تدخل الدولة التونسية مرحلة جديدة من تاريخها مع نهاية الانتخابات البرلمانية والرئاسية في نوفمبر القادم، التي ستمثل الحد الفاصل بين المرحلة الانتقالية والدولة الجديدة؛ وذلك بعد أن نجحت ثورتها في إفراز لجنة تأسيسية لصياغة الدستور ورئيس مؤقت في مرحلة انتقالية اتسمت بقدر كبير من النجاح رغم الصعوبات والتحديات، إلا أن وجود برلمان ورئيس منتخبين شعبياً بإرادة حرة لأول مرة في التاريخ التونسي، سيمثل علامة جديدة فارقة في تاريخ أنظمة الحكم العربية.

فرغم عدم القضاء التام على تهديدات النظام السابق وفساده وماله السياسي، وعدم توقع النجاة الكاملة لمخرجات الثورة من تأثيرات ذلك المال السياسي انتخابياً وإعلامياً؛ إلا أن البلاد تمضي على طريق يمكّن الشعب في النهاية من اختيار حكامه وفرز الأصلح من الأسوأ، والأهم هو قدرته على تغيير قادته عندما يفشلون أو يفسدون أو يظلمون، وهذا بحد ذاته يعد انتقالاً من حال إلى حال، ويمثل نموذجاً جديداً يتشكل في المنطقة العربية، وربما يصبح جاذباً لمزيد من حالات التطور في أنظمة الحكم بما يتماشى مع متطلبات العصر، وفي الوقت ذاته من المتوقع أنه لن يخلو من المضايقات على المستويات المحلية والإقليمية.

فالصراع في المنطقة بين نموذجي الاستقرار والتنمية المبنيين على العدل بالتفويض الشعبي، ونموذج الاستقرار المبني على الاستبداد؛ وصل إلى أوجه في منطقة تعاني أزمة حكم مزمنة في تاريخها السياسي الضارب لمئات السنوات منذ فجر الإسلام، إضافة إلى بزوغ وضع إقليمي سقطت فيه المظلة العربية وجامعتها منذ غزو صدام للكويت وبدْء تشكل المحاور داخل العالم العربي، ما أسفر عن حمي وطيس حرب النماذج بعد اندلاع انتفاضات الربيع العربي، الذي جاء في ظل إعادة تشكل النظام الدولي وانسحاب أمريكي متدرج من المنطقة، ما دفع القوى الإقليمية إلى زيادة تدخلاتها المحلية في مختلف الدول لتشكيل مخرجات المرحلة كلٌّ في صالحه.

والحالة التونسية ستمثل نموذجاً فريداً في العالم العربي في حال نجاح المنظومة الانتخابية في فرز الأصلح للبلاد، فبرغم عدم محورية تونس في السياسات الإقليمية طبقاً لوزنها الديمغرافي وموقعها البعيد نسبياً عن القلب الصلب للعالم العربي؛ إلا أن نموذجها للانتصار على الاستبداد وعلى قوى الثورات المضادة وداعميها في المنطقة، سيمثل بارقة أمل ممتدة للشعوب، تماماً كما كان هروب زين العابدين بن علي شرارة أشعلت الربيع العربي. كما تحمل تونس خصوصية أخرى، وهي استيعابها مختلف ألوان الطيف السياسي بلا إقصاء لأحد، ولا سيما التيار الإسلامي الذي تمثله حركة النهضة بسياسييها ومفكريها، الذين يمثلون رافداً يفرز ترياقاً توافقياً تصالحياً بين الإسلاميين ومجتمعاتهم وخصومهم في بيئة وعرة.

فمن قبل تونس نجح النموذج التركي في الحصول على الثقة الشعبية وامتداد تفويضه لإحداث تعديلات جوهرية في المجتمع ومنظومة الحكم ودوائر السلطة والثروة من شأنها أن توسع من مظلة العدل السياسي والاجتماعي، والارتكاز على الشعب من أجل رفض طلبات الإذعان من القوى الكبرى، واتخاذ مواقف أخلاقية تجاه العالم الإسلامي وأقلياته التي تتعرض للذبح والانتهاك، وحيال تطوير الدول الإسلامية لمعرفتها التقنية في المجالات النووية السلمية رغم الثمن الفادح الذي يمكن أن يُدفع نظير ذلك، وهو نموذج لا يزال يثري الساحة الإقليمية بمعاني الاستقلالية في صنع القرار الداخلي والخارجي، وترسيخ مبدأ سيادة الدول، ومبارزة القوى العظمى بأدوات السياسة الخارجية طبقاً لقواعد اللعبة التي ارتضاها الجميع.

