من يتابع العلاقات العربية مع العراق منذ أن تأسست الدولة العراقية عام 1921 نتيجة زوال الخلافة العثمانية، يلاحظ أنها علاقة مرت بمطبات وشابها في بعض الأحيان الغموض نتيجة السياسات غير المتوازنة للحكومات العراقية المتعاقبة من جهة، والحكومات العربية من جهة أخرى، لكن الظاهرة الأبرز أن العراق كان مسانداً عتيداً لكافة الدول العربية.

إن العراق كان أول بلد عربي ينال عضوية عصبة الأمم عام 1932، وبعدها عضوية هيئة الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945، وكان مدافعاً قوياً  في المحافل الدولية عن القضايا العربية، سواء ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية، أو القضايا العربية الأخرى المتعلقة بحرب التحرير الجزائرية، أو سعي الدول العربية الأخرى لنيل استقلالها حينذاك.

والعراق كان عضواً مؤسساً لجامعة الدول العربية ، حيث ضمت الجامعة حينذاك سبع دول عربية هي: العراق ومصر واليمن والمملكة العربية السعودية وسورية ولبنان والأردن. والشواهد التي تدلل على مساندة العراق لقضايا العالم العربي والإسلامي كثيرة، من أبرزها: مشاركته في حرب تشرين 1973 وإنقاذه دمشق من السقوط وقتها في براثن الصهيونية، لكن كما قلنا العوائق والمطبات كانت كثيرة، ومنها: انتقاد العراق اتفاقية السلام بين الكيان الصهيوني ومصر من قبل الرئيس السادات عام 1978 وعدها خيانة للأمة ولقضاياها.

حماية البوابة الشرقية

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت أرض الرافدين حامية للبوابة الشرقية، أو هكذا كان يحلو للعراقيين أن يصفوها، فقد خاض العراق حرب الثماني سنوات، وكانت حرباً ضروساً مع إيران الصفوية المتشحة برداء الثورة الإسلامية لتصدير التشيّع للعالم فيما أطلقت عليه الثورة الإسلامية، وقدم العراق قوافل الشهداء، وفي المقابل كان موقف الدول العربية مشرفاً مع العراق، سوى نظام حافظ الأسد النصيري في سورية، الذي ساند إيران في وقتها، وكذلك رئيس ليبيا معمر القذافي، الذي كان يحلم بالدولة الفاطمية، لتنتهي الحرب عام 1988 بنصر ساحق لبلاد الرافدين تجرع الخميني السم الزعاف خلالها.

خرج العراق من الحرب قوياً، لكنه كان بحاجة ماسة للمال ليعمّر ما دمرته الحرب، وعيون العراقيين من جديد على العرب، فمن غير العرب سيدعم اقتصاد العراق وحملته للإعمار، على اعتبار أن حربه كانت تنطلق باسم الأمة.

لكن الأمر لم يكن كذلك، فاللعبة الدولية لا تريد لبلد بحجم العراق أن يكون قوياً، ووقع الرئيس العراقي في الفخ الذي رسمته له أمريكا، فكانت القاصمة بالعلاقات العربية - العراقية بعد اجتياح العراق الكويت عام 1990، لتبدأ ويلات العراق وتتدخل أمريكا بخيلها ورجلها وتقود تحالفاً دولياً لتدمير العراق، وتفرض حصاراً اقتصادياً أكل الأخضر واليابس وقتل ملايين الأطفال، وسط صمت عربي مطبق، وتصل العلاقات العربية إلى أسوء حال نتيجة السياسات الخاطئة لنظام الرئيس الراحل صدام حسين، ولتستمر معاناة الشعب العراقي إلى الغزو الأمريكي في التاسع من نيسان عام 2003، ومعها بدأت مرحلة جديدة على كافة الأصعدة.

بعد الغزو الأمريكي

على وجه السرعة تهاوى نظام صدام حسين، وكما قال مندوب العراق في الأمم المتحدة محمد الدوري: «لقد انتهت اللعبة».. العراق البلد الحامي صار محمية أمريكية يحكمها كارنر ويليه الحاكم بول برايمر الذي شكل سلطة الائتلاف المؤقتة، والعرب ينظرون، فكان بريمر الأمريكي الحاكم الفعلي للعراق المحتل أمريكياً.

وشهدت الأوضاع بعد 2003 تغيراً تدريجياً تبدلت فيه الوجوه السياسية وزال نظام البعث وخرج كثير من التيارات والأحزاب الدينية والقومية والعلمانية.

