حقاً لقد كانت ولادة عسيرة تلك التي أنتجت تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة بعد جهود كبيرة وضغوط متعددة كان أشدها الضغط الأمريكي بضرورة تشكيل الحكومة في تواريخ محددة؛ ليتم حصولها على دعم حلف شمال الأطلسي.

وبعد انتظار صعب وترقب جماهيري وإقليمي ودولي، تشكّلت حكومة حيدر العبادي رغم مراهنة البعض على عدم إمكانية التوصل إلى اتفاق لتشكيلها، ورغم عدم تسمية عدة وزارات كان أهمها وزارتا الدفاع والداخلية. وقد تمت التشكيلة وفق توافقات بالغة التعقيد بين المكونات المختلفة وبتنافس شديد بين الأحزاب والقوى في داخل المكون الواحد، لاستحصال أكبر قدر من المناصب الوزارية، خصوصاً السيادية منها.

إن الانهيارات التي وصل إليها الواقع العراقي قبل تشكيل الحكومة، يمكن اعتبار أن أبرز أسبابه يعود إلى تشبّث المالكي برئاسة مجلس الوزراء، وتسلطه على كل مواقع القرار العسكري منها والمدني والمالي، وغيرها، والضغوط على قرار السلطة القضائية وتفسيراتها المهمة، وتعاون كتلته «دولة القانون» في البرلمان لتحجيم دوره التشريعي والرقابي، وقد أوصلت حالة الاحتقان الدولة العراقية إلى حافة الانفجار، فلم يعد خافياً شدة الخلافات مع النواب والسياسيين السنة، وإيجاد كل السبل والمبررات لاعتقالهم؛ كما حصل للنائب السابق عن محافظة الأنبار أحمد العلواني، أو لمطاردتهم والدفع إلى إقصائهم من المناصب السيادية باستصدار الأحكام القضائية ضدهم أو بكيل الاتهامات والتهديد؛ كما حصل لنائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي ووزير المالية السابق الدكتور رافع العيساوي، وغيرهما، كما حصل الإضرار بالكرد ومنعت عنهم رواتب الموظفين وأمور أخرى، ما أدى إلى رفضهم التعامل مع المالكي.

ويعد إهمال المالكي مطالب الجماهير السنية والحقوق الدستورية التي طالبوا بها بطرق سلمية، السبب في وصولهم إلى اليأس، ما تسبب في علو صوت بعض المتطرفين السنة فرفعوا السلاح، ولم يكن سكوت كثير من الجماهير والعشائر السنية حباً بالتطرف المذموم، وقد كانوا قد منعوا وحجّموا دور كل من تبنّاه طيلة ما يقرب من عام، وما سكوتهم عما يحصل من سيطرة المتطرفين إلا هرباً من الاضطهاد والقتل والاعتقال والتهجير وتسلط الميليشيات بطريقة بشعة، فليس لديهم الاستعداد الآن للتضحية بأنفسهم في محاربة المتطرفين ليقطف تحالف المالكي ثمرة ذلك، وهم صاروا كمن يقبل بالرمضاء هرباً من النار عن غير إرادة ولا رغبة منهم.

ونتيجة لضغوط متعددة، خصوصاً الأمريكية، فقد خشي الشيعة من أن تشكيل الحكومة الجديدة سيفقدهم امتيازات كبيرة قد استحوذوا عليها كمناصب سيادية والتفرد بالسلطة والمال والقوة العسكرية؛ لذلك عملوا على إنزال أكبر لاعبيهم السياسيين إلى ساحة الصراع السياسي في تشكيلة العبادي رغم شدة الخلافات داخل التحالف الشيعي؛ فإبراهيم الجعفري، رئيس الحكومة السابق وزعيم كتلة التحالف الوطني، أنيطت به وزارة الخارجية، وعادل عبد المهدي، القيادي في المجلس الأعلى، وزيراً للنفط، وحسين الشهرستاني وزيراً للتعليم، وباقر جبر صولاغ الذي كان وزيراً للداخلية في فترة الحرب الطائفية في 2006 كلف كوزير للنقل، إضافة إلى بهاء الأعرجي القيادي في التيار الصدري كنائب رئيس وزراء، مع عودة المالكي من الشباك بعد إخراجه من الباب بتسلمه منصب نائب رئيس الجمهورية؛ فأغلب المناصب الوزارية للشيعة استحوذ صقور التحالف الوطني الشيعي عليها؛ ليعملوا على إحكام السيطرة على الحكومة، والدفع بقوة للحفاظ على المكتسبات الهائلة في المناصب والمصالح بأكثر من استحقاقهم الحقيقي، ولتقليل الضرر المحتمل بسبب مطالبة السنة بحقوقهم المشروعة، ولتخفيف الضغط الأمريكي والدولي على كل من التحالف الوطني والحكومة الإيرانية، الذي يخشون منه أن يتسبّب في تقليل النفوذ الشيعي والإيراني على أغلب مفاصل الدولة العراقية.

