في أواخر عام 2010م كانت المنطقة العربية على موعد مع موجة من الحراك الشعبي اجتاحت العديد من العواصم، كانت شرارتها الأولى في تونس لكن سرعان ما انتقلت إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا. خرجت موجات بشرية كبيرة وهادرة لتعبر عن غضبها لبقاء حكامها عشرات السنين مهيمنين على السلطة دون أن يحققوا أياً من أحلامها وتطلعاتها لحياة كريمة، خرجت الشعوب لتقول كلمتها ساعية لتغيير واقعها البائس.

وبعد ما يربو على ثماني سنوات فإن الحصاد المر هو ما يمكن أن نصف به ما جنته الشعوب، فالثورة السورية (نموذجاً) بدأت شرارتها في مدينة درعا، حيث قام الأمن باعتقال خمسة عشر طفلاً، إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم بتاريخ 26 فبراير 2011م، ثم ما لبثت أن انطلقت في مدن درعا ودمشق وحمص وبانياس.

اليوم يقدر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن عدد القتلى منذ انطلاق الحراك الشعبي وصل إلى 511 ألفاً حتى مارس 2018م. إضافة إلى 6,6 مليون نازح داخلي و5,6 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين[1]. أي إن 12 مليون سوري نزحوا منذ اشتعال الصراع قبل حوالي سبعة أعوام، وهو ما يمثل حوالي 60% من عدد السكان قبل الحرب، وهي نسبة نزوح لم تشهدها دولة من قبل في العقود الأخيرة، بحسب مركز بيو للأبحاث.

صارت سوريا مضرب الأمثال فلا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت، شعب خرج من أجل العيش الكريم فانتهى به المطاف إما مقتولاً أو معتقلاً أو مشرداً أو لاجئاً في شتى بقاع الأرض، فلا التغيير حدث ولا الأوضاع عادت إلى سابقها.

«حتى لا نصبح مثل سوريا والعراق».. هكذا ترددت تلك العبارة على ألسن المستبدين حتى صارت كالسيف على رقاب الشعوب، بل أضحت كالقيد على النفوس والعقول، مكبلة أي محاولة حتى للتفكير في الخروج من تلك الأزمة.

سوريا ليست وحدها في هذا بل لحقت بها أخواتها، فما من عاصمة تحرك شعبها مطالباً بالتغيير إلا مزقت كل ممزق، وأهلها لا يجدون خبزاً ولا أماناً، إنها لحظات الذروة التي يختلط فيها الذل بمشاعر الإحباط والانكسار.

عصور مضت فوق ظهر تلك الشعوب منذ عهد الاحتلال ثم تبوأ الوطنيون الحكم، وهي تنتظر أن يسمع أحد صوت أنينها من الفقر والجهل والمرض، لكن لا من مجيب، ولا شيء غير التخويف من المصير المجهول، والأمر بالصبر على أوضاع ما عادوا يتحملونها.

وبعد أن هدأت تلك الموجات الشعبية وظن المستبدون أنهم باقون فوق صدور شعوبهم مطمئنين، جاءهم الحراك في السودان، ثم في الجزائر صاحبة المليون شهيد في نضالها ضد الفرنسيين، وعشرات الآلاف من الشهداء إبان العشرية الدموية.

«خلاص فهمتكم»، و«لم أنك أنتوي الترشح».. عبارات حفظتها الشعوب عن حكامها في لحظاتهم الأخيرة، عبارات جاءت متأخرة، ولو أن الرئيس التونسي فهم شعبه فقط قبل أيام، ربما كان الآن أيقونة الحرية في تونس، ولو أن الرئيس الجزائري استبق شعبه وترك لهم الحرية في اختيار من يخلفه لوضعه شعبه في مصاف العظماء المصلحين برغم سابق استبداده.

لكن الأزمة الكبرى أن لا أحد يدرك منطق حراك الشعوب إلا بعد أن يسبق السيف العزل، فبرغم مشاهد القتل والتدمير والتشريد التي مرت بها الموجة الأولى من الحراك العربي لم يثن هذا شعب السودان وشعب الجزائر عن التحرك. الشعوب لم تعد تخاف لأنه لم يعد لديها ما تفقده، الأجيال الجديدة أصبح لديها من الوعي والتطلع والأمل ما يجعلها تزهد في حياة مع كرامة مهدرة.

كل حاكم مستبد كان يظن نفسه مختلفاً عن من سقط قبله، وشعبه مختلفاً عن من ثار قبله، لكنها السنن التي لا تحابي أحداً.

الثورة الفرنسية درس للشعوب:

يتوهم الكثيرون أن الثورة فصل واحد ونقلة واحدة تنقلك من جهة إلى أخرى، لكن الحقيقة أن الثورات هي فعل تراكمي متفاعل، له مراحل شتى. فالثورة الفرنسية على سبيل المثال اندلعت عام 1789م، وظلت في حالة من الاضطراب السياسي والاجتماعي إلى أن انهار النظام الملكي وتم إعلان الجمهورية في عام 1792م، ثم أعدم الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت في 1793م.

وفي عام 1799م وصل نابليون إلى سدة الحكم وأصبح القنصل الأول في الجمهورية، ثم في عام 1804م أعلن نفسه إمبراطوراً على فرنسا وظل في منصبه حتى عام 1814م.

انهار نظام نابليون تحت ضغوط من الممالك الأوربية والإمبراطورية الروسية وعادت الملكية مرة أخرى وتولى الملك لويس الثامن عشر أخو لويس السادس عشر ملك فرنسا وبقيت ملكية آل بوربون حتى عام 1830م.

 ثم اندلعت الثورة مرة أخرى ووصل لويس فيليب الأول إلى سدة الحكم وهو من أقارب الملك لويس السادس عشر فكانت تلك المرحلة هجينة بين الملكية والجمهورية.

عاش هذا النظام حتى نهوض الثورة الجديدة 1848م. والتي لم تستمر طويلاً لأن نابليون الثالث سرعان ما أعلن نفسه إمبراطوراً بعد ثلاث سنوات من رئاسته للجمهورية، وعاشت تلك الدولة حتى سقوطها أثناء الحرب الفرنسية البروسية (1870- 1876م)، حيث تم الإعلان عن الجمهورية الثالثة 1870م وبقيت حتى عام 1940م عندما سقطت باريس في قبضة جيوش ألمانيا النازية، وبذلك تكون تلك الفترة أطول نظام استمر في تاريخ فرنسا المعاصرة. وهذا يعني أن فرنسا ظلت ما يقرب من المئة عام تتقلب بين الملكية والجمهورية والإمبراطورية.

لذا على الشعوب أن تعي أن الطريق أمامها ما زال طويلاً ولن ينتهي بجولة واحدة، وإنما هي جولات صعود وهبوط، وألا تدفعهم خسارة جولة إلى النكوص والظن أن المعركة قد انتهت، وعلى المستبدين أن يعوا أن لا ملاذ آمن من موجات غضب الشعوب إلا أن يركبوا مركبهم وينزلوا على خياراتهم، وأن يتحركوا الآن وهم في مأمنٍ قبل أن يغرقوا، هذه هي حكمة الواقع والتاريخ لمن أراد أن يعي الدرس.


 


[1] تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش عن أوضاع حقوق الإنسان في سوريا 2018م:

(http://cutt.us/ZJ1P  ).