وتقدمت الأحزاب الشيعية، وصار زعماؤها حجر الرحى في المعادلة السياسية الجديدة، ثم تطور الحلف الشيعي حتى أضحت له قيادة سياسية واحدة تمثلت فيما بعد بالائتلاف العراقي الموحد، ومن ورائه الجماهير الشيعية تدعمه وتصوت له في الانتخابات، ويرعى ذلك كله المرجع الشيعي علي السيستاني.

ثم تحالف التيار الشيعي الأقوى عراقياً مع القوتين الكرديّتين الحاكمتين بشكل شبه مطلق في كردستان العراق، فقويت بهم المعادلة، بينما ظل العرب السنة في حيرة من أمرهم وكأنهم عقد انفرط، فهم أقلية في مجلس الحكم المشكل بعيون أمريكا، ثم هم يدخلون العملية السياسية مرة ويخرجون أخرى، ويقاومون على طول الخط، لكن الواضح أنهم بقوا بلا مشروع واضح وتتجاذبهم قيادات عديدة.

عودة خجولة

بعد كل ما حدث كان لا بد للعرب من أن يعودوا، وهنا بدأت مرحلة جديدة سمتها الغالبة الترقب والحذر وغياب المشروع العربي تجاه العراق وأهل السنة في مرحلة توصف بالارتباك العربي الرسمي.

إيران تعود للعراق

وبالعكس تماماً من المشاريع العربية الرسمية، كانت الأرض خصبة للمشاريع الإيرانية في العراق، إذ شهد العراق بعد الغزو دخول فيلق بدر من حدود إيران وبمباركة منها، ودخولاً حاشداً لزعيم المجلس الأعلى حينها محمد باقر الحكيم، إذ كان الآلاف في استقباله، ما شكل زخماً سياسياً لتياره ورؤيته، وظهر مقتدى الصدر، وظهرت المنظمات الشيعية والميليشيات، وبدأ القتل والتهجير للكفاءات ولأهل السنة، ودخلت إيران وأربكت الدخول العربي الخجول، مع استهداف الوجود العربي في العراق، فقد تم استهداف السفارات العربية والعاملين العرب بالقتل والخطف، والغاية القضاء على النفوذ الذي هو أصلاً ضعيف وغير ملبٍّ للطموح؛ فقد قتل القائم بالأعمال المصري في العراق، ثم اختطف القنصل الإماراتي... وهكذا، فانسحب العرب أكثر فأكثر من العراق، كما أن تفجير مقر الأمم المتحدة ومقتل ممثلها في العراق ديميلو، هو الآخر أخرج الرعاية الدولية من اللعبة نسبياً، ليكون العراق بين كماشتين: إيران وأمريكا، من ينتصر على من.

ترك العرب العراق أو كادوا، وأصبح العنف فيه الهاجس الأكبر لدول الجوار، ولا سيما العربية، وباتت كل دولة تعالج الملف العراقي على طريقتها الخاصة حتى تضاربت مشاريع العرب بينهم تجاه العراق.

كانت أكثر التحذيرات هي تلك التي أطلقتها كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، خلال مؤتمر دول الجوار الذي انعقد في الكويت في نيسان 2008، إذ حذرت في حينه من خطورة استمرار غياب الدور العربي في العراق، ما يؤثر سلباً في أمن واستقرار جيرانه.

تدفق التيار العربي الدبلوماسي والرسمي باتجاه العراق بعد تحذيرات مدوية، أما الجزء الآخر من عملية كسر حاجز المقاطعة فقد وقع على عاتق الحكومة التي يتزعمها نوري المالكي، إضافة إلى القادة الرسميين الآخرين؛ كطارق الهاشمي وهوشيار زيباري، ومع ذلك فإن الدول الكبيرة في المنطقة؛ كالسعودية ومصر، لم ترسل أحداً من دبلوماسييها الكبار للعراق، كذلك الحال مع قطر ودول المغرب العربي وغيرها، وكان هذا مؤشراً غير إيجابي لدى سنة العراق، الذين كانوا يرون في هذا الإجراء وقوفاً إلى جانبهم ضد الحكومة الشيعية الممثلة بالمالكي.

