إننا حينما نتحدث عن صلاح الدين فإننا نتحدث عن صلاح دين ودنيا، نتحدث عن رجل قاد أمة إلى بر الأمان بعدما عاشت سنين تركض في بحر الهزيمة والعصيان، فباتت تسطر في سجل الانتصارات فخراً بعد فخر، وانتصاراً بعد انتصار، إلى أن منَّ الله عليها بتحرير القدس وتحرير الأقصى الشريف، لقد كان حرياً بسيرة هذا الرجل الصالح أن يكلل الله حياته بهذا النصر، يقول ابن شداد: كان رحمة الله عليه حسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، قد أخذ عقيدته من مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء، وكان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسناً وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة عقيدته عن كدر التشبيه.. وكان لشدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر[1].

وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة وكان يواظب على السنن الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه، وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة، وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال؛ فإنه ملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قريةً ولا مزرعةً ولا شيئاً من أنواع الأملاك[2].

أما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام وشرع رحمه الله في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها[3].

وأما الحج فإنه كان لم يزل عازماً عليه وناوياً له لاسيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى[4].

كان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه، ويشترط أن يكون عالماً بعلم القرآن العظيم متقناً لحفظه. وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك، ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وجعل له حظاً من خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأً من مزرعة.

وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة[5].

ولقد كان رحمه الله عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي. وكان يجلس للعدل كل يوم إثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً[6].

ولقد كان رؤوفاً بالرعية ناصراً للدين مواظباً على تلاوة القرآن العزيز عالماً بما فيه عاملاً به ولم يرد قاصداً أبداً أو منتحلاً ولا طالب حاجة.

يقول ابن شداد: «لقد رأيته رحمه الله بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما يكون منكباً على جانبه إن كان بالخيمة، وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلباً تعبية القتال وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابراً على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل وهذه عناية ربانية[7].

يروي ابن الأثير أنَّ داراً بمصر كانت تسمى دار المعونة يحبس فيها من يراد حبسه هدمها صلاح الدين، وأزال ما كان فيها من الظلم وبنى فيها داراً للعدل، هكذا العظماء، وعزل القضاة المصريين - وكانوا شيعة - وأقام قاضياً شافعياً، وجعل القضاة الشافعية في كل البلاد.

ومن محاسن صلاح الدين، بعد أن ثبت قدمه بمصر وأزال المخالفين، إلزام نفسه بما ألزمه به نور الدين من قطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية، بعد أن استشار أمراءه فمنهم من أشار عليه به ومنهم من خافه، فما أمكنه إلا أن يمتثل لأمر نور الدين بعد أن ألزمه إلزاماً لا فسحة فيه، وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيه عنزان[8]. ولما وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدة أيام وزينت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حد عليه.

ومن محاسنه أنَّه كان سيفاً يخوف به بلاد الفرنج، وذلك لما مات نور الدين محمود صاحب الشام اجتمع الفرنج وساروا إلى قلعة بانياس من أعمال دمشق فحصروها فجمع شمس الدين محمد بن عبد الملك ابن المقدم العسكر عنده بدمشق فخرج عنها فراسلهم ولاطفهم ثم أغلظ لهم في القول وقال لهم إن أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس فنحن على ما كنا عليه وإلا فنرسل إلى سيف الدين صاحب الموصل ونعلمه ونصالحه ونستنجده ونرسل إلى صلاح الدين بمصر فنستنجده ونقصد بلادكم من جهاتها كلها ولا تقومون لنا وأنتم تعلمون أن صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين والآن فقد زال ذلك الخوف وإذا طلبناه إلى بلادكم فلا يمتنع، فعلموا صدقه فصالحوه على شيء من المال أخذوه وأسرى لهم كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة، فلما سمع صلاح الدين بذلك أنكره واستعظمه وكتب إلى الملك الصالح والأمراء الذين معه يقبح لهم ما فعلوه ويبذل من نفسه قصد بلاد الفرنج ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من بلاد الملك الصالح[9].