أما السنة بدورهم وبعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء وعدم المشاركة الحقيقية في السلطة والتعرض للاضطهاد والتهجير والاعتقال والإبادة على يد الميليشيات الشيعية المتطرفة والمدعومة؛ فقد فطنوا لحصول تغيّر في المعادلة لصالحهم بعد إدراك المجتمع الدولي، خصوصاً في الولايات المتحدة وبعض الدول العربية والإقليمية، وجود تهميش وإقصاء وانتهاكات للعرب السنة وتجاهل الحكومة التي يسيطر عليها التحالف الشيعي برئاسة المالكي مطالبهم الشرعية والسلمية لأكثر من عام، ما أوصل البلاد إلى حافة الانهيار والحرب الأهلية.

تشكلت الحكومة في ولادتها المتعسرة من رحم مجلس النواب العراقي، وبعد تنافس شديد ومفاوضات صعبة ظهرت إلى العلن، ورغم دخول السنة إلى الحكومة من خلال اتحاد القوى الوطنية، إلا أن غالب وزرائهم ليسوا بمستوى قضيتهم، وغالبهم ليسوا من صقور السنة، بل عرف عن بعضهم تقديم مصالحه الشخصية، أو أنه يعد من سنة المالكي الذين صعدوا بتأثيراته وكتلته في نتائج الانتخابات، وهذا لا ينفي وجود شخصيات وأحزاب ذات طابع وطني ترغب في خدمة قضية السنة في العراق.

ورغم كون الخلطة السنية الشيعية غير متوازنة القوة في التشكيلة الحكومية، إلا أن هناك وعياً جماهيرياً سنياً مع وجود قوى ضاغطة باتجاه استحصال حقوق السنة، منها: ضغوط الحراك الشعبي السلمي، والعلماء والمتمثل في ضغوط المجمع الفقهي العراقي أكبر المرجعيات السنية، وبعض شيوخ العشائر وبعض الشخصيات والأحزاب السياسية، وذلك مما يولد ضغطاً على السياسي السني، خصوصاً المفاوض، ويدفع به باتجاه تحديد مسار أكثر اتزاناً للسنة، والعمل على استحصال ما يمكن من الحقوق المسلوبة.

كما يمكن اعتبار فشل العبادي في تمرير اسمين تم ترشيحهما لتسلم وزارتي الدفاع والداخلية، خبراً إيجابياً، لسببين: أن التوافق ينبغي أن يتم على اسمي الوزيرين لحساسية موقعهما بسبب الأداء السابق لمن استلم هذه المناصب، خصوصاً أن المرحلة المقبلة ستكون فيها إجراءات مهمة ومفصلية قد تؤثر بقوة في المشهد العراقي، ونأمل أن التصويت جاء لإدراك كثير من البرلمانيين أهمية التوافق واختيار شخصيات أكثر مقبولية من نواحي الكفاءة والنزاهة والبعد عن الطائفية؛ للتوصل إلى حالة من الاستقرار والأمن.

الحقوق هي أكبر الشعارات السنية التي ينادي بها من يحمل قضيتهم من السياسيين، وقد يتملق البعض ليتقرّب فينال دعم الجماهير السنية، لكن هذه الحقوق كم نالت من اهتمام ودعم ممثلي السنة من السياسيين؟! وهل استطاعوا تثبيت حقوق جماهيرهم؟! وما الضمانات التي ستكون عامل ضغط على حكومة العبادي والكتل المتعددة للاستجابة لها؟! تلك هي أغلب هموم الشارع السني بدءاً بالعائلة المهجرة عن ديارها، مروراً بأهالي المعتقلين الأبرياء، وانتهاء بعدد كبير من العاطلين عن العمل الذين يبحثون عن عيش رغيد في بلد يعتبر من أغنى دول العالم.