الجامعة العربية والجانب الدعائي

كان أداء الجامعة العربية يتسم بالغموض رغم خوضها تجارب عدة في العراق، منها مؤتمران للمصالحة عقدا في مقر الجامعة بالقاهرة تحت إشراف عمرو موسى نهاية عام 2005 ومنتصف عام 2006، لكن قرارات المؤتمرين بقيت حبراً على ورق، فلم تكن النيات على ما يبدو صادقة، كما أن الجامعة لم تتابع مؤتمريها بشكل يتيح المجال لبقاء الحياة فيهما، خاصة بعد إعلان ممثل الجامعة العربية في العراق استقالته.

وجاءت القمة العربية 23 في بغداد العراق الجديد كما يحلو للبعض تسميته في آذار عام 2012، وفي سبيل ذلك أنفقت أموال كثيرة وطائلة على ترتيباتها، وحضرها عشرة رؤساء عرب، لكنها أيضاً لم تغير شيئاً وخرجت بقرارات هزيلة لم تتجاوز التضخيم الإعلامي.

العرب وحكومة العبادي

يقال إن الظروف تصنع المواقف، هذا ما ينطبق اليوم، وملخص الأمر: نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول هنأ العبادي بمناسبة تشكيله الحكومة العراقية الجديدة، معرباً عن تطلعه لأن تسهم حكومة الدكتور العبادي في تحقيق تطلعات العراقيين. وبدوره شدد العبادي على أهمية دور جامعة الدول العربية في بلورة موقف داعم للعراق في حربه ضد التنظيمات الإرهابية، على اعتبار أن العراق يعد من الأعضاء المؤسسين للجامعة. كما دعا العبادي الدول العربية إلى نبذ الخلافات وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع العراق، ليعرب العربي عن دعم الجامعة العربية للحكومة العراقية الجديدة، وأنها على استعداد لإنجاح أي جهد يصب في مصلحة العراق وتطلعات شعبه.

التحالف الدولي وأهل السنة في العراق

رغم تأكيدات وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، أن دول الخليج العربي أعلنت دعمها السياسي للتحالف الدولي ضد الإرهاب خلال اجتماع جدة مؤخراً، إلا أن عملية التصدي لـ «الدولة الإسلامية» - التي تسيطر على ثلث مساحة العراق - لا تعني تهميش المكون السني في العراق، أو السماح بتزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، أو إعادة تأهيل نظام بشار الأسد الفاقد للشرعية في سورية، وإيضاحه أن دول الخليج لا يمكن أن تسمح بعودة السياسات الإقصائية لسنة العراق، وهي في الوقت نفسه ضد أن تسنح الفرصة لمزيد من التدخل الإقليمي في الشؤون العربية بشكل عام، الذي نرى أنه زاد على الحدّ، وتابع قرقاش قائلاً: نحن نميز بشكل واضح ونعرف من هم داعش ومن هم سنة العراق، ولا ندري ما آلية التمييز بين سنة العراق وداعش، فالأوراق مختلطة في العراق، والحكومة لا تريد ترتيب هذه الأوراق في ظل فتوى الجهاد الكفائي والحشد الشعبي.

السنة في خطر

على الدول العربية أن تدرك جيداً أن دور العراق الإقليمي كبير، بل هو أسُّ المعادلة في الشرق الأوسط كله، وأن ما يجري اليوم خطر على أهل السنة في العراق، كالتغيرات الأخيرة التي حدثت في العراق من اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية المعروف (داعش) وسيطرته على مساحات شاسعة وتهديده الخليج العربي والدول المجاورة والعالم، ما دفع العرب إلى التدخل والعودة إلى العراق والقيام بدور فاعل هناك، لكن التساؤل: هل الدور الفاعل سيقتصر على دعم حكومة العبادي التي لا تختلف كثيراً عن حكومة المالكي بل هي مكملة للمشروع الإيراني في المنطقة، أم سيتعدى إلى الالتفات إلى أهل السنة ورد حقوقهم المغتصبة؟ إن الخطر يكمن في الخيار الأول، فإخراج تنظيم الدولة الإسلامية فقط من المحافظات والمدن السنية سيسبب كارثة؛ فلا ضمانات مقدمة لحماية السنة من إيران وحكومة العبادي وميليشياتها الشيعية، بل مَن سيقدم هذه الضمانات ومن القوة التي ستحمي أهل السنة المتفرقين أصلاً؟ هذه الحقيقة يجب أن يدركها العرب في المرحلة القادمة وقبل أن يفوت الأوان، فلو سارت الأمور وفقاً لتخطيط إيران فاقرأ السلام على العراق، وطبعاً المنطقة العربية.

:: مجلة البيان العدد  329 محرّم  1436هـ، أكتوبر  - نوفمبر  2014م.