وسيرته كانت تهابها الأعداء ويطمئن لها الأولياء، ففي سنة 570هـ هاجم أسطول من الفرنج مدينة الإسكندرية  وكان سبب ذلك إرسال بعض أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحل الشام وإلى صاحب صقلية ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من مصر، فجهز صاحب صقلية أسطولاً عدة وعتاداً فخرج أهل الإسكندرية بسلاحهم وعدتهم ليمنعوهم من النزول وأبعدوا عن البلد فمنعهم الوالي عليهم من ذلك وأمرهم بملازمة السور، ونزل الفرنج إلى البر مما يلي البحر والمنارة وتقدموا إلى المدينة ونصبوا عليها الدبابات والمنجنيقات وقاتلوا أشد قتال وصبر لهم أهل البلد ولم يكن عندهم من العسكر إلا القليل، ورأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية وحسن سلاحهم ما راعهم، وسيرت الكتب بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفع العدو عنهم، ودام القتال أول يوم إلى آخر النهار ثم عاود الفرنج القتال اليوم الثاني وجدوا ولازموا الزحف حتى وصلت الدبابات إلى قريب السور، ووصل ذلك اليوم من العساكر الإسلامية كل من كان في إقطاعه وهو قريب من الإسكندرية فقويت بهم نفوس أهلها وأحسنوا القتال والصبر وكثر الصياح من كل الجهات فارتاع الفرنج واشتد القتال فوصل المسلمون إلى الدبابات فأحرقوها وصبروا للقتال فأنزل الله نصره عليهم وظهرت أماراته، ولم يزل القتال إلى آخر النهار ودخل أهل البلد إليه وهم فرحون مستبشرون بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم وفشل الفرنج وفتور حربهم وكثرة القتل والجراح في رجالتهم.

وأما صلاح الدين فإنه لما وصله الخبر سار بعساكره وسير مملوكاً له ومعه ثلاثة جنائب ليجد السير عليها إلى الإسكندرية يبشر بوصوله وسير طائفة من العسكر إلى دمياط خوفاً عليها واحتياطاً لها، فسار ذلك المملوك فوصل الإسكندرية من يومه وقت العصر والناس قد رجعوا من القتال فنادى في البلد بمجيء صلاح الدين والعساكر مسرعين، فلما سمع الناس ذلك عادوا إلى القتال وقد زال ما بهم من تعب وألم الجراح وكل منهم يظن أن صلاح الدين معه فهو يقاتل قتال من يريد أن يشاهد قتاله.

وسمع الفرنج بقرب صلاح الدين في عساكره فسقط في أيديهم وزادوا تعباً وفتوراً فهاجم المسلمون عند اختلاط الظلام ووصلوا إلى خيامهم فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة، وكثر القتل في رجالة الفرنج فهرب كثير منهم إلى البحر وقربوا شوانيهم إلى الساحل ليركبوا فيها فسلم بعضهم وركب وغرق بعضهم وغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير وكفى الله المسلمين شرهم[10].

فتح الكرك:

في سنة 580هـ رأى صلاح الدين أنَّ فتح الكرك لزاماً عليه، وأنَّ فتحها أنفع للمسلمين من غيرها، فإن أهلها يقطعون الطريق على الحجاج، فبينما هو كذلك إذ بلغه أنَّ الفرنج قد اجتمعوا له كلهم فارسهم وراجلهم، ليمنعوا منه الكرك، فانشمر عنها وقصدهم فانهزمت الفرنج فأرسل وراءهم من قتل منهم مقتلة عظيمة، وفي هذه السنة مرض صلاح الدين مرضاً شديداً حتى لقد أشار عليه أخوه العادل بأن يوصي بعد أن قصده بالأطباء والأدوية من حلب، ثم نذر لئن شفاه الله من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج ولا يقاتل بعد ذلك مسلماً، وليجعل أكبر همه فتح بيت المقدس، ولو صرف في سبيل الله جميع ما يملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك بيده، لأنَّه نقض العهد وتنقص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه أخذ قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام فأخذ أموالهم وضرب رقابهم وهو يقول: أين محمدكم؟ دعوه ينصركم، فعند ذلك شفاه الله وعافاه من ذلك المرض الذي كان فيه، كفارة لذنوبه، وجاءت البشارات بذلك من كل ناحية، فدقت البشائر وزينت البلاد؛ فرحاً بإتمام الشفاء. ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم ركب فدخل دمشق، وقد تكاملت عافيته، وقد كان يوماً مشهوداً[11].

واقعة حطين:

لقد كان يوم حطين يوماً عظيماً في تاريخ البشرية، وكانت معركته فاصلة قصمت ظهور النصارى، وكانت هي الممهدة لفتح بيت المقدس.