فماذا عن مصير ورقة الحقوق؟ في الحقيقة لقد تبناها ممثلو السنة ووصلت لعبادي والتحالف الوطني الذي كان المفاوض، وبعد نقاشات وصراعات مطولة ثبت كثير من المطالب وحقوق العرب السنة في أوراق التفاوض، ومن ثم تضمنتها أوراق رئيس مجلس الوزراء التي تلا قسماً منها في كلمته عن برنامجه الحكومي، حيث تضمنت أوراق العبادي: أولاً: المنهاج الحكومي الذي صوّت عليه البرلمان، وثانياً: وثيقة الاتفاق السياسي المصاحبة لتشكيل الحكومة، وكلاهما قد تضمنا كثيراً من متطلبات إقامة الدولة المدنية وتحقيق العيش الرغيد، وكثير من مطالب الجماهير، ومنها مطالب السنة، وتقديرنا أنها كانت سقوفاً عالية وبرنامجاً حافلاً واسعاً يوصف بحلم كبير، فهل سيستطيع العبادي أن ينهض بالأداء الحكومي والدولة العراقية لتحقيق تلك الإنجازات التي قد يصح أن نسميها آمالاً، لكن الزمن هو من سيكشف لنا إمكانية حصول ذلك؟

لكن ما متطلبات تحقيق تلك الآمال والبرامج الواسعة؟ في الحقيقة أهم ما يجب تطلبه النوايا الحسنة من كل الأطراف، خصوصاً من العبادي والتحالف الوطني الشيعي، وكذلك الإرادة الجادة في التغيير نحو مستقبل أفضل والتعاون بين الجميع لإنجاح التجربة وانتشال المجتمع العراقي من الوقوع في التقسيم أو الحرب الأهلية والصراعات العنيفة، ولا تخفى الحاجة إلى دعم الدول الإقليمية والمجتمع الدولي لنجاح الحكومة في تحقيق هذا البرنامج الحالم.

لقد شملت الأوراق المطروحة الكثير من المواضيع التي لو نفذت بشكل صحيح لكانت فاتحة خير على العراقيين؛ فقد تضمنت تحقيق اللا مركزية الإدارية للمحافظات من نواح مختلفة، منها: الملف الأمني بتبنّي تشكيل قوات الحرس الوطني في كل محافظة لحمايتها، وكذلك توزيع الحصص المالية، وملف الخدمات، مع أهمية الحديث عن تبني البرنامج المطلب الأساسي للسنة بالتوازن في الوظائف الحكومية العامة والمناصب، والذي إن تحقق بشكل صحيح لاعتدل نظام الدولة واقترب من إعطاء كل ذي حق حقه.

ومن الفقرات التي تضمنها البرنامج والوثيقة أيضاً: العفو العام الذي يطالب به العرب السنة بسبب الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي حصلت في العراق، فهناك عشرات الآلاف من المعتقلين السنة الذين حكم عليهم بأحكام متعددة جائرة لأسباب طائفية مقيتة من خلال المخبر السري أو لأغراض سياسية، أو تم اعتقال الزوجات بدل أزواجهن وكيلت لهن التهم جزافاً، وكذلك وجود أعداد كبيرة من الموقوفين دون أدلة أو مذكرات قبض رسمية، وغيرها، فمسيرة انتهاكات الحقوق في العراق حافلة بالمظالم، خصوصاً تجاه العرب السنة.

كل تلك المطالب المتنوعة منها ما يتطلب عمل الجهات التنفيذية، ومنها التشريعية، ومنها القضائية؛ وفي المجمل ينبغي تعاون كل الأطراف لإنجاح مساعي الحصول على الحقوق.

إن من أكثر ما يعانيه العرب السنة في العراق هو اختزال وجودهم وعدم إظهار نسبتهم الحقيقية، فلو استطاعوا إثبات ذلك لتحققت لهم حقوقهم التي ينادون بها، وهذا هو السبب الرئيس في عدم إجراء الإحصاء السكاني حتى الآن من قبل الحكومات المتعاقبة، ومن المؤمل حصوله في هذه الدورة الانتخابية.