وعلى الساحة التونسية الداخلية لا تزال قوى الثورة المضادة تتربص الدوائر بمنجزات الشعب، وكما سرقت أمواله في السابق ونهبت حقوقه، فإنها لا تزال تراهن على قدرتها على استعادة مسروقاتها عن طريق التلاعب بالإعلام والمال السياسي، لكن إسلاميي تونس فطنوا لذلك المخطط، وتراجعوا خطوتين من أجل السماح للشعب بأن يكون هو من يقف مدافعاً عن ثورته وعن الدماء التي سُفكت من أجل استعادة حقوقه المغصوبة، ومن أبرز مكتسبات الثورة التونسية هو ذلك الدستور التوافقي الذي مزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني لصالح رئيس الحكومة، ليمنع تقلد أي زعيم فرد مفاتيح الخزائن والسجون مرة ثانية، والضغط منفرداً على مكابح البلاد لإرجاعها إلى الوراء.

لقد تنازل إسلاميو تونس عن المناصب في الفترة الانتقالية، كما لم يدفعوا بمرشح منهم للرئاسة، وذلك لأن تخطيط حدود الملعب السياسي أهم من المناصب في الفترة الانتقالية والجمهورية الجديدة، كما أن مأسسة الدولة واستقلال أجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإسقاط منظومات الفساد والاستبداد، والحفاظ على نزاهة وشرف صندوق الانتخابات؛ تعد كلها مكاسب كبرى تصب في مصلحة الشعب عامة، وفي مصلحة الإسلاميين خاصة، على المدى البعيد، بتحييد قدرات الثورة المضادة وداعميها الخارجيين من الانفراد بفصيل بعينه في الحكم ومحاصرته بالمشكلات والهياج الشعبي المهندس، من أجل عرقلة التقدم ووسمه بإحدى السيئتين: الفشل أو الإرهاب، كما حدث بصورة واضحة في الحالة المصرية، وبصورة أقل وضوحاً في الحالة اليمنية.

فذوبان القوى الإسلامية وسط الشعب يجعل الجميع يداً بيد يحمل بساط رفع حجر المشكلات الأسود، ويوزع بالتساوي التبعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لترتفع الدولة جميعاً يداً بيد، ولتجتمع الأمة على إقامة العدل والشورى دون إقصاء ولا استهداف فريق بعينه، ليظل الإسلاميون في خلفية المشهد أملاً في تقديم صورة ناصعة لعدم التكالب على المنصب، مع حراستهم الفضيلة والحث عليها، وارتفاع نموذج الإيثار ومعه ارتفاع تقدير رجل الدين الذي وهب نفسه لأمته كالحادي لهم وحامل البوصلة ومرشدهم إلى طريق الصلاح، مع استمرار الدور السياسي والرقابي والتشريعي للسياسيين الإسلاميين باجتهاداتهم البشرية من داخل البرلمان، وهو رهان على تحقيق الأهداف الأسمى لمقاصد الشريعة، دون تمكين مباشر لقوى الإسلام السياسي في البلاد.

ورغم ذلك إلا أن الانتخابات التونسية، البرلمانية والرئاسية، لن تخلو من فساد ومال سياسي وتلاعب دعائي من أباطرة الفضائيات المتقاطعة مصالحهم مع أنظمة الفساد السابقة ومع رؤوس الأموال الحرام، لكن وضع الحدود العامة للملعب السياسي سينقح التجربة وسيصلح من خللها على مدار القادم من السنوات طالما أتيحت الفرصة لاستكمال الدائرة وليس قطعها في منتصف الطريق، ويظل الرهان في النهاية على جموع الأمة في كل مصر، والتي نرجو ألا تجتمع على ضلالة، وأن نتوسم الخير فيهم إلى يوم القيامة.

وفي ضوء الصراع الإقليمي على النفوذ الذي يجري بين نماذج الحكم المختلفة في المنطقة، فإن نهاية الانتخابات الرئاسية التونسية لن تمثل سوى بداية مرحلة جديدة تماماً على المستويات الداخلية والإقليمية، فوجود توليفة حكم فاعلة تشكل مزيجاً من الإسلاميين والليبراليين واليساريين سيعطي على طول الطريق إلهاماً وتهديداً في الوقت ذاته؛ فنجاة نموذج التعايش السياسي سيرسل موجاته الارتدادية في أرجاء العالم العربي، فتلك التجربة ستضيف بعداً جديداً لصراع النماذج، وتقدم للشعوب العربية دليلاً على أننا نستطيع أن نحيا دون حكومات عسكرية/ أمنية متسلطة تمسك برقاب العباد كيلا ينفرط عقد الدولة، ما يحقق مخططات التقسيم المزعومة التي تدفعها حروب الجيل الرابع الأسطوري، إلى آخر تلك الترهات التي تغفل أن التقسيم ينبع من الظلم السياسي والاجتماعي الذي يقسم الناس بحسب هوياتهم ومرجعياتهم وطبقاتهم الدينية والسياسية والاجتماعية.

وتظل التجربة التونسية في النهاية هي حلقة أخرى من تجارب الشعوب وتدافعها، وتجارب الإسلاميين بصفة خاصة، وبما يمكن أن تسهم به في تنقيح تجاربهم الإنسانية في الحكم والمشاركة السياسية، واستيعابهم دروس الماضي البعيد وضربات الحاضر القريب.

:: مجلة البيان العدد  329 محرّم  1436هـ، أكتوبر  - نوفمبر  2014م.