يقول ابن كثير: «جاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر، فرتب الجيوش وسار قاصداً بلاد الساحل، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفاً غير المتطوعة، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر، وجاؤوا بحدهم وحديدهم واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت، وضلال الناسوت، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، يقال كانوا خمسين ألفاً وقيل ثلاثاً وستين ألفاً، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم، وستري غب ما أقول لك، فتقدموا نحو المسلمين وأقبل السلطان، ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك، وتحصنت منه القلعة، فلم يعبأ بها، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة، حتى صاروا من عطش عظيم، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين، التي يقال إنَّ فيها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام، وجاء العدو المخذول، وكان فيهم صاحب عكا وكفرنكا وصاحب الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان، وأسفر وجه الإيمان وأغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية يوم الجمعة، فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوماً عسيراً على أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيماً، وكان ذلك عليهم مشؤوماً، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط، فرموه فتأجج ناراً تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عز وجل، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم ثلاثون ألفاً في ذلك اليوم، وأسر ثلاثون ألفاً من شجعانهم وفرسانهم[12]، وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذين يزعمون أنه صلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة، ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ودمغ الباطل وأهله، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفاً وثلاثين أسيراً من الفرنج قد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيراً بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فلله الحمد دائماً كثيراً طيباً مباركاً.

فلما تمت هذه الوقعة ووضعت الحرب أوزارها أمر السلطان بضرب مخيم عظيم، وجلس فيه على سرير المملكة وعن يمينه أسرة وعن يساره مثلها، وجيء بالأسارى تتهادى بقيودها، فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية - والأسارى بين يديه - صبراً، ولم يترك أحداً منهم ممن كان يذكر الناس عنه شراً، ثم جيء بملوكهم فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم، فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه، وأجلس أرياط برنس الكرك وبقيتهم عن شماله، ثم جيء إلى السلطان بشراب من الجلاب مثلوجاً، فشرب ثم ناول الملك فشرب، ثم ناول أرياط صاحب الكرك فغضب السلطان وقال له: إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي، يقول ابن شداد: «فقصد رحمه الله أن من أكل من طعامي فالمروءة تقتضي أن لا أؤذيه»[13]. ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل تلك الخيمة واستدعى أرياط صاحب الكرك، فلما أوقف بين يده قام إليه بالسيف ودعاه إلى الإسلام فامتنع، فقال له: نعم أنا أنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الانتصار لأمته، ثم قتله وأرسل برأسه إلى الملوك وهم في الخيمة، وقال: إن هذا تعرض لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قتل السلطان جميع من كان من الأسارى من الداوية والإسبتارية صبراً وأراح المسلمين من هذين الجنسين الخبيثين، ولم يسلم ممن عرض عليه الإسلام إلا القليل، فيقال إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفاً، والأسارى كذلك كانوا ثلاثين ألفاً، وكان جملة جيشهم ثلاثة وستين ألفاً، وكان من سلم مع قلتهم قد هرب أكثرهم جرحى، فماتوا ببلادهم، وكان يوماً مشهوداً[14]، فلله الحمد والمنة.

ثم اتجه إلى عكا فأخذها وأخرج الأسرى كلهم من ضيق الأسر وكانوا زهاء أربعة آلاف أسير وأعطى كل واحد منهم نفقة يصل بها إلى بلده وأهله.

يقول ابن شداد: «كان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم عارفاً بسيرهم وأحوالهم حافظاً لأنساب خيلهم عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره.

وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.

وكان طاهر المجلس، لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير السمع، فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير وطاهر اللسان فما رأيته ولع بشتم قط، وكان حسن العهد والوفاء، فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحّم على مخلفيه وجبر قلبه، وأعطاه وجبر مصابه، وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلمه إياه وإلا أبقى له من الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من يعتني بتربيته ويكفلها.

وكان لا يرى شيخاً إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله إلى مقر رحمته ومكان رضوانه[15].