فكثير من هذه المطالب لو تحقق لتغيّر حال العرب السنة بشكل جيد، لكن ما موقف الحكومة العراقية منه؟! وما الضمانات لتحقيقه؟! فرغم ضعف الثقة بين الأطراف المختلفة في العراق، وعدم وجود ضمانات كاملة لتحقيق كامل المطالب والحقوق؛ إلا أن بعض التقدم قد حصل، وبعض الإجراءات تعطي تطمينات أولية لتكون المرحلة المقبلة من ناحية الحقوق أفضل من المراحل المظلمة السابقة، فلأول مرة في تاريخ تشكيل الحكومات العراقية الحديثة يتم تبنّي برنامج حكومي وقد تضمن الحقوق وكان جزءاً من التصويت على منح الثقة لحكومة العبادي داخل البرلمان العراقي، الذي إن أخذ دوره الرقابي والتشريعي الحقيقي فستكون كفته راجحة في تحقيق ذلك، وأضف إليه توقيع كل الكتل، خاصة التحالف الوطني، مع وجود الضاغط الدولي، خصوصاً الأمريكي؛ كل ذلك يدفع باتجاه تحقيقها، وتبقى حقيقة حصولها على أرض الواقع مرهونة بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، فقد تتحقق كلاً أو جزءاً، ولا تزال الخشية من حصول مناورات ومماطلات من قبل رئيس الوزراء المكلف وتحالفه لتحقيقها.

الحكومة العراقية الحالية ممثلة في العبادي والتحالف الشيعي، وعت الدرس الإقليمي والدولي، وبخاصة الأمريكي، فالمشروع الشيعي الإيراني - العراقي في المنطقة له مساران: الأول: المتشدد، وهو الذي كان يمثله في العراق نوري المالكي، وقد أفل نجمه، لذلك يحاول المسار الثاني وهو الدبلوماسي، الميل نحو تهدئة أكبر وحصول حوارات وتفاهمات وإعطاء بعض الحقوق للمكونات الأخرى، مع الحفاظ على أغلب المكتسبات الشيعية في العراق وفي المنطقة.

وهنا يحق لنا أن نتساءل في خضم هذا التدافع الهائل والحرص الإقليمي الإيراني على المصالح الشيعية في العراق والمنطقة: أين هو الدور العربي والإسلامي من الواقع المرير للعرب السنة في العراق؟! وما شعور هذه الكتلة المجتمعية الكبيرة والمغيّبة تجاه ذلك؟! وهل وصلوا إلى حد من اليأس فانطلق كثير منهم للبحث عن الحليف الأمريكي والأوروبي وغيرهما.

ومهما يكن من أمر في المراحل السابقة، فقد آن للدول العربية والإسلامية أن تدرك أهمية تعاونها ودعمها العرب السنة في العراق ليقفوا على أرجلهم، ومساعدتهم لانتشالهم من براثن المشاريع التي سيطرت على أرضهم ومقدراتهم، خصوصاً المشروع الإيراني التوسعي الذي يغور في العمق العراقي وبات يتنقل في الدول العربية انطلاقاً من العراق، وكما حصل في سورية واليمن، وربما سيلحق بها غيرها، إضافة إلى ما قد يتعرض له السنة من قبل المشاريع الدولية الأخرى؛ فحفاظاً على ما تبقى من العرب السنة في العراق ينبغي أن يكون للعرب والمسلمين دور إيجابي في دعمهم والحفاظ على هويتهم، وهم خط الدفاع الأول عن الهوية التي إن سقطت في بغداد «حاضرة العصور»، فلا لوم إن فُقدت هوية بقية الدول تباعاً.

فحفاظاً على المصالح والاستراتيجيات العربية والإسلامية في المنطقة قبل فوات الأوان؛ لا بد من وجود جهود كبيرة من الدول والمؤسسات التعليمية والبحثية والفكرية والإعلامية، وغيرها، الحكومية منها والشعبية؛ للحيلولة دون الوقوع في مآلات مظلمة، وربما تكون الفرصة الأخيرة.

:: مجلة البيان العدد  329 محرّم  1436هـ، أكتوبر  - نوفمبر  2014م.