاميي الصومال عندما انقسمت المحاكم الإسلامية بعد الغزو الإثيوبي؛ فقسم قَبِلَ التفاوض مع إثيوبيا مقابل انسحابها، وقسم رأى ألا تفاوض مع إثيوبيا، وانقسم الفريقان وقاتل بعضهم بعضاً وبقيت إثيوبيا، فلا هي خرجت عن طريق عسكري مسلح، ولا سلمي تفاوضي[4].

الخاتمة

تحتاج الحركة الإسلامية في ليبيا إلى مسارين مهمين:

الأول: التوحد، ونعني به محاولة إيجاد إطار جامع يحوي جميع أو معظم التيارات السياسية المعبّرة عن ثورة 17 فبراير في إطار سياسي واسع تنبثق منه لجنة أو مكتب سياسي يكون معنياً بشكل كبير بإدارة الجانب السياسي التفاوضي، ومعبراً عن كل مكوناته. كذلك الحال على صعيد الفصائل المسلحة التي تحتاج إلى مزيد من الاندماج والانصهار، وهو الأمر الذي يرشحها لتكون نواة لجيش ليبي حقيقي بعد انتهاء تلك المرحلة الانتقالية. ورغم صعوبة تحقيق ذلك المطلب إلا أنه يستحق ما يبذل فيه من جهد شريطة سلامة النوايا والتحلل من العصبيات.

أما المسار الآخر: فهو التكامل، ونعني به التعاون بين المسار السياسي والعسكري، فلا يوجد نصر عسكري إلا بتفاوض سياسي، وجميع الحركات المسلحة في العالم لها أذرع سياسية تقوم بحصد ما تحققه الأجنحة العسكرية من نجاحات على الأرض، ومن دون هذا التكامل ستفشل كل الجهود، سواء السياسية أو العسكرية، وربما يفشّل كل منهما الآخر ويعمل على تقويضه، وهو الأمر الذي نخشاه. ولنا أن نراجع على سبيل المثال كيف تم التكامل العسكري السياسي في تجربة حزب «الشين فين» والجيش الجمهوري الإيرلندي؛ فالجيش الجمهوري الإيرلندي منظمة شبه عسكرية وجيش مؤقت يسعى لتحرير إيرلندا الشمالية من الحكم البريطاني وإعادة توحيدها مع الجمهورية الإيرلندية، أما حزب الشين فين فهو الذراع السياسية لهذا الجيش، وكثيراً ما دخل في تفاوضات مع الحكومة البريطانية لتحقيق إنجازات على أرض الواقع.

الخلاصة أننا نحتاج لتلك الخلطة المبدعة التي تجمع بين التكتيكات والاستراتيجيات بكافة أنواعها، ويتكامل فيها السياسي والعسكري المسلح بكافة تطبيقاته، والتحلل من العصبيات المناطقية والشخصية دون ذلك، فإن كثيراً من نجاحات الإسلاميين على الأرض وتضحياتهم ستذهب سدى.

:: مجلة البيان العدد  329 محرّم  1436هـ، أكتوبر  - نوفمبر  2014م.


[1] خالد محمود، ليبيا تواجه تحديات بناء الدولة في الذكرى الثالثة للثورة:

http://alarab.co.uk/m/?id=16408.

[2] وحدة تحليل السياسات في المركز، ليبيا ومخاوف الانزلاق في طريق الاقتتال الأهلي الشامل:

  http://www.dohainstitute.org/release/ce0d3431-a72a-4386-95d8-c50e20a14280.

[3] عبد المنعم منيب، ما بعد الحركة الإسلامية السنية.. الشيعة قادمون = بتصرف يسير، على الرابط التالي:

http://moneep.blogspot.com/2014/09/blog-post_22.html.

[4] لمزيد من المعلومات راجع كتاب «إسلاميو الصومال»، أحمد عمرو، إصدارات المركز العربي للدراسات الإنسانية، سلسلة رؤى معاصرة.