يقول القاضي ابن شداد: «ولقد كنت راكباً في خدمته، في بعض الأيام قبالة الإفرنج، وقد وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة التخوف، كثيرة البكاء، متواترة الدق على صدرها قال اليزكي: إنَّ هذه خرجت من عند الإفرنج فسألت الحضور بين يديك وقد أتينا بها، فأمر الترجمان أن يسألها عن قصتها فقالت اللصوص المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتي وبت البارحة أستغيث إلى بكرة النهار، فقال لي المملوك: السلطان هو أرحم ونحن نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه، فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك. فرق لها ودمعت عينه وحركته مروءته وأمر من ذهب إلى سوق العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ويدفع له ثمنها ويحضرها وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه، فما كان إلا أن وقع نظرها عليها فخرت إلى الأرض تعفر وجهها في التراب والناس يبكون على ما نالها وهي ترفع طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقول فسلمت ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم.

وكان مغرماً بالإنفاق في سبيل الله، وكان لا يرى الإساءة إلى من صحبه وإن أفرط في الخيانة ولقد أبدل في خزائنه كيسان من الذهب المصري بكيسين من الفلوس فما عمل بالنواب شيئاً سوى أن صرفهم من عملهم لا غير[16].

فتح القدس الشريف:

طار في الناس أن السلطان عزم على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصالحون تطوعاً، وجاؤوا إليه، ووصل أخاه العادل بعد وقعة حطين وفتح عكا ففتح بنفسه حصوناً كثيرةً، فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش شيء كثيرٌ جداً، فعند ذلك قصد السلطان القدس[17].

وكان صاحب القدس يومئذ رجلاً يقال له بالبان بن بازران، ومعه من سلم من وقعة حطين يوم التقى الجمعان، من الداوية والإسبتارية أتباع الشيطان وعبدة الصلبان وقاتل الفرنج دون البلد قتالاً هائلاً، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين(3)، فحنق عند ذلك كثير من الأمراء والصالحين، واجتهدوا في القتال، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبةً فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الإيمان حنقاً وشدةً، وكان ذلك يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير، فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها وحشاها وأحرقها، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع، والخطب المؤلم الوجيع، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك وقال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك بها أحداً من النصارى إلا قتلته، كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، فطلب صاحبها بالبان بن بازران الأمان؛ ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترقق للسلطان وذل ذلاً عظيماً، وتشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم، فقالوا إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا - وكانوا قريباً من أربعة آلاف - وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وهدمنا قبة الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه، ولا نبقي ممكناً في إتلاف ما نقدر عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعداداً منكم، فماذا ترتجي بعد هذا من الخير؟ فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح وأناب، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين، ومن عجز عن ذلك كان أسيراً للمسلمين، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين، وأنهم يتحولون منها إلى مأمنهم وهي مدينة صور.

فكتب الصلح بذلك، وأن من لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوماً فهو أسير، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير من رجال ونساء وولدان، ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب.

قال العماد: وهي ليلة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم  من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى[18].

قال ابن شداد: «لما قصد صلاح الدين القدس، اجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة، ورأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر، وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم مقتولون، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة بين الطائفتين، وكان تسلمه القدس قدس الله روحه ليلة الإسراء والمعراج. فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسّر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم صلى الله عليه وسلم  وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وخطب فيه، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه. وحطّ الصليب الذي كان على قبة الصخرة نصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر[19].

هذه بعض محاسن صلاح الدين سقناها للعبر، علها تجد في سوق الرجال رجالاً هم للراية السند وللشهادة الطلب وبهم ينتفع وعلى مثلهم يعتمد، والله المستعان.

 


 


[1] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد، تحقيق: الدكتور جمال الدين الشيال، ص33، ط2، 1415هـ - 1994م، مكتبة الخانجي، القاهرة.

[2] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص34.

[3] المرجع نفسه ص35.

[4] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص35.

[5] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص36.

[6] المرجع نفسه، ص41.

[7] المرجع نفسه، ص57.

[8] الكامل في التاريخ لابن الأثير، تحقيق عبد الله القاضي، 10/33-34، ط1415هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.

[9] الكامل في التاريخ، 10/60.

[10] الكامل في التاريخ، 10/63-64.

[11] البداية والنهاية، 12/387.

[12] البداية والنهاية، 12/392.

[13] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص70.

[14] البداية والنهاية، 12/392 -393.

[15] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص70.

[16] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص68-69.

[17] البداية والنهاية، 12/ 394.

[18] البداية والنهاية، 12/ 396.

[19] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص124-125.